رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ 21 أكتوبر، 2026 0 تعليق

منارات في مسيرة طلب العلم (2) طالب العلم.. بين العلم والمعلومات

  • مسؤولية بناء طالب العلم مشتركة بينه وبين شيوخه وموجهيه وتشمل تعليمه منهجية الطلب وتزكية أخلاقه وتوجيهه إلى استكمال جوانب النقص
  • شمول التكوين العلمي يتحقق بالتدرج وترتيب الأولويات من خلال خطة واضحة تتيح للطالب الأخذ من مختلف أبواب العلم بما يناسب مرحلته وحاجته
  • كثرة المعلومات لا تعني رسوخ العلم فالعلم يقوم على منهجية واضحة وتأصيل منضبط وتلقٍّ عن العلماء الثقات
  • التصدر قبل التأهل من أخطر آثار الخلل في البناء العلمي إذ يفتح باب القول بغير علم ويغذي الجدل والمشاغبة ويضعف أثر التوجيه الشرعي
  • العلم الشرعي بناء متكامل يجمع المعرفة والعمل والأخلاق فلا يكتمل تكوين طالب العلم بالعناية بالعقيدة والأحكام مع إغفال الرحمة وآداب التعامل وفقه المصالح وأحوال الناس
  • الرحمة والرفق وحسن المعاشرة أصول في تربية طالب العلم ينبغي غرسها منذ بداية الطلب لينتفع الناس بعلمه
 

طلب العلم يحتاج إلى بصيرةٍ بمناراته ومعالمه؛ حتى يسير الطالب على منهج صحيح، ويحفظ وقته وجهده، ويتجنب مزالق الطريق وعوائقه، وتأتي سلسلة «منارات في مسير طالب العلم» لتضيء أهم المعالم التربوية والمنهجية في هذه الرحلة؛ من الإخلاص والأدب والصبر والتدرج، إلى حسن التلقي والعمل بالعلم والثبات عليه؛ ليكون سير طالب العلم أكثر وعيًا ورسوخًا، وأقرب إلى تحقيق ثمرة العلم وغايته.

        اليوم نبين الفرق بين العلم والمعلومات، فليست كثرة المعلومات دليلا على رسوخ العلم؛ فبين المعلومة المتناثرة والعلم المؤصل فرق تصنعه المنهجية، وصحة المصدر، وحسن التلقي، وفي هذه الحلقة نتناول هذا الفرق، ونقف عند آثار الخلل في البناء العلمي، والحاجة إلى شمول العلم للمعرفة والسلوك والأخلاق.

العلم أم المعلومات؟

        ولهذا، هنا ينبغي أن نطرح سؤالا مهما: ما الفرق إذًا بين العلوم وبين المعلومات؟ فنحن نرى اليوم كثيرا من المنتسبين إلى العلم عندهم معلومات غزيرة، بل تسأله في المسألة فيذكر لك رقم الصفحة والجزء، ويذكر الرواية بأسانيدها، ويذكر المسألة بأقوالها، ولكن لا يلزم أن يكون هذا من قبيل العلم الراسخ! والفرق بين العلم والمعلومات مع أن المعلومات قد تكون صحيحة، هو في طريقة المخرجات وفي المدخلات، أي: في طريقة التحصيل وفي طريقة الالتماس.
  • فالمعلومات: أشياء يصل إليها الإنسان ليس بنظام ولا بناء علمي، وإنما بالتحصيل التقليدي الاعتيادي؛ يدخل فيبحث، يقرأ، يدخل إلى مكتبة فيأخذ هذا الكتاب أو يسمع شذرات.
  • أما العلم: فلا، هي المخرجات والنتائج والأفكار التي تتحصل بمنهجية، ونظام، ومقررات، وبأسس، وبطريقة معهودة في التحصيل على أيدي علماء ثقات وأشياخ في فنونهم تميزوا فيها.

الفرق بين المعلومات والعلوم

       ولأقرب المعنى: الفرق بين المعلومات والعلوم كالفرق اليوم بين من يتكلم عن الطب وبعض مسائل الطب في وسائل التواصل الاجتماعي ويقدم بعض النصائح الطبية، وبين كلام الطبيب المتخصص الحاذق؛ ما الفرق بينهما؟ مع أن هذه المعلومات التي يقولها هذا الشخص العامي قد تكون صحيحة، لكنه لم يأخذها بالمعهود وبالمنهجية الدراسية المعهودة في الطب، أما الطبيب فلا، هذا تحصل عليها من خلال نظام دراسي ومنهجية في التحصيل على أيدي متخصصين؛ فما يقوله الطبيب علم، وما يقوله غير الطبيب ولو كان صحيحا يسمى معلومات.

حين يتصدر أصحاب المعلومات

       إننا نعيش اليوم زمنا ابتلينا فيه بقلة العلوم وندرة العلماء الراسخين، مقابل كثرة أصحاب المعلومات، وقد أدى هذا الفصام إلى خلل كبير في فهم المجتمع لدينه وفي تطبيقه لحقيقة شرع ربه؛ حيث نكصت فئام من الناس عن الاستماع إلى أقوال العلماء الربانيين، ويمموا وجوههم شطر أصحاب المعلومات العابرة. ومما زاد الفتنة عماء، أن بعض هؤلاء القوم قد غرتهم معلوماتهم المتناثرة، وتفننوا في أساليب التعبير والخطاب، حتى تصدروا المجالس وعاظا ومدرسين، بل وتجرؤوا على أن يكونوا مفتين يصدرون الفتاوى ويقولون في شرع الله -تعالى- بغير أثارة من علم، والحقيقة الكامنة وراء ذلك أن مصادر كلامهم ليست علوما منضبطة مؤصلة، وإنما هي معلومات متفرقة حاطبة.

قاعدة شرعية

        إن الأمة إنما يحل بها الهلاك في جانبها الشرعي عندما يكون مصدر التوجيه والقيادة فيها لأصحاب المعلومات، لا للعلماء الراسخين، لأجل هذا، كان المعيار الدقيق عندنا هو أن يتمسك طالب العلم بمنهجية صحيحة في القراءة، والنظر، والطلب. وذلك بأن تكون مخرجاته وأحكامه الصادرة عنه مبنية على أسس رصينة؛ فقد وضع علماؤنا الأفاضل قواعد عظيمة، وأصلوا أصولا كبيرة في استنباط الأحكام، واستخراج الفوائد، وتقرير الحكم الشرعية، بحيث لا يكون شيء من ذلك بمحض الرأي والهوى.

آفات البناء المختل

فإذا لم يُنشَّأْ طالب العلم على هذه الطريقة المحكمة، ظهرت الآفات المهلكة:
  • آفة التصدر قبل التأهل.
  • آفة الانتقاد المجرد والجدل المباهت والرياء.
  • آفة المشاغبة وإثارة الفتن.
وعندها، لا ترى في الساحة سمتا صالحا، ولا علما نافعا، ولا تربية حقيقية، ولا تأثيرا باقيا؛ وإنما هو انتشار جوفاء، وكلام كثير، وضجيج مستمر، وأقوال ومجالس ولقاءات، بيد أن البحث عن الحقيقة بينها غدا بحثا عسيرا مستعصيا.

العلم الشرعي بناء متكامل

         إن العلم الشرعي بمعناه الجامع الشامل يشتمل على أبواب كثيرة، ومجالات عديدة، وأنواع عظيمة، يمكن بيانها في المجالات العشرة الآتية: (علم الاعتقاد، وعلم الأحكام والأعمال، وعلم الاقتداء والتأسي والاتباع، وعلم النظر والاجتهاد، وعلم الخلاف والانتقاد، وعلم السياسات الشرعية والمصالح، وعلم الجهاد والقتال، وعلم الآداب والأخلاق، وعلم المعاملات والمعاشرات، وعلم سياسة الناس ومراعاتهم)، وكل مجال من هذه المجالات له كتبه المصنفة، وأشياخه المتقنون، وبحوثه المحررة، ومسائله المضبوطة.

آفة تجزئة العلم

        وإنما ابتلينا في هذا الزمان بتجزئة العلم وتجزئة الدين؛ فترى كل طائفة تعتني بجانب واحد -ولو كان مهما- لكنها تغفل باقي الجوانب، فتجد طالب العلم يعتني بأبواب الاعتقاد، والأحكام، والاتباع، والانتقاد، ويدع العلم بالمصالح، والسياسات، والآداب، والأخلاق، والمعاملات، والمعاشرات؛ فيكون بذلك عالما لنفسه فقط، وفي المقابل، تجد طائفة أخرى اعتنت بتسييس الناس ومراعاتهم، وأبرزت جانب الآداب والأخلاق، وتفننت في العلم بالمعاشرات والمعاملات، لكنها أهملت جانب الاعتقاد النقي، وجانب الأحكام والاتباع؛ فأثرت في الناس، ولكن تأثيرها كان سببا لظهور البدعة أو انتشار الفتنة. فالطائفة الأولى، بسبب نقص بعض الجوانب في علمها، أفضى بها الحال إلى أن تكون عاملة لنفسها، تحاور نفسها فقط، والطائفة الثانية، انتشرت في المجتمع، لكنها أثرت فيه تأثيرا سلبياً، هكذا هو الصراع، وهذا هو الواقع المشهود، وسببه الرئيس هو غياب الشمولية في فهم الدين وفي تطبيقه، ولذلك، فإن الداعية ينبني عليه أن يعتني بهذه المجالات جميعها. فإذا رأينا طالب العلم يفتقد إلى هذه الأمور (كالذوق والمروءة) في معاملته مع الخلق، فلا ننقم عليه بالانتقاد المحض، وإنما نقره على اعتنائه بالعلم أولا، ثم نحثه على إكمال النقص؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والمسؤولية هنا ليست مسؤولية التلميذ وحده، بل هي مسؤولية الشيخ والموجه.

خارطة الطريق

        فالواجب على الشيوخ، وعلى الموجهين، وعلى الأساتذة الفضلاء المربين، أن يوجهوا طلاب العلم إلى جميع هذه المجالات، مع مراعاة الأولوية في حملها وفي تحصيلها، ولا نعني بذلك أن نقول له مرة واحدة: »لا بد أن تحصلها جميعا في آن واحد«، كلا، ولكن لابد من وضعها له في خارطة الطريق، فلابد لطالب العلم في بواكير طلبه وفي بدايته أن يأخذ من كل باب من هذه الأبواب ولو شيئا يسيرا. ولهذا الحكمة البالغة، كان أول حديث يروى بالتسلسل في التعليم عند أهل الحديث هو» الحديث المسلسل بالأولية«، وهو حديث الرحمة: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، مع أن هذا الحديث يندرج في باب الأدب والأخلاق، لا في باب الاتباع المحض والاعتقاد، لكنهم قدموه ليأخذ طالب العلم في أول طلبه أصولا من هذه المعاني الرحيمة، أما عندما يتربى طالب العلم على فكرة أن المجتمع فيه ضلال مطلق، وأنه لا بد لك أن تنفصل عن هذا المجتمع، وأن أغلب الناس على البدع والأهواء؛ فإنه هنا لن يحمل العلم بحقائقه ومجالاته وأبوابه. لو نظرنا في الآيات القرآنية، لرأينا أن سياق القرآن يضم هذه العشرة جميعا في آن واحد، وهذا هو السر في عمق فهم الصحابة -رضوان الله عليهم-؛ فهم -مع أنهم كانوا حديثي عهد بجاهلية- لم يكن أمر تميزهم راجعا إلى فصاحتهم ولا إلى سلامة قلوبهم فحسب، وإنما رجع أيضا إلى منهجيتهم في تلقي الشرع؛ حيث أخذوا المعالي الكلية ابتداء. فإذا سلكت طريقا، فلابد أن تأخذ في يوم من الأيام من كل باب حظا، سواء أخذته بكلياته أم ببعضه وجزئياته، أما أن يبقى طالب العلم عاكفا على بعض الأبواب لسنين طويلة، من غير نظر ولا طلب للعلم في الأبواب الأخرى، فلا ينتظر منه أن يكون حكيما، أو رفيقا، أو رحيما أبدا؛ لأن بناءه العلمي لم يقم على هذا المعنى الشمولي.

من النقد إلى التصحيح

نحن اليوم لسنا بحاجة إلى مجرد انتقاد الواقع؛ فطالب العلم فعل الذي انتهى إليه علمه، وهذا هو الموجود؛ وإنما الواجب علينا هو:
  • التذكير بالمنهج الصحيح.
  • النصح الصادق.
  • البيان والإشارة المعرفية.
إن طالب العلم أحيانا يقضي عشرات السنين في الطلب ولم يأخذ محاضرة واحدة في منهجية الطلب وطريقته، وإنما يسمع العلم سماعا سرديا، والغالب أنه يعيش في داخل نفسه منهجية عفوية يجعلها لنفسه، فيتدرج حتى يصل إلى الحقائق.

امتلاك زمام المنهج

        ومن هنا يدرك الطالب كيف يوقت لكتبه؛ فيقول طالب: «كتاب مدارج السالكين» قد حان الوقت لقراءته»، ويقول طالب آخر: »كتاب السياسة الشرعية« لشيخ الإسلام حان الوقت لقراءته»، ويقول ثالث: «كتاب أحكام أهل الذمة» لابن القيم في معاملة غير المسلمين حان وقته، متى يقول طالب العلم ذلك؟ يقوله عندما يملك زمام منهجيته؛ أما إذا كان يقرأ فقط ما يرد عليه يوميا كيفما اتفق، فهو لا يتحكم بمنهجيته وحاجته، بل الأشياء الأخرى هي التي تتحكم فيه وبالنتيجة، نرى آثارا سيئة، وتصرفات خطأ، وأمورا لا تليق بحملة العلم، والسبب هو افتقادنا لهذه الشمولية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك