النار.. نعوذ بالله منها (2)
توقفنا في الحلقة الماضية عند القول بأنَّ عصاة المسلمين يخرجون من النار بالشفاعة، شفاعة إخوانهم من المسلمين، أو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو برحمة الله -عزوجل. كما في حديث الشفاعة الكبرى: قال: « يَجتَمِعُ المُؤمِنونَ يَومَ القيامةِ، فيَقولونَ: لَوِ استَشفَعنا إلى رَبِّنا، فيَأتونَ آدَمَ فيَقولونَ: أنتَ أبو النَّاسِ، خَلَقَك اللهُ بيَدِه، وأسجَدَ لك مَلائِكَتَه، وعَلَّمَك أسماءَ كُلِّ شيءٍ، فاشفَعْ لنا عِندَ رَبِّك حتَّى يُريحَنا مِن مَكانِنا هذا، فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ويَذكُرُ ذَنبَه فيَستَحي، ائتوا نوحًا؛ فإنَّه أوَّلُ رَسولٍ بَعَثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ، فيَأتونَه فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ويَذكُرُ سُؤالَه رَبَّه ما ليس له به عِلمٌ فيَستَحي، فيَقولُ: ائتوا خَليلَ الرَّحمَنِ، فيَأتونَه فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ائتوا موسى؛ عَبدًا كَلَّمَه اللهُ وأعطاه التَّوراةَ، فيَأتونَه فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ويَذكُرُ قَتلَ النَّفسِ بغيرِ نَفسٍ، فيَستَحي مِن رَبِّه، فيَقولُ: ائتوا عيسى عَبدَ اللهِ ورَسولَه، وكَلِمةَ اللهِ ورُوحَه، فيَقولُ: لَستُ هُناكُم، ائتوا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ عَبدًا غَفَرَ اللهُ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه وما تَأخَّرَ، فيَأتوني، فأنطَلِقُ حتَّى أستَأذِنَ على رَبِّي، فيُؤذَنَ لي، فإذا رَأيتُ رَبِّي وقَعتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ يُقالُ: ارفَع رَأسَك وسَلْ تُعطَه، وقُلْ يُسمَعْ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفَعُ رَأسي، فأحمَدُه بتَحميدٍ يُعَلِّمُنيه، ثُمَّ أشفَعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعودُ إليه فإذا رَأيتُ رَبِّي مِثلَه، ثُمَّ أشفَعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا، فأُدخِلُهمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعودُ الرَّابِعةَ، فأقولُ: ما بَقيَ في النَّارِ إلَّا مَن حَبَسَه القُرآنُ، ووجَبَ عليه الخُلودُ. قال أبو عبدِ اللهِ: إلَّا مَن حَبَسَه القُرآنُ، يَعني قَولَ اللهِ تَعالى: {خالِدينَ فيها}» (متفق عليه) وفي الحديث الآخر عن شفاعة المؤمنين لإخوانهم ممن دخل النار: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق - قد تبين لكم - من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم؛ فتحرم صورهم على النار؛ فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دنيار من خير فأخرجوه؛ فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه؛ فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه؛ فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا، فيقول الله شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين؛ فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما! فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة؛ فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم؛ فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل ولا خير قدموه؛ فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه». متفق عليه, وبعد أن يخرج كل من كتب له أن يخرج من النار ممن لم يشرك بالله شيئا، يؤتى بالموت، يراه أهل الجنة وأهل النار كما في الحديث: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي به مناد، يا أهل الجنة؛ فيشرئبون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي مناد يا أهل النار؛ فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه؛ فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت. ثم قرأ: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (متفق عليه). فإذا انتهى الأمر غلقت أبواب النار: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} (الهمزة). - وماذا عن أصحاب الأعراف؟ -هؤلاء ورد ذكرهم في كتاب الله في سورة الأعراف: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } (الأعراف)، ومع أن معظم الأحاديث التي وردت في وصفهم ضعفها الألباني -رحمه ومع الله- إلا أن تفسير الآيات يبين من يفصل الله بينهم ويأمر بهم إلى الجنة برحمة الله، وقبل أن تبدأ الشفاعات للمسلمين ممن دخلوا النار. وفيهم أورد الحاكم في المستدرك: عن حذيفة - رضي الله عنه -، قال: «أصحاب الأعراف: قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك. قال: « قوموا ادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم»، (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) وقيل هم أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم.
لاتوجد تعليقات