رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عمرو علي 27 أكتوبر، 2026 0 تعليق

الوفاء بين الزوجين حين يصون الإنسان المعروف..       (2-2)

  • من الوفاء أن يحفظ الزوج لأهل زوجته مكانتهم وأن يحسن معاملتهم وأن يقدر ما بذلوه من ثقة حين زوجوه ابنتهم
  • أخطر ما يهدد الوفاء بين الزوجين أن تتحول الأسرار بين الزوجين إلى أدوات للضغط والتهديد أو إلى مادة للتشهير عند الغضب والخصومة
  • الوفاء الحقيقي أن يتذكر الزوج فضل زوجته حين كانت إلى جواره وأن تتذكر الزوجة فضل زوجها حين كان سندا لها
 

إذا كان الوفاء مطلوبا بين الأصدقاء والزملاء، فإنه بين الزوجين أعظم وأوجب؛ لأن العلاقة الزوجية ليست مجرد صحبة عابرة، ولا اتفاقا على مشاركة المسكن والنفقات، وإنما هي ميثاق غليظ، ومسؤولية أمام الله -تعالى-، وحياة مشتركة تقوم على السكن والمودة والرحمة، قال الله -تعالى-:{وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 21).

الزوجة أمانة

       حين يزوج أهل المرأة ابنتهم، فإنهم يأملون أن تنتقل إلى بيت يجد فيه قلبها الأمان، ونفسها الكرامة، وحياتها الاستقرار، وهم لا يسلمون الزوج شيئا يملكونه ملكا مطلقا، فابنتهم حرة مكرمة، لكنهم يضعون ثقتهم فيه، ويرجُون أن يكون لها زوجا صالحا، يحفظ حقوقها، ويصونها، ويعاملها بما يرضي الله -تعالى-. وقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم - حسن معاملة الزوجة من خيرية الرجل، فقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فخير الرجال ليس من يحسن معاملة الناس خارج بيته ثم يسيء إلى زوجته في داخله، ولا من يظهر اللطف أمام الآخرين ثم يجعل بيته موضعا للقسوة والإهانة، وإنما خيرهم من كان خيرا لأهله، وأحسن عشرتهم، وأدى حقوقهم، واتقى الله فيهم. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «استوصوا بالنساء خيرا». وهذه الوصية النبوية تضع على الزوج مسؤولية عظيمة؛ فزوجته أمانة في عنقه، لا يجوز له أن يظلمها، أو يهينها، أو يتعمد إيذاءها، أو يخون عهدها، أو يستغل ضعفها وحاجتها، بل عليه أن يحسن صحبتها، وأن يراعي طبيعة الحياة الزوجية وما فيها من اختلاف وتعب وتقلب في الأحوال.

الوفاء لأهل الزوجة

       ومن الوفاء أن يحفظ الزوج لأهل زوجته مكانتهم، وأن يقدر ما بذلوه من ثقة حين زوجوه ابنتهم، وأن يحسن معاملتهم، وأن يتجنب الإساءة إليهم أو التقليل من شأنهم، ما داموا قائمين بالحق والعدل، ولا يعني ذلك أن يكون الزوج ملزما بكل رغبات أهل زوجته، أو أن يتنازل عن حقوقه، أو أن يقبل التدخل في خصوصيات بيته؛ فلكل طرف حقوقه وحدوده، لكن حسن العشرة والاحترام وصلة الرحم من مكارم الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها الزوج. ومن جميل الوفاء أن يذكر الرجل لأهل زوجته فضلهم في تربية ابنتهم، وأن يقدر ما بذلوه من جهد ورعاية حتى أصبحت زوجة وأما وشريكة في بناء الأسرة. وأن يعاملهم بما يحب أن يعامل به أهله، وأن يكون سببا في طمأنينتهم عليها، لا سببا في قلقهم وحزنهم. قال الله -تعالى-:{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: 19). والمعاشرة بالمعروف لا تقف عند حدود الكلمة الطيبة، بل تشمل حسن التعامل، والعدل، والرحمة، وحفظ الكرامة، والقيام بالمسؤولية، وعدم الإضرار بالزوجة أو بأهلها بغير حق، ومن الوفاء كذلك ألا يجعل الزوج زوجته في موضع الاختيار المؤلم بين زوجها وأهلها، وألا يستعمل الخلافات العائلية وسيلة للإساءة أو العقاب، بل يسعى إلى الإصلاح، ويحفظ لكل ذي حق حقه، ويتعامل بالحكمة والعدل.

الأسرار الزوجية أمانة

       ومن أخطر ما يهدد الوفاء بين الزوجين أن تتحول الأسرار التي عرفها كل منهما عن الآخر إلى أدوات للضغط والتهديد، أو إلى مادة للتشهير عند الغضب والخصومة، فالزوجة قد تبوح لزوجها بأمور لا يعرفها عنها أحد، وقد يطلع الزوج على جوانب من حياة زوجته وأحوالها ومخاوفها وضعفها، كما قد يأتمنها هو على أسرار خاصة به، وهذه الثقة من أعظم ما تقوم عليه الحياة الزوجية، ومن أوجب ما ينبغي صيانته. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها»، فالحديث تحذير شديد من إفشاء الأسرار الزوجية، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقة الخاصة بين الزوجين. ويدخل في معنى الأمانة كذلك ما يبوح به أحدهما للآخر من أمور شخصية، أو عائلية، أو نفسية، أو مالية، مما جرت العادة بكتمانه، وكان صاحبه لا يرضى بنشره. ومن صور الخيانة أن يستغل أحد الزوجين ما عرفه عن صاحبه في أوقات المودة والطمأنينة، ثم يكشفه أو يهدده به عند النزاع. فالخلاف لا يبيح إفشاء السر، والغضب لا يسقط الأمانة، وانتهاء العلاقة الزوجية لا يجعل كل ما فيها من خصوصيات مباحا للنشر، وإذا احتاج أحد الزوجين إلى الاستشارة أو طلب الإصلاح، فليكن ذلك عند من يثق بدينه وأمانته وحكمته، وبقدر الحاجة، وبقصد العلاج والإصلاح، لا بقصد التشهير أو الانتقام.

لا تجعلوا الخلافات تهدم المعروف

          قد يختلف الزوجان، وقد تمر الأسرة بأزمات، وقد يشتد النقاش بينهما، لكن الوفاء يقتضي ألا يتحول الاختلاف إلى ظلم، ولا إلى إهانة، ولا إلى إنكار لكل ما كان بينهما من خير، قال الله -تعالى-:{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (البقرة: 237)، وهذه الآية وإن وردت في سياق الطلاق، فإن معناها العظيم يربي المؤمن على حفظ الفضل وعدم نسيانه عند الاختلاف. فإذا انتهت علاقة زوجية، أو وقع نزاع بين الزوجين، فلا ينبغي أن يمحو ذلك سنوات العشرة، ولا أن يحول ما كان بينهما من إحسان إلى سبب للتشهير والإيذاء. وقال الله -تعالى-: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229)، فحتى عند انتهاء الحياة الزوجية، يأمر الإسلام بالمعروف أو التسريح بالإحسان، فكيف ينبغي أن يكون الحال حين تستمر العشرة، ويظل الزوجان مسؤولين عن بيت وأولاد وحقوق متبادلة؟ إن الوفاء الحقيقي أن يتذكر الزوج فضل زوجته حين كانت إلى جواره، وأن تتذكر الزوجة فضل زوجها حين كان سندا لها، وأن يتعاونا على تجاوز الخلافات دون أن يعتدي أحدهما على كرامة الآخر أو خصوصيته.

الوفاء لا يعني السكوت عن الخطأ

ومع عظم شأن الوفاء، فإنه لا يعني أن يقبل الزوج الظلم، أو أن تسكت الزوجة عن الأذى، أو أن يتنازل أحدهما عن حقه المشروع. فالعدل أصل، والإحسان مطلوب، والحقوق لا تسقط بسبب العشرة أو المعروف. لكن المطالبة بالحق ينبغي أن تكون بالطرق المشروعة، وبالكلمة الطيبة ما أمكن، وبالعدل، وبعيدا عن التشهير، وإفشاء الأسرار، والتهديد، واستغلال ما عرفه أحد الزوجين عن الآخر في أوقات الثقة والمودة. إن من أعظم صور الوفاء أن يتقي الزوج الله في زوجته، وأن يتذكر أن هذه المرأة التي أصبحت شريكة حياته قد نشأت في بيت أهلها، ورعوها، وتعبوا في تربيتها، ثم ائتمنوه عليها، راجين لها معه حياة كريمة مستقرة. ومن الوفاء أن يصونها في غيابها، ويحفظ سرها، ويستر عيبها، ويحسن عشرتها، ويذكر فضلها، ويحفظ لأهلها مكانتهم، وألا يجعل الخلاف معها سببا في ظلمها أو إيذائها أو التشهير بها. وكذلك على الزوجة أن تحفظ لزوجها حقه، وتصون سره، وتقدر إحسانه، وتحفظ الود بينهما، وتتقي الله في بيتها وأسرتها. فإذا قام الزوجان بهذه المعاني، أصبح الزواج ميثاقا حقيقيا من الرحمة والوفاء، لا مجرد عقد يجمع شخصين تحت سقف واحد، بل أمانة يتقربان إلى الله بحفظها، ونعمة يشكرانه عليها، وأسرة تنشأ في ظلالها الأجيال على المحبة والكرامة وحسن الخلق.

لا تجعلوا المعروف طريقا إلى المنِّ والأذى

        كما أن على من تلقى المعروف أن يكون وفيا، فإن على المحسن أن يحسن إحسانه لله -تعالى-، وألا يجعل مساعدته للناس سببا في إذلالهم أو تذكيرهم الدائم بفضل يطلب به السيطرة عليهم، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} (البقرة: 264). فالإحسان الحقيقي لا يكون بالمال وحده، وإنما يكون كذلك بصيانة كرامة المحتاج، وعدم إشعاره بأنه أقل منزلة، وعدم تحويل المعروف إلى قيد يطارده في حياته، ومن هنا، فإن العلاقة السوية بين المحسن ومن أحسن إليه تقوم على التوازن: شكر من تلقى المعروف، وإخلاص من قدمه، وحفظ الحقوق من الطرفين، وعدم استغلال الحاجة أو الثقة أو الضعف.

قلوب الأوفياء تحفظ الجميل

        إن المجتمعات لا تستقيم بكثرة القوانين وحدها، وإنما تستقيم كذلك حين تسكن القلوب معاني الوفاء والأمانة والإحسان؛ فالمحسن يحتاج إلى من يقدر معروفه، والصديق يحتاج إلى من يصون وده، والعامل يحتاج إلى من يحفظ حقوقه، وكل إنسان يحتاج إلى أن يأمن جانب من يخالطه ويثق به، وما أجمل أن يبقى الإنسان وفيا لمن وقف معه في وقت ضعفه، وأن يذكر له فضله بعد أن تتغير الظروف، وأن يحفظ سره كما حفظ حاجته، وأن يرد إحسانه بالدعاء والكلمة الطيبة والموقف الكريم! فإن الوفاء ليس مجرد رد جميل، بل هو امتحان للأخلاق حين تتغير الأحوال، وبرهان على أن المعروف إذا استقر في قلب كريم، لم يتحول إلى نسيان، ولا إلى جحود، ولا إلى أذى. {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} (المزمل: 20).  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك