رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 26 أكتوبر، 2026 0 تعليق

من أرشيف الشيخ عبدالله السبت .. الحلـف بغير الله (2-2)

مقالات كُتبت في زمن مضى، لكنها لم يغب أثرها؛ فما زالت معانيها حية، وفوائدها متجددة، تحمل علمًا نافعًا، وتفتح للقارئ آفاقًا من التأمل والاعتبار، وفي هذه السلسلة نعيد نشر مختارات من مقالات الشيخ: عبدالله السبت  -رحمه الله-؛ إحياءً لما حوته من علم وفكر، وتجديدًا لما حملته من توجيه وبصيرة؛ لتبقى رسالتها ممتدة عبر الأجيال، ويظل نفعها موصولًا.

       استكمالًا لما بدأناه في الحلقة الماضية من الحديث عن الحلف بغير الله، وانتشار هذه الظاهرة بين كثير من المسلمين؛ إذ يتأمل المرء أحوال الناس فيجد صورًا متعددة من الحلف بغير الله؛ فمنهم من يحلف بأولاده، وآخر بشرفه، وثالث بحياته، ورابع بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وخامس بالكعبة، وغيرهم يحلفون بمن يعظمون من الأشخاص، كسيدي جابر وسيدي خليل. وقد تناولنا في الحلقة السابقة أسباب انتشار هذه الظاهرة، واستعرضنا النصوص الشرعية الواردة في النهي عن الحلف بغير الله وتحريمه، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث عن حكمه الشرعي، وما يتعلق به من أحكام وتفصيلات.

حكم من حلف بغير الله

        قد يقول قائل: هل يعني أن الحالف بغير الله خارج من ملة الإسلام؟ الذي أعتقد وأدين الله به أن الحالف بغير الله نوعان: رجل حلف هكذا دون اعتقاد أو حتى فهم لمعنى حلفه الحلف بغير الله ، وآخر حلف وهو مُقدس معتقد عالم بما يفعل، ويعلم أنه غير جائز. أما الأول؛ فإذا نُصح واستمع للنصح واستقام وامتنع عن الحلف بغير الله فليس بكافر، فعليه الاستغفار لأنه جاهل. وأما الآخر وهو المعتقد العالم بما يعمل؛ فهذا لا يُشَكُ أنه مشرك؛ لأنه مع الله شريكًا، وقد قامت عليه الحجة ولكنه معاند مكابر، فهذا مشرك وإن سجد وركع وزعم أنه مسلم ويلزمه تجديد إسلامه من جديد. وإليك أخي ما كتبه فضيلة الشيخ سليمان بن عبدالوهاب رحمه الله في «تيسير العزيز الحميد»، وهو خير كتاب يُقرأ في التوحيد، إذ قال رحمه الله: «قوله: فقد كفر أو أشرك» أخذ به طائفة من العلماء، فقالوا بكفر من حلف بغير الله، قالوا: ولهذا أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بتجديد إسلامه بقول: «لا إله إلا الله»، فلولا أنه كفر ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك، وقال الجمهور لا يكفر كفراً ينقله عن الشرك الأصغر كما نصَّ على ذلك ابن عباس وغيره. وقال في الصفحة نفسها: لكن الذي يفعله عُبّاد القبور إذا طلبت الأيمان من أحدهم بالله أعطاك ما شئت من الأيمان صادقاً أو كاذباً، وإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته ونحو ذلك؛ لم يُقدم على اليمين إن كان كاذباً ، فهذا شرك أكبر بلا ريب؛ لأن المحلوف به عنده أخوفُ من الله وأجَلُّ وأعظم، وهذا ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام؛ لأن جهد اليمين عندهم الحلف بالله، كما قال -تعالى-: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوت} (النحل: ۳۸)، فمن كان جهد يمينه الحلف بالشيخ أو بحياته أو تربته فهو تفصيل القول في هذه المسألة» انتهى ما قاله -رحمه الله-.

هل ينعقد الحلف بغير الله؟

        وبالمناسبة أحب الإشارة إلى أن الحلف بغير الله لا ينعقد، ولا كفارة له سوى الاستغفار والتوبة وتجديد الإسلام، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (۲۳۷/۸): «وأحاديث الباب تدل على أن الحلف بغير الله لا ينعقد؛ لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وإليه ذهب الجمهور» انتهى.

الحلف بأسماء الله وصفاته

       ويبقى أن ننوه إلى أن الحلف بأسماء الله وصفاته جائز، وإليك هذه الأحاديث: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان أكثر ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم - يحلف: «لا ومقلب القلوب»، رواه الجماعة، وجاء في حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لما خلق الله الجنة أرسل جبريل -عليه السلام- فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فرجع، فقال: لا وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها»، رواه البخاري ومسلم فهذه الأحاديث تفيد جواز الحلف بأسماء الله وصفاته إلا الله، وليس لهذا مخالف من السلف.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك