رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سالم أحمد الناشي 21 أكتوبر، 2026 0 تعليق

شوقي.. ومكانة المُعلم

  • قبل أكثر من مئة عام، وفي 66  بيتا شعريا، رفع أمير الشعراء أحمد شوقي مكانة المعلّم، ورآه صاحب رسالة سامية، وحامل أمانة عظيمة، لا مجرد موظف يؤدي ساعات عمل محددة، فقال في أبياته الشهيرة:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا

                                        كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

  • لقد أدرك شوقي أن المعلّم لا يقتصر دوره على نقل المعلومات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء العقول، وتهذيب النفوس، وغرس القيم والأخلاق في الأجيال؛ ولذلك قال:

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي

                                      يَبني وَيُنشِئُ أَنفُسًا وَعُقولا

  • فالتعليم أساس نهضة الأمم، والجهل من أسباب تراجعها، ولا يمكن بناء مجتمع واعٍ ومتقدم دون معلّم يمتلك العلم والخلق، ويجد البيئة المناسبة لأداء رسالته.
 
  • وقد أكّد الإسلام مكانة العلم وأهله، فقال الله -تعالى-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11). كما بيّن -سبحانه- رسالة النبي -[- في التعليم والتزكية، فقال: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (الجمعة: 2)، وفي ذلك دلالة على أن التربية ليست تلقينًا للمعارف فحسب، بل بناء للإنسان علمًا وخلقًا.
 
  • وجاء في الحديث الشريف: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير».
 
  • لكن، هل أنصف واقعنا المعلّم بما يليق بهذه المكانة؟ رغم ما يحظى به المعلّم من ثناء في المناسبات والاحتفالات، فإنه يوميا يواجه أعباء مهنية وإدارية واجتماعية، تثقل كاهله، وتحدّ من قدرته على التركيز في رسالته الأساسية، وهنا تظهر الفجوة بين تبجيل المعلّم بالكلمات وإنصافه في الواقع.
 
  • إن التكريم الحقيقي للمعلم يتجاوز حدود الشعارات إلى واقعٍ مهني مستقر، ويتحقق ذلك: بتهيئة بيئة مدرسية محفزة، وفتح آفاق التدريب والإبداع المستمر، مع ضمان تقدير رسالته السامية، التي تقتضي بالضرورة مراعاة أعبائه وظروفه، وعدم استنزاف جهده في المهام الإدارية، ودعم تنميته المهنية بوصفها حقا أصيلا لا يقبل الانتقاص، وقد انتبه شوقي لأهمية هذا الأمر؛ فبين أثر المعلّم -إذا حظي بهذا التقدير- في تربية أخلاق الأجيال، فقال:

فَهُوَ الَّذي يَبني الطِّباعَ قَويمَةً

                                      وَهُوَ الَّذي يَبني النُّفوسَ عُدولًا     

  • إن نهضة التعليم الحقيقية تنطلق من إنصاف المعلم أولاً؛ فالوفاء لرسالته لا ينحصر في ترديد القصائد والكلمات، بل بتحويل قيم التبجيل إلى واقع ملموس، يحفظ كرامته، ويعينه على أداء أمانته؛ فالمجتمع الذي يتطلع إلى بناء مستقبل واعد لأبنائه، مطالب اليوم بالانتقال من الثناء اللفظي إلى التمكين الفعلي المنصف للمعلم.
 
  • ومن هنا، فإن تقدير المعلّم ودعم رسالته مسؤولية تضامنية، لا تقع على عاتق المؤسسات التعليمية وحدها، بل هو واجبٌ مجتمعي، تتقاسمه الأسرة والمجتمع؛ لتتكامل الأدوار في غرس هيبة المعلم في نفوس الناشئة، بوصفها ركيزة أساسية في بناء الأوطان.

19/10/2026م

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك