الأمن بين الإلف والإيلاف..
- وجود النِّعم بغير كُلفة وكثرتها بغير اختلال ولا نقص قد يورث الغفلة عنها ويجعل العبد ينساها ولا يقدّرها حق قدرها
- الأمن من الخوف هو الأمن النفسي والروحي الذي هو نتيجة كل أنواع الأمن فبالأمن يحلو كل شي، ودونه لا يحلو أي شيء
- منح الله قريشًا الأمن والاستقرار حيث كانت تسير قوافلهم إلى الشام واليمن لايتعرض لها أحد بسوء وتحولت مكة من بلدة تهددها المجاعات إلى أكبر مركز اقتصادي وتجاري في المنطقة
من السور التي نزلت على هيئتها في المصحف الشريف متتالية سُورتي الفيل وقريش، وهما سورتان مكيّتان امتن الله -تعالى- فيهما على أهل مكة بما أنعم عليهم! به من الأمن من اعتداء الآخرين عليهم فقال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} (الفيل: 1)، وبالأمن من الخوف ومن الفقر فقال: {لاِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ}، (قريش)، وبالأمن الغذائي فقال: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ}، (قريش: 4)، وبالأمن النفسي فقال: {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}، (قريش:4).
كان أبرهة حاكمًا على اليمن من قبل النجاشي، فبنى كنيسة في صنعاء فسماها (القليس)، لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض، وكتب إليه يقول له: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب. (تفسير الطبري، 24/609)، فلما لم يحج إليها أحد، خرج أبرهة يريد هدم الكعبة المشرفة، في جيش كبير على رأسه فيل ضخم، كانوا يستخدمونه في الحروب.الطير الأبابيل
أرسل الله -عز وجل- {طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} (الفيل)، ومعنى أبابيل أي تسير في جماعات متفرقة يتبع بعضها بعضاً، والسجيل هو الطين الصّلب المطبوخ في النار، والعصف المأكول هو التّبن بعد أن أكلته الماشية وهضمته ثم أخرجته روثاً مفتتاً مستقذراً، فكان هذا هو حال أبرهة وجيشه بعد نزول العذاب عليه.قريش تزداد مكانتها
حين تولى الله -عزوجل- الدفاع عن بيته وبلده الحرام، زاد ذلك من شرف قريش، وعزز مكانتهم باعتبارهم أهل بيت الله، فهذه منة امتن الله عليهم بها؛، حيث تولى الدفاع عن وجودهم وزاد بذلك من شرفهم.رحلتا الشتاء والصيف
بعد أن امتن الله على أهل مكة بدفعه خطر أبرهة عنهم وتعزيزه لمكانتهم بين العرب بدفاعه عن بيته وبلده التي يسكنون، امتن عليهم في سورة قريش بنعمة الإيلاف، وهو نظام أسسه هاشم بن عبد مناف جد النبي - صلى الله عليه وسلم -، أسسه هو وإخوته، فحولوا به مكة من بلدة دينية معزولة تفترسها المجاعات، إلى مركز تجاري، ومجتمع متكافل مترابط، فقد كانوا يعانون ظاهرة الاعتفار، فكان الفقير منهم إذا أصابته مخمصة ومجاعة ولم يجد ما يطعم به عياله، أخذهم وذهب بهم إلى مكان بعيد، فضرب عليهم خيمة وانتظروا الموت جميعاً صمتاً، استعظاماً أن يطلبوا الحاجة من الناس. فقام فيهم هاشم بن عبد مناف خطيبا وقال: إنكم أحدثتم حدثا تقلون فيه وتكثر العرب، وتذلون وتعز العرب، وأنتم أهل حرم الله والناس لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفار أن يأتي عليكم، فمنعهم من الاعتفار، وربط كل فقير فيهم بغني يسنده، وأسس لرحلتي الشتاء والصيف لينعش اقتصادهم، ويمنع عنهم قسوة الفقر، فذهب إلى قيصر الروم فأخذ منه كتاب أمان وتسهيل للتجارة المكيّة في أسواق الشام، ودفع بأخيه المطلب بن عبد مناف فذهب إلى ملوك (حِمْير) وعقد معهم اتفاقات لتسهيل رحلة الشتاء إلى اليمن وتأمينها ، ودفع برجال من أبناء عمومته الآخرين، فعقدوا الاتفاقات مع القبائل لتأمين القوافل في ذهابها وإيابها، بما يحقق النفع للجميع، وكانت هذه القوافل تحمل بضائع الفقراء مع الأغنياء فتبيعها لهم، وتحتفظ لهم بكامل أربحها، ما جعل أموال الفقراء تنمو وتكثر (التحرير والتنوير، 30/559).أهل مكة آمنون
لقد هيأ الله لأهل مكة بنظام الإيلاف، ودفعه أبرهة عن مكة، منظومة أمنية متكاملة، فعزز أمنهم من الإعتداء الخارجي بغير حول منهم ولا قوة، وفي زمن كانت فيه الجزيرة العربية مسرحاً مفتوحاً للحروب، والسلب، والنهب، منحهم الله الأمن والاستقرار، حيث كانت تسير قوافلهم، إلى الشام واليمن، لا يتعرض لها أحد بسوء؛ لأنهم أهل حرم الله، وبفضل الاتفاقات التي عقدها هاشم وإخوته مع الملوك وشيوخ القبائل، ثم كانت نعمة الأمن الغذائي والاقتصادي بفضل ذلك؛ حيث تحولت مكة من بلدة تهددها المجاعات، إلى أكبر مركز اقتصادي وتجاري في المنطقة، ومخزن للثمار والبضائع الثمينة، قال -تعالى-: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش: 4).الأمن أعظم النعم
إن الأمن من الخوف هو الأمن النفسي والروحي، الذي هو نتيجة كل أنواع الأمن، فهو ثمرتها؛ فبالأمن من الخوف يحلو كل شيء، ودونه لا يحلو أي شيء، الأمن من الخوف يعني الاستقرار الذي يوفر العيش ببال مطمئن، وهو يمثل أعلى درجات النعيم الدنيوي.التوحيد ثمن الأمن
فحاصل ما مكّن الله فيه عباده من النعم بمنطق أخلاقي بسيط أن يعترفوا له بفضله فيعبدوه ويشكروه، فلذلك امتن الله على قريش في سورتي الفيل وقريش بهذه النعم الأربعة ليقول لهم لقد منحتكم أسباب العيش المستقر الهانئ، بسبب جواركم لبيتي، ومبعث نبيي فيكم، فآمنوا به واعبدوا رب هذا البيت عبادة لا يخالطها شِرك.إلف النعم
إن سورة (قريش) عرضت مشكلة رُوحية خطيرة، وهي مشكلة الإلف، وهو اعتياد الشيء ولزومه والاطمئنان إليه، فإن الإنسان إذا اعتاد النعمة ألفها، وربما صارت حاجزاً يمنعه عن الوصول للحق، كحال قريش الذين تسبب إلفهم لرحلتي الشتاء والصيف في اعتقادهم أن لهم مكانة عند الله وصدهم ذلك عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ، خوفاً على مكانتهم بين القبائل، فنسوا أن الله هو من أنعم عليهم بكل هذه النعم، وهيأ أسبابها، بواسطة وبغير واسطة، فركنوا إلى النعمة وأصابهم الغرور، ونسبوا فضل الله إلى غيره فكفروا.التذكير بالنعم حذر إلفها
هناك نعم عظيمة لا يمكن للإنسان أن يعيش دونها، ولكنه لا يلتفت إليها، ولا يشكر الله عليها، لإلفه إياها، واعتياده عليها، لذلك نجد الله -عز وجل- يذكرنا ببعض النعم الاعتيادية التي لا نلتفت إليها عادة، فيقول: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} (الملك: 30)، ويقول: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ} (القصص). فوجود النعم بغير كُلفة، وكثرتها بغير اختلال ولا نقص، يورث الغفلة عنها ويجعل العبد ينساها ولا يقدّرها حق قدرها، فيوظفها العاصي في المعصية، ويجعلها الملحد دليلا على ديناميكية الوجود، وسبباً لإلحاده! لأنها بديمومتها وانتظامها لا تحتاج إلى من يقوم عليها، لذلك يذكرنا الله بنعمه، لنعرفه بها، فنعبده ونوحده، ولنشكره ونؤدي حقها ونتواضع بها إليه، فهي محض فضله، -تفضل بها علينا-؛ لذلك ينبغي أن نكون دائماً مؤمنين بالله، شاكرين لنعمه، كل نعمه، في الأرض وفي السماء وفي أنفسنا وفي كل ما سخره الله لنا، من أحوال وأشياء وخلق، فلا نمر على النعم مرور الغافلين، بل ندركها ونحمده عليها، ونحافظ عليها بالشكر، نتواضع بها إليه، فنجعلها في طاعته لا وسيلة لعصيانه وجحود فضله، فهو -سبحانه- مصدر كل النعم، وله الحمد.
لاتوجد تعليقات