رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 26 أكتوبر، 2026 0 تعليق

البداية الثانية للحياة

في اجتماعنا الأسبوعي في منزل الوالدة - رحمها الله - يجتمع الإخوة والأخوات، ليلة الجمعة، يتحدثون عن كل شيء، سواء كانت رياضة، أو سياسة، أو اجتماع، أو أخبار منوعة، وأحياناً نادرة، ويدور حوار جاد لاتخاذ قرار يهم الجميع، أو الاستفادة من معلومة مهمة في دين الله، وهذا ما حصل في آخر اجتماع لنا.

- هل (الله) -عز وجل- من الغيب؟ كان السائل (أبا جراح)، بعد أن بين أنهم في اجتماعهم الأسبوعي ليل الثلاثاء اختلفوا حول هذا الأمر. - حتى تجيب عن هذا السؤال دون أن تُخطئ، يجب أن نعرف معنى (الغيب) في الكتاب والسنة، كما بينه علماء الأمة. (الغيب) هو كل ما غاب عن حس الإنسان ولم يشهده، فمن الغيب خلق السماوات والأرض، وخلق آدم، والبعث والنشور، والجنة والنار، الله -سبحانه و-تعالى-، من الغيب الذي يجب الايمان به، من حيث إنه -سبحانه- {لا تدركه الأبصار}، ولا يُرى في الدنيا، ولا يمكن أن نعرف عنه -سبحانه- إلا ما أخبرنا هو -سبحانه- عن نفسه! ففي قول الله -تعالى- في أول صفة مدح الله بها عباده المؤمنين، في أول سورة البقرة: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، فالإيمان بالغيب سبق إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة! - هل الروح من الغيب؟ - نعم، الروح لا نعلم عنها شيئا إلا القليل الذي ورد في الكتاب والسنة، ومن الغيب طريقة خروجها من الجسد (الموت). - هل خروج الروح مؤلم، في سكرات الموت؟! - (الموت)، نهاية لمرحلة في حياة مؤقته للإنسان، وبداية حياة أبدية له، فهو (ميلاد) لحياة دائمة، حقيقية، وما يحصل في الاحتضار يدل على ما سيأتي، كما في قوله -تعالى-، {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) } (الواقعة)، هذا للمحتضر، في سكرات الموت، يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: ولكن يجب علينا أن نعلم أن هذا النعيم والعذاب أمر غيبي لا نطلع عليه؛ لأننا لو اطلعنا عليه ما دفنا أمواتنا؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يقدم ميته لعذاب يسمعه؛ فهو يفزع؛ لأن الكافر أو المنافق إذا عجز عن الإجابة يضرب بمرزبة (قطعة من الحديد، مثل المطرقة من حديد)، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «ولو سمعها الإنسان لصعق». و قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر»، ولكن من نعمة الله أننا لا نعلم به حسا بل نؤمن به غيبا. فلا يأتي شخص ويقول: إننا لو حفرنا القبر بعد يومين لم نجد أثرا للعذاب! نقول: لأن هذا أمر غيبي، علي أن الله -تعالى- قد يطلع علي هذا الغيب من شاء من عباده، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم - مر بقبرين في المدينة وقال: «إنَّهما ليُعذَّبانِ وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ ثمَّ قال: بلى أمَّا أحدُهما فكان يسعى بالنَّميمةِ وأمَّا الآخَرُ فكان لا يستنزِهُ مِن بولِه، ثمَّ أخَذ عودًا فكسَره باثنينِ ثمَّ غرَز كلَّ واحدٍ منهما على قبرٍ ثمَّ قال: لعلَّه يُخفَّفُ عنهما العذابُ ما لم ييبَسا»، فأطلع الله نبيه علي هذين القبرين أنهما يعذبان. فالحاصل أنه يجب علينا أن نؤمن بفتنة القبر، وهي سؤال الملكين عن ربه ودينه ونبيه، وأن نؤمن بنعيم القبر وعذابه. ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر أن يؤمن الإنسان بما يكون في اليوم الآخر، وذلك أنه إذا نفخ في الصور النفخة الثانية قام الناس من قبورهم لله رب العالمين، حفاة ليس لهم نعال، وعراة ليس عليهم ثياب، وغرلا ليسوا مختونين وبُهْمًا ليس معهم مال، كل الناس حتى الأنبياء والرسل يبعثون هكذا، كما قال الله -تعالى-: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} (الأنبياء: 104)، فكما أن الإنسان يخرج من بطن أمه هكذا عاريا غير منتعل غير مختون، ليس معه مال، فكذلك يخرج من بطن الأرض يوم القيامة علي هذه الصفة، يقومون لرب العالمين الرجال والنساء والصغار والكبار والكفار والمؤمنون كلهم علي هذا الوصف حفاة غرلا. قال النووي -رحمه الله في كتابه رياض الصالحين-: «باب ما يقوله من أيس من حياته» اليأس من الحياة لا يعلم إلا إذا حضر الموت، أما قبل ذلك فإنه مهما اشتد المرض، فإن الإنسان لا ييأس، وكم من إنسان اشتد به المرض حتى جمع أهله ماءَ تغسيِله وحنوطه وكفنه ثم شفاه الله وعافاه! و بالرجوع سؤال (أم فيصل) عن سكرات الموت، يقول الشيخ -رحمه الله-، تقول عائشة -رضي الله عنها-: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ عندَ وفاتِه اللَّهم اغفِر لي وارحَمني وألحِقني بالرَّفيقِ الأعلَى»، الرسول -صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك عند موته، وهو الذي «قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، يقول: من هم الرفيق الأعلى؟ هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون وحسن أولئك رفيقا، هكذا كان الرسول يقول عند موته، وكان عنده -صلى الله عليه وسلم - إناء فيه ماء وقد أوتي من شدة الموت وسكراته ما لم يؤت أحد، يعني أشد الناس عند سكرات الموت النبي -صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» فيشدد عليه في النزع عند الموت! لماذا؟ من أجل أن ينال أعلى درجات الصبر؛ لأن الصبر يحتاج إلى شيء يصبر عليه الإنسان، فاختار الله -عز وجل- لنبيه -صلوات الله وسلامه عليه- أن يكون مرضه شديدا ونزعه شديدًا؛ حتى ينال أعلى درجات الصابرين -صلى الله عليه وسلم -، فكان -صلى الله عليه وسلم - يضع يده في الإناء الذي فيه الماء ويمسح بذلك وجهه ويقول: «اللهم أعني على سكرات الموت»، أعني عليها حتى أتحمل وأصبر وأتروى ولا يزيغ عقلي حتى أعي ما أقول، وحتى يختم لي بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ لأن المقام مقام عظيم مقام هول وشدة، إذا لم يعنك الله -عز وجل- ويصبرك ويثبتك فأنت على خطر؛ ولهذا كان -صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}. وسكرات الموت ليست لكل أحد فقد قال -صلى الله عليه وسلم -: إن للموت سكرات، ولم يقل: لكل ميت سكرات؛ فقد يموت المرء فجأة وهو جالس لا يشكو شيئا.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك