من القواعد الفقهية في العمل الخيري .. «لكل عمل رجال» وتطبيقاتها في حوكمة المؤسسات الخيرية
- تقتضي الأمانة وضوح البيانات المالية والإدارية وإعداد تقارير دورية تبين الإيرادات والمصروفات ونتائج المشروعات
- تمثل الرقابة ضمانة أساسية لحفظ الأموال وصحة التصرفات ولذلك ينبغي أن تتولاها جهات مؤهلة ومستقلة وظيفيا عن الإدارات التي تراجع أعمالها
- تتولى مجالس الأمناء رسم السياسات العامة واعتماد الخطط والإشراف على الإدارة التنفيذية وحماية أموال المؤسسة وأصولها
- تطبيق قاعدة «لكل عمل رجال» يمثل انتقالا من الإدارة القائمة على الأشخاص إلى الإدارة القائمة على الكفاءة والمؤسسية
تعد قاعدة «لكل عمل رجال» من القواعد الإدارية المستمدة من مقاصد الشريعة وأصول السياسة الشرعية، وتقوم على إسناد الأعمال والمسؤوليات إلى من تتوافر فيهم الأمانة والكفاءة المناسبة لطبيعة كل مهمة؛ تحقيقا للمصالح، وحفظا للحقوق والأموال، ومنعا للهدر والفساد، وتبرز أهمية هذه القاعدة في المؤسسات الخيرية والوقفية التي تتولى إدارة أموال المتبرعين والأوقاف، وتحمل مسؤولية إيصالها إلى مستحقيها؛ إذ إن حسن النيات وحده لا يكفي لضمان حسن الأداء، كما أن الصلاح الشخصي لا يعني بالضرورة القدرة على الإدارة والقيادة، ومن أخطر ما تواجهه هذه المؤسسات إسناد المسؤوليات بالمجاملة أو القرابة أو النفوذ، دون اعتبار للكفاءة والتخصص، فيتقدم غير المؤهل، ويُستبعد صاحب الخبرة، وتضيع بذلك فرص التطوير والإتقان.
التأصيل الشرعي للقاعدة
أرست الشريعة مبدأ إسناد المسؤوليات إلى أهلها، فقال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58)، وقال -سبحانه على لسان يوسف عليه السلام-: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف: 55)، وقد جمعت الآية الأخيرة بين صفتين أساسيتين: الحفظ، الذي يشمل الأمانة وصيانة الحقوق، والعلم، الذي يتضمن المعرفة والكفاءة وحسن التدبير، فلا تستقيم المسؤولية بالأمانة دون قدرة، ولا بالكفاءة المجردة من النزاهة، وحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من إسناد المسؤوليات إلى غير المؤهلين، فقال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وتتجلى مراعاة القدرات الفردية في موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - من أبي ذر - رضي الله عنه -، حين طلب الإمارة، فقال له: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها»، ولم يكن ذلك انتقاصا من فضل أبي ذر أو صدقه وزهده، وإنما مراعاة لطبيعة الولاية وما تتطلبه من قدرات إدارية وقيادية قد لا تتوافر في كل صاحب فضل وصلاح، ومن الشواهد كذلك تكليف النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن ثابت - رضي الله عنه - بتعلم كتابة اليهود، لما عرف عنه من ذكاء وقدرة على التعلم؛ وهو دليل على أهمية اكتشاف المواهب وتوجيهها إلى الأعمال المناسبة.القوة والأمانة معيار الاختيار
أصل شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا المعنى في كتابه «السياسة الشرعية»، مبينا أن «اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل»، وأن «الواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها»، ومقتضى ذلك أن معايير الاختيار تختلف باختلاف طبيعة المسؤولية؛ فالإدارة التنفيذية تحتاج إلى الحزم والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار، بينما تتطلب إدارة الأموال والأوقاف مزيدا من الضبط والحفظ والنزاهة، وتحتاج الوظائف العلمية والشرعية إلى التأهيل المتخصص، ولا يعني تفاوت الأولويات التساهل في الأمانة، وإنما اختيار الأكفأ من بين المؤهلين، مع استكمال جوانب النقص بالتدريب والرقابة وتوزيع الصلاحيات، ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم قرارات التعيين ليس: من أقدم العاملين أو أكثرهم شهرة؟ وإنما: من الأقدر على أداء هذه المهمة بأمانة وإتقان؟تطبيقات القاعدة
تتجلى أهمية هذه القاعدة في بناء منظومة حوكمة مؤسسية واضحة، تقوم على توزيع المسؤوليات وفق الاختصاص والكفاءة، مع الفصل بين الإدارة والتنفيذ والرقابة.أولا: مجالس الأمناء وهيئات النظارة
تتولى مجالس الأمناء رسم السياسات العامة، واعتماد الخطط، والإشراف على الإدارة التنفيذية، وحماية أموال المؤسسة وأصولها، ويقتضي حسن اختيار أعضائها الجمع بين النزاهة والاستقلال والخبرة، مع تنوع التخصصات الشرعية والمالية والقانونية والاستثمارية؛ إذ يصعب اجتماع جميع هذه المعارف في شخص واحد، وفي المؤسسات الوقفية، تبرز ضرورة الإلمام بشروط الواقفين ومقاصد الوقف وأحكام استثماره وصرف ريعه، حتى لا تتحول النظارة إلى منصب شرفي منفصل عن مسؤولياته الفعلية.ثانيا: الإدارة التنفيذية
تحتاج الإدارة التنفيذية إلى قيادات تمتلك القدرة على التخطيط والتنظيم وإدارة الموارد واتخاذ القرارات ومتابعة الأداء، ولا يصح أن تكون الأقدمية أو العلاقات الشخصية وحدها أساسا للاختيار، بل ينبغي اعتماد توصيفات وظيفية واضحة، ومنافسة مهنية عادلة، ومعايير قابلة للقياس، وتقييم دوري للنتائج، فالمؤسسة الخيرية لا تحتاج إلى المدير الصالح فحسب، بل إلى المدير الصالح القادر على تحويل رسالتها إلى برامج ومشروعات ذات أثر ملموس.ثالثا: الرقابة والمراجعة
تمثل الرقابة ضمانة أساسية لحفظ الأموال وصحة التصرفات، ولذلك ينبغي أن تتولاها جهات مؤهلة ومستقلة وظيفيا عن الإدارات التي تراجع أعمالها، وتشمل مسؤولياتها التحقق من سلامة الإجراءات، والالتزام بشروط الواقفين والمتبرعين، ومراجعة المصروفات والعقود، والكشف المبكر عن المخاطر والتجاوزات، فالثقة بالعاملين لا تغني عن الرقابة، كما أن الرقابة لا تعني التشكيك في الأمانات، وإنما تمثل وسيلة مؤسسية لصيانتها.رابعا: الشفافية والإفصاح
تقتضي الأمانة وضوح البيانات المالية والإدارية، وإعداد تقارير دورية تبين الإيرادات والمصروفات ونتائج المشروعات، مع الإفصاح عن التعويضات والمصالح ذات الصلة وفق الأنظمة المعمول بها، وتعزز هذه الممارسات ثقة المتبرعين والمستفيدين، وتحد من تضارب المصالح، وتتيح تقويم الأداء على أساس النتائج لا الانطباعات.متطلبات تفعيل القاعدة مؤسسيًا
حتى تتحول قاعدة «لكل عمل رجال» من مبدأ نظري إلى ممارسة مؤسسية، ينبغي اعتماد مجموعة من الإجراءات المتكاملة:- وضع معايير مهنية معلنة للتعيين والترقية، تجمع بين الأمانة والكفاءة والخبرة.
- إعداد توصيف وظيفي دقيق يحدد المسؤوليات والصلاحيات ومؤشرات الأداء.
- منع تضارب المصالح، وإخضاع التعاقدات والتعويضات لضوابط واضحة.
- تفعيل المراجعة الدورية والمساءلة، وربط استمرار المسؤولية بكفاءة الأداء.
- إعداد قيادات بديلة وخطط للتعاقب الوظيفي تضمن استمرارية المؤسسات.
- الاستثمار في التدريب والتأهيل، والاستعانة بالخبرات المتخصصة عند الحاجة.
من صلاح الأفراد إلى كفاءة المؤسسات
إن تطبيق قاعدة «لكل عمل رجال» يمثل انتقالا من الإدارة القائمة على الأشخاص إلى الإدارة القائمة على الكفاءة والمؤسسية؛ فليس كل صاحب فضل يصلح لكل منصب، ولا كل مخلص قادر على أداء كل مهمة، وإنما تتحقق المصلحة بوضع كل إنسان في المجال الذي يحسن العمل فيه، وتزداد مسؤولية المؤسسات الخيرية والوقفية في هذا الجانب؛ لأنها مؤتمنة على أموال خصصها أصحابها لنفع المحتاجين وتحقيق المصالح العامة، وأي خلل في اختيار العاملين قد ينعكس على حقوق المستفيدين وثقة المتبرعين واستدامة المشروعات.حسن اختيار الرجال
حسن اختيار الرجال من حسن حفظ الأموال، وإسناد المسؤوليات إلى أهلها من تمام أداء الأمانات؛ وبقدر ما تحسن المؤسسات اختيار الكفاءات، تحسن إدارة مواردها، وتعظم آثارها، وتقترب من تحقيق رسالتها.تطبيقات عملية في العمل الخيري
لا تقف القاعدة عند اختيار القيادات، بل تمتد إلى مختلف الأعمال اليومية للمؤسسات الخيرية والوقفية.- إدارة المشروعات الإنشائية: ينبغي إسناد تنفيذ المشروعات إلى جهات تمتلك الخبرة الفنية والسمعة المهنية، مع تكليف مختصين بمتابعة العقود والجودة ومراحل الإنجاز؛ صيانة للأموال ومنعا للهدر والتعثر.
- دراسة الحالات الإنسانية: تتطلب دراسة أوضاع المحتاجين مختصين في البحث الاجتماعي، يجمعون بين الخبرة المهنية والرحمة وحسن التقدير، ويعتمدون على معايير موضوعية تحفظ كرامة المستفيدين وتضمن عدالة توزيع المساعدات.
- حساب الزكاة: تحتاج زكاة الشركات والأسهم والاستثمارات إلى تكامل الخبرة الشرعية والمحاسبية والمالية؛ فلا يكفي العلم بالأحكام دون فهم طبيعة المعاملات، ولا المعرفة المحاسبية دون الإلمام بضوابط الزكاة.
- إدارة الأوقاف: ينبغي أن يتولى النظارة من يجمع بين الأمانة والكفاءة، ويقدر على صيانة الأصول وتنميتها وتنفيذ شروط الواقف، مع الاستعانة بالخبرات الاستثمارية والقانونية المتخصصة.
- صرف المساعدات: يتطلب التعامل مع طلبات الإعانة إلى موظفين قادرين على تطبيق اللوائح بعدل وحزم ورحمة، دون خضوع للضغوط أو اندفاع وراء العاطفة، مع مراعاة الحالات الطارئة وفق إجراءات معتمدة.
- إدارة الأموال والخزائن: يجب اختيار الأمناء الماليين ممن يجمعون بين النزاهة والدقة والانضباط، مع تطبيق ضوابط الصرف والتوثيق والفصل بين صلاحيات الاعتماد والتنفيذ والمراجعة.
لاتوجد تعليقات