من القواعد الفقهية في العمل الخيري .. الإنفاق لا يحتمل التأخير
- من أهم متطلبات الحوكمة تحويل الالتزام بسرعة الصرف إلى مؤشرات قابلة للقياس والمراجعة
- من مقتضيات هذه القاعدة تقديم الإنفاق الذي تتوقف عليه حياة الإنسان وسلامته على المشروعات التي يمكن تأجيلها
- قاعدة (الإنفاق لا يحتمل التأخير) تؤكد أن الزمن عنصر مؤثر في تحقيق مقاصد العمل الخيري وأن حسن إدارة الأموال لا ينفصل عن حسن توقيت إنفاقها
- يجب على ناظر الوقف أداء حقوق المستحقين وفق شروط الواقف والأحكام الشرعية المنظمة للاستحقاق وألا يحبس الريع أو يؤخر توزيعه دون سبب معتبر
- المؤسسة الرشيدة ليست التي تحفظ الأموال من الضياع فحسب بل التي تحفظ كذلك حقوق أصحابها من التعطيل وتوازن بين سرعة الاستجابة وسلامة الإجراءات
لا تقاس كفاءة العمل الخيري بحجم الأموال التي يجمعها، ولا بعدد المشروعات التي ينفذها فحسب، بل بقدرته على إيصال الحقوق إلى مستحقيها في الوقت الذي تشتد فيه حاجتهم إليها؛ فقد تكون المساعدة المتأخرة أقل أثرًا، وقد يفوت بتأخيرها المقصود من بذلها. ومن هنا تبرز أهمية قاعدة (الإنفاق لا يحتمل التأخير)، بوصفها أصلًا توجيهيًا يجمع بين مراعاة أحكام الشريعة، وحفظ حقوق المستفيدين، وتحقيق الكفاءة في إدارة الموارد الخيرية.
مفهوم القاعدة وأصلها الفقهي
يقصد بقاعدة (الإنفاق لا يحتمل التأخير) وجوب المبادرة إلى أداء النفقات والحقوق المالية عند حلول وقت استحقاقها، وعدم تأخير ما تدعو الحاجة العاجلة إلى صرفه دون مسوغ معتبر؛ لأن حاجات الناس من طعام وشراب وكساء وعلاج تتجدد، وقد يترتب على تأخير تلبيتها ضرر بالغ. وتندرج هذه القاعدة -باعتبارها صياغة توجيهية- ضمن جملة من الأصول والقواعد الفقهية المتعلقة بأداء الحقوق، ورفع الضرر، وتقديم الواجب الفوري على ما يقبل التأخير. وقد قرر القرافي تقديم الفوري على المتراخي عند التزاحم؛ لأن الأمر بالتعجيل يقتضي أرجحية ما طلب أداؤه على الفور. ومن العبارات المعبرة عن هذا المعنى: »النفقة الواجبة تؤدى في وقت استحقاقها«، والحاجة العاجلة مقدمة على المشروع التكميلي عند تحقق شروط الترجيح، ولا يجوز للمؤسسة تأخير مستحقات المستفيدين دون مسوغ معتبر، وتتأكد أهمية ذلك في المؤسسات الخيرية التي تؤتمن على أموال المتبرعين وحقوق المحتاجين، فلا يجوز أن تتحول الإجراءات الإدارية أو كثرة الموافقات إلى أسباب لتعطيل المصالح وإلحاق الضرر بالمستحقين.تقديم الضرورات على الحاجات التكميلية
من مقتضيات هذه القاعدة تقديم الإنفاق الذي تتوقف عليه حياة الإنسان وسلامته على المشروعات التي يمكن تأجيلها، متى كانت الأموال متاحة لهذا الغرض، ولم يمنع من ذلك حق ثابت أو شرط معتبر، ففي أوقات المجاعات والكوارث والنكبات، يكون توفير الغذاء والدواء والمأوى من أولويات الإنفاق؛ لأن التأخير قد يفضي إلى الهلاك أو تفاقم الضرر. ولا يستقيم أن تنشغل مؤسسة خيرية بمشروعات توسعية يمكن تأجيلها، بينما تتأخر مساعدات عاجلة يحتاج إليها مستحقوها. وينطبق ذلك على النفقات الأسرية الواجبة؛ إذ يجب على المكلف أداء نفقة زوجته وأولاده ومن تلزمه نفقتهم وفق أحكامها ومواعيد استحقاقها، فلا يسوغ تأخيرها بما يوقعهم في الضيق والحرج.حقوق المستحقين في الأوقاف
تتأكد مسؤولية المبادرة في إدارة الأوقاف؛ إذ يجب على ناظر الوقف أداء حقوق المستحقين وفق شروط الواقف والأحكام الشرعية المنظمة للاستحقاق، وألا يحبس الريع أو يؤخر توزيعه دون سبب معتبر، وقد تقتضي مصلحة الوقف تقديم نفقات الصيانة الضرورية أو الإصلاح أو الوفاء بالديون المتعلقة به على توزيع بعض الريع، بحسب الأحكام الواجبة التطبيق؛ لأن المحافظة على أصل الوقف واستدامة منافعه من مقتضيات حسن النظارة، غير أن هذه الاستثناءات لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتعطيل حقوق المستحقين، بل يجب أن تكون محددة بقدر الحاجة، موثقة الأسباب، وخاضعة للرقابة والمراجعة.من القاعدة الفقهية إلى الحوكمة المؤسسية
لا يكفي أن تؤمن المؤسسة الخيرية بأهمية سرعة الإنفاق، بل ينبغي أن تترجم هذا المبدأ إلى سياسات وإجراءات واضحة تمنع التأخير غير المسوغ، دون الإخلال بالرقابة المالية أو شروط المتبرعين، ويبدأ ذلك بإقرار سياسة مكتوبة تحدد أنواع النفقات والمساعدات، ودرجة الاستعجال، والمدة المستهدفة لإنجاز كل مرحلة، مع تخصيص مسار سريع للحالات الإنسانية الطارئة، وتوثيق أسباب التأخير والإجراءات المتخذة لمعالجته، كما ينبغي مراجعة الإجراءات بصورة دورية؛ للتأكد من أن الضوابط الإدارية تحقق غايتها في حماية الأموال، ولا تتحول إلى عائق يحول دون وصولها إلى مستحقيها.ترتيب الأولويات بحسب الحاجة والاستحقاق
يمكن للمؤسسات الخيرية تصنيف نفقاتها إلى ثلاث درجات رئيسة، تساعدها على اتخاذ القرار عند تزاحم الاحتياجات.- الأولوية الأولى: النفقات المرتبطة بحفظ الحياة والسلامة، وتشمل الغذاء عند خطر المجاعة، والعلاج العاجل، والإيواء الضروري. وتستدعي هذه الحالات مسارًا سريعًا للصرف، مع استيفاء الحد الأدنى اللازم من التحقق والتوثيق.
- الأولوية الثانية: الحقوق والمساعدات الدورية المستحقة، مثل الكفالات والمخصصات الشهرية والالتزامات المالية الثابتة. وينبغي صرفها وفق جدول زمني محدد، مع تفعيل التنبيهات قبل حلول مواعيد الاستحقاق.
- الأولوية الثالثة: المشروعات طويلة الأجل، كالبناء والتوسع والتجهيز والتطوير المؤسسي، وتنفذ وفق الخطط والميزانيات المعتمدة، مع مراجعة أولوياتها عند وقوع الأزمات، ولا يعني هذا التصنيف تقديم كل حالة طارئة تلقائيًا على جميع الحقوق الأخرى؛ إذ يتطلب الترجيح النظر في شدة الضرر، ووقت الاستحقاق، وطبيعة الأموال، وشروط تخصيصها، وإمكان الجمع بين المصالح.
توزيع المسؤوليات ومنع التعطيل
تقتضي الحوكمة الفاعلة تحديد مسؤولية كل جهة داخل المؤسسة عن منع التأخير، فمجلس الإدارة مسؤول عن اعتماد سياسات الصرف ومستويات المخاطر ومؤشرات الأداء، بينما تتولى الإدارة التنفيذية توفير الموارد وإزالة العوائق ومتابعة الالتزام بالمواعيد. وتختص إدارة البرامج بالتحقق من احتياجات المستفيدين واستحقاقهم وتحديد درجة الاستعجال، في حين تتولى الإدارة المالية التحقق من مصادر الأموال وقيودها وتوافر السيولة وتنفيذ الصرف. أما الرقابة الشرعية فتضطلع ببيان الأحكام المتعلقة بالأموال والمستحقين وشروط الإنفاق، ويتولى التدقيق الداخلي مراجعة حالات التأخير المتكررة، والكشف عن أسبابها، واقتراح المعالجات المناسبة، وبذلك تتكامل المسؤوليات دون أن تتحول كثرة الموافقات إلى سلسلة من الانتظار، أو تصبح سرعة الصرف مسوغا لتجاوز الضوابط وحماية الأموال.قياس سرعة الإنفاق وكفاءة الأداء
من أهم متطلبات الحوكمة تحويل الالتزام بسرعة الصرف إلى مؤشرات قابلة للقياس والمراجعة، ويمكن قياس نسبة الالتزام بمواعيد الصرف من خلال مقارنة عدد المعاملات المنفذة في موعدها بإجمالي المعاملات المستحقة، وقياس متوسط زمن الصرف بحساب المدة بين اكتمال الطلب ووصول المساعدة إلى المستفيد. كما ينبغي رصد حالات التأخير غير المسوغ، ومتابعة الأرصدة المتاحة غير المصروفة بحسب أغراضها، وقياس زمن الاستجابة للطوارئ، وتحديد الإدارات والبرامج التي يتكرر فيها تجاوز المواعيد. ولا يكفي الاعتماد على متوسط زمن الصرف وحده؛ فقد تخفي الأرقام الإجمالية تأخيرًا شديدًا في حالات إنسانية حرجة. ولذلك ينبغي تصنيف النتائج بحسب طبيعة الحاجة ودرجة الاستعجال ونوع المال.سرعة الإنفاق مسؤولية شرعية ومؤسسية
إن قاعدة »الإنفاق لا يحتمل التأخير« تؤكد أن الزمن عنصر مؤثر في تحقيق مقاصد العمل الخيري، وأن حسن إدارة الأموال لا ينفصل عن حسن توقيت إنفاقها، فالمؤسسة الرشيدة ليست التي تحفظ الأموال من الضياع فحسب، بل التي تحفظ كذلك حقوق أصحابها من التعطيل، وتوازن بين سرعة الاستجابة وسلامة الإجراءات، وتقدم الضرورات دون الإخلال بالحقوق والشروط الشرعية، وخلاصة ذلك أن المال الخيري أمانة، وتأخير وصوله إلى مستحقه قد يضيع منفعته؛ فليست العبرة بأن تصل المساعدة فحسب، بل أن تصل حين تكون الحاجة إليها أشد، وأثرها أعظم.تطبيقات عملية في المؤسسات الخيرية
تتجلى أهمية هذه القاعدة في ميادين متعددة، أبرزها ما يلي: الاستجابة للكوارث؛ حيث يتعين التعجيل بتوفير الغذاء والماء والدواء والإيواء للمتضررين، وفق الإمكانات والالتزامات القائمة. وتظهر كذلك في البرامج الدعوية والتعليمية التي ترتبط بحاجات ملحة، ويخشى من تأخيرها فوات مصلحة معتبرة، مع مراعاة ترتيب الأولويات الشرعية. وفي مواجهة الأوبئة، تبرز ضرورة المبادرة إلى توفير العلاج والأدوية ومستلزمات الوقاية، لما في ذلك من حفظ الأنفس والحد من انتشار الضرر. وتشمل القاعدة أيضًا انتظام صرف المساعدات الشهرية للمحتاجين، وأداء أجور العاملين في مواعيدها؛ فهذه حقوق ثابتة لا يجوز تعطيلها دون مسوغ، كما أن انتظامها يعزز استقرار العمل المؤسسي. أما تكديس الأموال المخصصة للصرف العاجل وتأخير إيصالها إلى مستحقيها دون عذر، فقد يترتب عليه إخلال بالأمانة وإضرار بالمحتاجين، وتتأكد خطورته في أموال الزكاة والتبرعات المقيدة بشروط المتبرعين، مع مراعاة الأحكام الخاصة بكل نوع منها.
لاتوجد تعليقات