رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: أحمد قبلان العازمي 26 أكتوبر، 2026 0 تعليق

وقفات مع حائية ابن أبي داود  رحمه الله – الوقفة السابعة – الشفاعة وخروج عصاة الموحدين من النار  وعذاب القبر

  • منهج أهل السُنَّة والجماعة يقوم على التسليم للنصوص الصحيحة والجمع بين عدل الله ورحمته وبين الخوف من عذابه والرجاء في مغفرته

تتناول منظومة «حائية ابن أبي داود» جملة من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، بأسلوب موجز يجمع بين تقرير العقيدة والاستدلال لها، ومن المسائل التي تناولها الناظم، مصير عصاة الموحدين يوم القيامة، وثبوت الشفاعة، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه؛ وهي مسائل عظيمة تتصل بالإيمان باليوم الآخر، وتربي المسلم على الجمع بين الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته.

يقول الناظم:

وقـــل يُخـــرج اللـــه العظـــيم بفضــله                  مــن النار أجســـادًا من الفحــم تُطرحُ

على النهر في الفردوس تحيا بمائه                كحبِّ حميل السيل إذ جاء يطفحُ

وإن رســـول الله للخــلــق شــــــافعٌ                      وقـل فـــي عــذاب القبر حــقٌّ موضَّــحُ

 

أولًا: مصير عصاة الموحدين يوم القيامة

       يقرر الناظم أصلًا عظيمًا من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو أن عصاة الموحدين من أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وإن استحق بعضهم دخولها بسبب ذنوبهم؛ فمن مات على التوحيد، ولم يأتِ بما ينقض إيمانه، فإن مآله إلى الجنة، إما ابتداءً بعفو الله ورحمته، وإما بعد أن يعذب بقدر ما شاء الله له، وهذا خلاف مذهب الخوارج والمعتزلة؛ فالخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة ويحكمون بخلوده في النار، أما المعتزلة فيجعلونه في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، فلا يسمونه مؤمنًا ولا كافرًا، لكنهم يوافقون الخوارج في الحكم بخلوده في النار إذا مات غير تائب. أما أهل السنة فيقررون أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإسلام بمجرد ارتكابها، وأن أمره في الآخرة إلى الله -تعالى-، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، ثم يكون مآله إلى الجنة، قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: 48)، فالآية تبين أن من مات على الشرك الأكبر لا يدخل في المغفرة، أما الذنوب التي دونه فهي تحت مشيئة الله -سبحانه وتعالى-.

خروج الموحدين من النار

يقول الناظم:

وقل يُخرج الله العظيم بفضله  

                                     من النار أجسادًا من الفحم تُطرحُ

       يشير هذا البيت إلى ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من إخراج أقوام من أهل التوحيد من النار، بعدما أصابهم من عذابها ما أصابهم، حتى يصير بعضهم كالفحم من شدة الاحتراق، ثم يخرجهم الله -تعالى- برحمته وفضله، ويكون خروجهم بعد المدة التي قدرها الله لهم، ولا يعلم مقدار مكثهم في النار إلا الله -سبحانه وتعالى-، وقد ثبت في الصحيحين، في حديث الشفاعة الطويل، أن أقوامًا يخرجون من النار بعد أن احترقوا، فيلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، وهذا ما يشير إليه الناظم بقوله:

على النهر في الفردوس تحيا بمائه                 كحبِّ حميل السيل إذ جاء يطفحُ

        وحميل السيل هو ما يحمله الماء من بذور ونحوها، فإذا استقرت على جوانب الوادي نبتت بإذن الله -تعالى-، وفي هذا المشهد العظيم تتجلى رحمة الله الواسعة، التي تشمل أهل التوحيد، وإن استحق بعضهم العقوبة بسبب ذنوبه، كما يظهر كمال عدله -سبحانه وتعالى- وحكمته.

ثانيًا: الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة

يقول الناظم: وإن رسول الله للخلق شافعٌ الشفاعة من المسائل العقدية العظيمة التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، وأجمع أهل السنة والجماعة على إثبات ما ثبت منها شرعًا، وهي في الآخرة لا تكون إلا بإذن الله -تعالى- ورضاه،

شروط الشفاعة المقبولة

       دلت النصوص الشرعية على أن الشفاعة المقبولة تقوم على إذن الله -تعالى- للشافع، ورضاه عنه، ورضاه عن المشفوع له، قال -تعالى-: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (البقرة: 255)، وقال -سبحانه-: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} (الأنبياء: 28)، وهذا يبين الفرق بين الشفاعة المثبتة شرعًا، والشفاعة المنفية التي اعتقدها المشركون في معبوداتهم، حين ظنوا أنها تشفع لهم دون إذن الله ورضاه.

الشفاعة العظمى والمقام المحمود

        من أعظم الشفاعات التي اختص الله بها نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- الشفاعة العظمى لأهل الموقف يوم القيامة، حين يشتد الكرب بالخلائق، ويطول عليهم الوقوف، فيطلبون من يشفع لهم عند الله ليقضي بينهم، فيأتون آدم عليه السلام، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى -عليهم السلام-، وكل منهم يعتذر، حتى يأتوا إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فيقول: «أنا لها»، فيخر ساجدًا تحت العرش، ويفتح الله عليه من محامده ما لم يفتحه على أحد قبله، ثم يقال له: «يا محمد، ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تشفع»، متفق عليه، وهذه الشفاعة العظمى هي المقام المحمود الذي وعد الله به نبيه -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (الإسراء: 79)، وهي شفاعة عامة لأهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، من جهة طلب الفصل والقضاء بين الخلائق.

أنواع الشفاعة

       اختص النبي -صلى الله عليه وسلم- بشفاعات عظيمة، من أبرزها الشفاعة العظمى في أهل الموقف، وشفاعته في دخول أهل الجنة الجنة؛ فهو أول من يستفتح بابها، كما ثبت في صحيح مسلم، ومن شفاعاته الخاصة أيضًا شفاعته في عمه أبي طالب لتخفيف العذاب عنه، فقد ثبت في الصحيحين أنه في ضحضاح من نار، ولولا شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- لكان في الدرك الأسفل منها، وهناك شفاعات أخرى يأذن الله بها للأنبياء والملائكة والمؤمنين، منها الشفاعة في رفع الدرجات، وفيمن استحق النار ألا يدخلها، وفي إخراج عصاة الموحدين منها، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، وفي هذا رد على من أنكر الشفاعة في أهل الكبائر، كما هو مذهب الخوارج والمعتزلة.

ثالثًا: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه

يقول الناظم: وقل في عذاب القبر حقٌّ موضَّحُ يقرر الناظم هنا أصلًا من أصول الإيمان باليوم الآخر، وهو ثبوت عذاب القبر ونعيمه، وأن أحوال البرزخ من الغيب الذي يجب الإيمان بما ثبت منه في الكتاب والسنة، وإن لم تدرك الحواس كيفيته.

الأدلة على عذاب القبر

       من أوضح الأدلة القرآنية قوله -تعالى- في شأن آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (غافر: 46)، فالآية تفرق بين عرضهم على النار قبل قيام الساعة، وبين ما يكون يوم القيامة من إدخالهم أشد العذاب، وفي ذلك دليل على ثبوت عذاب البرزخ، كما ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير»، ثم بين أن أحدهما كان لا يستتر من بوله، وأن الآخر كان يمشي بالنميمة.

الاستعاذة من عذاب القبر

        أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بالاستعاذة من عذاب القبر، فقال: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع»، وذكر عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وشر فتنة المسيح الدجال، رواه مسلم، ولهذا ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب هذه الاستعاذة في التشهد الأخير، وذهب بعضهم إلى وجوبها.

حقيقة الحياة البرزخية

       قد يتساءل بعض الناس: كيف يعذب الميت أو ينعم في قبره ونحن لا نشاهد شيئًا من ذلك؟ والجواب أن أحوال البرزخ من عالم الغيب، ولا يصح رد ما ثبت منها لمجرد عدم إدراك الحواس له، ولتقريب هذا المعنى، فإن الإنسان قد يرى في منامه ما يفزعه أو يسره، ويشعر بأثره، بينما لا يدرك من حوله حقيقة ما يراه. وهذا مثال لتقريب إمكان خفاء بعض الأحوال عن المشاهدة، لا لقياس حقيقة البرزخ على المنام؛ فالمؤمن يثبت ما جاء به الوحي، ولا يتكلف البحث في الكيفيات التي لم يرد بها دليل.

عقيدة تجمع بين الخوف والرجاء

        تؤكد هذه الأبيات من حائية ابن أبي داود منهج أهل السنة والجماعة في الإيمان باليوم الآخر؛ منهجًا يقوم على التسليم للنصوص الصحيحة، والجمع بين عدل الله ورحمته، وبين الخوف من عذابه والرجاء في مغفرته، فعصاة الموحدين تحت مشيئة الله، والشفاعة حق لا تكون إلا بإذنه، وعذاب القبر ونعيمه من الغيب الثابت الذي يجب الإيمان به، وهذه العقيدة ليست مسائل نظرية فحسب، بل تربي المسلم على التوبة والاستقامة، وتحذره من الاغترار بعمله أو التهاون بالمعاصي، وتدفعه إلى الاستعداد للآخرة بالتوحيد الخالص والعمل الصالح.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك