رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 21 أكتوبر، 2026 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة .. خذوا جُنتكم من النار .. كلمات يسيرة وأجور عظيمة

  • الذكر عبادة لا تحتاج إلى جهد بدني كبير ولا إلى مال ينفقه الإنسان وإنما تحتاج إلى قلب حاضر ولسان ذاكر
  • كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه فكان بذلك القدوة الكاملة في دوام الصلة بالله تعالى
  • من عظيم عناية النبي -صلى الله عليه وسلم- بالذكر أنه كان يرشد أصحابه إلى ملازمته والإكثار منه لما فيه من الخير والفضل
  • من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل أبواب الخير كثيرة وسبل النجاة ميسرة ورتب على الأعمال اليسيرة أجورا عظيمة
 

تنوعت أساليب النبي - صلى الله عليه وسلم- في تعليم أصحابه -رضي الله عنهم- وتوجيههم؛ فكان يخاطب العقول والقلوب، ويثير الانتباه بالسؤال، ويضرب الأمثال، ويرغب في الطاعات، ويحذر من المعاصي، ويختار من الأساليب ما يجعل المعلومة أبلغ أثرا وأرسخ في النفوس، ومن أراد أن يتعلم فنون التربية والتعليم، فليتأمل سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم-، وليقرأ ما جمعه أهل العلم من أحاديثه وتوجيهاته في كتب السنة؛ ففيها من الحكمة وحسن البيان والتأثير ما يعين المربي والداعية على إيصال المعاني وترسيخ القيم.

ومن هذه الأساليب النبوية البليغة ما جاء في حديث عظيم، استهل فيه النبي - صلى الله عليه وسلم- حديثه بعبارة تستوقف السامع، وتثير في نفسه الرغبة في معرفة ما يحفظه من عذاب الله -تعالى-.

خذوا جنتكم من النار

       قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا جُنتكم من النار»، قالوا: يا رسول الله، وما جنتنا من النار؟ قال: «قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، تأملوا هذا الأسلوب النبوي المؤثر؛ فقد بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم- بالأمر بأخذ الوقاية من النار، دون أن يبين وسيلتها ابتداء، فاستثار بذلك انتباه الصحابة -رضي الله عنهم-، ودفعهم إلى السؤال عنها، ثم أرشدهم إلى كلمات يسيرة على اللسان، عظيمة في الميزان، والجُنَّة هي الوقاية والستر، أي اتخذوا ما يكون سببا في وقايتكم من النار والنجاة من عذابها. وقد يظن بعض الناس أن هذه الكلمات، لشهرتها وسهولة النطق بها، أمر معتاد لا يستدعي مزيد اهتمام، غير أن المؤمن حين يستحضر فضلها، ويوقن بما رتب الله عليها من الأجر، يدرك أن وراء هذه الألفاظ اليسيرة معاني عظيمة وثوابا جزيلا.

كلمات يحبها الله -تعالى-

        إن قول المسلم: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» ليس مجرد ترديد لألفاظ مألوفة، بل هو عبادة عظيمة تجمع أصولا من الثناء على الله وتعظيمه وتوحيده، فالتسبيح تنزيه لله -تعالى- عن كل نقص، والتحميد ثناء عليه بصفات كماله ونعمه، والتهليل إقرار بتوحيده وإفراده بالعبادة، والتكبير تعظيم له سبحانه وإقرار بأنه أكبر من كل شيء. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت»، فما أعظم فضل هذه الكلمات التي يحبها الله -تعالى-، وما أيسرها على من وفقه الله لذكره! يستطيع المسلم أن يرددها في بيته وعمله، وفي طريقه، وبعد صلاته، وفي أوقات فراغه، فيجمع بذلك بين عمارة وقته بالطاعة وتحصيل الأجر العظيم.

الذكر وقاية للقلب والنفس

        لقد جاءت النصوص الشرعية ببيان أعمال كثيرة تكون سببا للوقاية من النار؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» متفق عليه، وقال - صلى الله عليه وسلم-: «الصيام جنة» متفق عليه، وهكذا تتعدد أبواب الخير التي يفتحها الله لعباده، فمنها الصدقة والصيام، ومنها ذكر الله -تعالى- وتسبيحه وتحميده وتهليله وتكبيره. وذكر الله لا يقتصر أثره على تحصيل الثواب، بل يمتد إلى حياة المؤمن وسلوكه؛ فهو يحيي القلب، ويقوي صلته بربه، ويعينه على مقاومة الغفلة، ويذكره بعظمة الله ومراقبته في السر والعلن، وكلما اعتاد المسلم الذكر، واستحضر معانيه، كان ذلك أدعى إلى استقامة قلبه ولسانه وجوارحه، وأقرب إلى دوام صلته بالله -تعالى-.

لا يزال لسانك رطبا بذكر الله

        ومن عظيم عناية النبي - صلى الله عليه وسلم- بالذكر أنه كان يرشد أصحابه إلى ملازمته والإكثار منه؛ لما فيه من الخير والفضل، فعن عبدالله بن بسر - رضي الله عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال - صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله» رواه الترمذي. إنها وصية جامعة يسيرة، يستطيع العمل بها كل مسلم، مهما اختلفت ظروفه وأعماله؛ فالذكر عبادة لا تحتاج إلى جهد بدني كبير، ولا إلى مال ينفقه الإنسان، وإنما تحتاج إلى قلب حاضر ولسان ذاكر، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يذكر الله على كل أحيانه، كما ثبت في صحيح مسلم، فكان بذلك القدوة الكاملة في دوام الصلة بالله -تعالى-، ومن هنا ينبغي للمسلم أن يجعل لنفسه نصيبا وافرا من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وأن يغتنم أوقاته فيما يقربه من ربه، فلا تمر عليه الساعات الطويلة دون ذكر أو استغفار.

اغتنموا هذه الكلمات

          إن من رحمة الله -تعالى- بعباده أن جعل أبواب الخير كثيرة، وسبل النجاة ميسرة، ورتب على الأعمال اليسيرة أجورا عظيمة؛ فكم من كلمة يقولها العبد بإخلاص ويقين تكون سببا في رفعة درجته ومغفرة ذنبه ونجاته من النار! فلنحرص على هذه الكلمات الأربع، ولنكثر منها في يومنا وليلتنا، ولنرب أبناءنا على محبتها واستحضار معانيها، حتى تصبح جزءا من حياتنا وعبادتنا، ولنتذكر دائما وصية النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا جنتكم من النار»، فنأخذ بأسباب النجاة، ونلزم ذكر الله وطاعته، ونسأله -سبحانه- أن يعيذنا من النار، وأن يجعلنا من أهل جنته ودار كرامته.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك