محاضرات مركز تراث للتدريب .. العمل الخيري الدّولي في الاقتصاد الإسلامي .. من الجذور التاريخيةإلى تحولات الواقع المعاصر (1-2)
- د. مكي: العمل الخيري مكوّن أصيل في الاقتصاد الإسلامي يقوم على المسؤولية الاجتماعية للمال وتحقيق التكافل والعدالة
- أسست المرحلة المكّية فلسفة التكّافل بينما حولتها المرحلة المدنية إلى مؤسسات وآليات عملية
- التجربة الإسلامية تجمع بين البعُد الشرعي والاجتماعي والاقتصادي والاستدامة
- تطور العمل الخيري من المبادرات الفردية إلى منظومة مؤسسية تقوم على الزكاة والوقف وتنظيم الموارد
- مثّل الوقف نقلة نوعية بتحويل العطاء من مساعدة مؤقتة إلى منفعة مستدامة
- راعى النظام الإسلامي أولوية الحاجة المحلية مع نقل الفائض إلى المناطق الأشد احتياجًا
- ظهر التكافل العابر للأقاليم مبكرًا من خلال إعادة توزيع الموارد وفق الحاجة والمصلحة
- قدّم عام الرمادة نموذجًا متقدمًا لإدارة الأزمات عبر تعبئة الموارد والإمدادات وتحقيق الأمن الغذائي
- مبدأ جوهري في طبيعة العمل الخيري مع الهجرة إلى المدينة المنورة فقد انتقل المسلمون من جماعة محدودة الإمكانات إلى مجتمع يمتلك مقومات الدولة
د. رامي عيد مكي
دكتوراة في الاقتصاد الإسلامي
في إطار سلسلة المحاضرات التثقيفية التي ينظمها مركز تراث للتدريب، التابع لقطاع الإعلام والتدريب بجمعية إحياء التراث الإسلامي، عقد المركز محاضرة بعنوان، (العمل الخيري الدولي في الاقتصاد الإسلامي.. من الجذور التاريخية إلى تحولات الواقع المعاصر)؛ قدّمها د. رامي عيد مكي عبر البث المباشر من خلال برنامج (زووم)، يوم الأربعاء الموافق 9 سبتمبر 2026، وتأتي هذه المحاضرة ضمن جهود المركز في نشر المعرفة، وتطوير المهارات المهنية، وتأهيل الكفاءات من خلال برامج متخصصة تواكب احتياجات العاملين والمهتمين، وفيما يلي عرض لأبرز ما جاء فيها.
يمثل العمل الخيري أحد المكونات الأساسية في منظومة الاقتصاد الإسلامي؛ إذ لم ينظر الإسلام إلى المال على أنه ملكية فردية منفصلة عن مسؤولياتها الاجتماعية، وإنما عده وسيلة لتحقيق مقاصد أوسع تقوم على العدل والتكافل وتحقيق التوازن داخل المجتمع؛ ولذلك ارتبطت الثروة في التصور الإسلامي بمسؤولية أخلاقية واجتماعية تجعل من إعانة المحتاجين ورعاية الفئات الضعيفة وتحقيق المصلحة العامة جزءًا من وظيفتها الاقتصادية.
منظومة مؤسسية
ولم يقتصر العمل الخيري في التجربة الإسلامية على صور فردية محدودة، بل تطور إلى منظومة مؤسسية، أسهمت في تنظيم انتقال الموارد وتوجيهها نحو الفئات والمناطق الأكثر حاجة. ومع اتساع الدولة الإسلامية وتعدد أقاليمها ظهرت صور مبكرة من التكافل العابر للأقاليم؛ حيث انتقل العمل الخيري بين المناطق المختلفة وفقًا لمقتضيات الحاجة والمصلحة العامة.مفهوم العمل الخيري الدولي
ومن المهم التمييز بين مفهوم العمل الخيري الدولي بمفهومه المعاصر، المرتبط بوجود دول مستقلة، وبين أنواع التكافل في التاريخ الإسلامي؛ إذ كان العمل الخيري في المراحل الأولى يتم داخل إطار سياسي وحضاري واحد يضم أقاليم متعددة، ولذلك يعد تعبير العمل الخيري العابر للأقاليم أكثر دقة عند وصف تلك المرحلة. وتكشف دراسة العمل الخيري في الاقتصاد الإسلامي عن مسار تاريخي متدرج؛ بدأ بتأسيس قيم التكافل والمسؤولية الاجتماعية للمال في القرآن والسنة، ثم تحول إلى مؤسسات منظمة في الدولة الإسلامية، وبلغ درجة عالية من الاستدامة من خلال مؤسسة الوقف، وصولًا إلى المؤسسات الخيرية والزكوية المعاصرة التي تعمل عبر الحدود وتسهم في تحقيق أهداف تنموية وإنسانية.
مسار تطور العمل الخيري الدولي
ولإبراز مسار تطور العمل الخيري الدولي في الاقتصاد الإسلامي عبر مراحله التاريخية المختلفة، يمكن استعراض بعض نماذج من تجاربه ومؤسساته بإيجاز، وذلك من خلال ما يلي:أولًا: الجذور التاريخية للعمل الخيري في العصر النبوي
(1) المرحلة المكّية وفيها ركز الخطاب القرآني على إعادة بناء مفهوم المال وعلاقة الإنسان به؛ فلم يعد المال مجرد أداة للامتلاك الفردي، وإنما أصبح مرتبطًا بمسؤولية اجتماعية تجاه الآخرين، ويتضح ذلك في قوله -تعالى-:{فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ}(البلد). وكما جاء النقد القرآني لمن يمنع حق الضعفاء في قوله -تعالى-:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}(الماعون:1-3)، وتبرز أهمية هذه المرحلة اقتصاديا في أن القرآن لم يتعامل مع الفقر باعتباره مشكلة فردية تخص الفقير وحده، بل باعتباره قضية اجتماعية ترتبط بطريقة توزيع الموارد ونظرة المجتمع إلى الثروة، ومن أكثر الآيات دلالة في هذا السياق قوله -تعالى- :{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}(الذاريات:19)، فاستخدام لفظ «حق» يشير إلى أن مساعدة المحتاج ليست مجرد تفضل أو إحسان اختياري، وإنما ترتبط بمفهوم المسؤولية الاجتماعية للمال، ومن هنا يمكن القول إن المرحلة المكية أعادت بناء العلاقة بين الإنسان والثروة من خلال ثلاث أفكار مركزية:- أن المال أمانة وليس غاية مستقلة.
- أن الفقر قضية اجتماعية وليست شأنًا فرديًا.
- أن المجتمع مسؤول عن حماية الفئات الأضعف.

المرحلة المدنية
مع الهجرة إلى المدينة المنورة حدث تحول جوهري في طبيعة العمل الخيري؛ فقد انتقل المسلمون من جماعة محدودة الإمكانات إلى مجتمع يمتلك مقومات الدولة، بما فيها السوق، والموارد، والنظام المالي، والمسؤوليات الاجتماعية، وهنا بدأت المبادئ التي تأسست في مكة تتحول إلى مؤسسات وآليات عملية. ومن أبرز النماذج في هذا السياق المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، التي مثلت نموذجًا مبكرًا لإعادة توزيع الموارد داخل المجتمع الإسلامي الجديد، وقد أظهر الأنصار مستوى غير مسبوق من التضامن الاقتصادي مع المهاجرين، حتى عرض سعد بن الربيع -رضي الله عنه - على عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أن يقاسمه ماله، إلا أن عبدالرحمن اختار العمل والتجارة.الزكاة أهم مؤسسات العمل الخيري
ثم جاءت الزكاة بوصفها إحدى أهم مؤسسات العمل الخيري في الاقتصاد الإسلامي، باعتبارها آلية منظمة لإعادة توزيع جزء من الثروة وتحقيق التكافل الاجتماعي، ويجسد حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عند بعثه إلى اليمن: «تُؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم» البعد الاقتصادي للزكاة من خلال نقل الموارد من القادرين إلى المستحقين، بما يسهم في الحد من الفقر وتعزيز العدالة والتوازن الاجتماعي.أبرز التطورات الاقتصادية
ومن أبرز التطورات الاقتصادية في هذه المرحلة ظهور مؤسسة الوقف، حين أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى وقف أرضه بخيبر؛ بحيث يُحبس الأصل وتُصرف المنفعة، وهنا ظهر تحول تاريخي بالغ الأهمية؛ فالصدقة التقليدية تنفق وتنتهي، أما الوقف فيحوّل الأصل الاقتصادي إلى مصدر مستمر للمنفعة الاجتماعية. وبذلك انتقل العمل الخيري من مجرد تدفق مالي قصير الأجل إلى مؤسسة اقتصادية مستدامة قادرة على إنتاج المنافع عبر الزمن، ومن خلال هذه المرحلة يمكن تلخيص التطور الأول للعمل الخيري الإسلامي:- مكة: تأسيس فلسفة المسؤولية الاجتماعية للمال.
- المدينة: تحويل هذه الفلسفة إلى مؤسسات مالية واجتماعية.
ثانيًا: العمل الخيري العابر للأقاليم في عصر الخلافة
مع اتساع الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، وامتدادها، بدأت تظهر ملامح ما يمكن تسميته اليوم بـ العمل الخيري العابر للأقاليم، وذلك عبر الوسائل التالية: (1) نقل الزكاة وإعادة توزيع الفائض الاقتصادي كان الأصل في توزيع الزكاة أن تُصرف على فقراء المكان الذي جُمعت فيه، وهو ما يتضح في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه -: «تُؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم« وهذا المبدأ يعكس أهمية تحقيق التكافل داخل المجتمع المحلي، باعتبار أن القريب أولى بالمساعدة عند وجود الحاجة، إلا أن التطبيق التاريخي للمجتمع الإسلامي أظهر أن هذا الأصل لا يمنع انتقال الموارد عند وجود مصلحة أكبر أو حاجة أشد في مكان آخر، وقد ظهرت في عهد الخلفاء الراشدين صور متعددة لنقل الموارد بين الأقاليم، خاصة عندما تتحقق الكفاية في إقليم معين وتظهر الحاجة في إقليم آخر.أمثلة تاريخية
ومن الأمثلة التي تذكرها المصادر التاريخية ما رُوي عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عندما كان واليًا على اليمن، حيث أرسل جزءًا من الصدقات إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فاستنكر عمر ذلك في البداية، مبينًا أن مهمته الأساسية هي أخذ الزكاة من أغنياء اليمن وردها إلى فقرائهم، إلا أن معاذًا أوضح أنه لم يرسل شيئًا إلا بعد تحقق حاجة أهل اليمن وعدم وجود مستحقين لها، وتكشف هذه الرواية عن مبدأ اقتصادي مهم، وهو أن توزيع الموارد في الاقتصاد الإسلامي لم يكن جامدًا، وإنما كان مرتبطًا بمقصد تحقيق العدالة وسد الحاجة. كما تؤكد الروايات الأخرى التي أوردها أبو عبيد في كتابه (الأموال) هذا المعنى، ومن ذلك ما رُوي أن عَدِيَّ بن حاتم والزِّبْرِقانَ بنَ بدر نقلا صدقات قوميْهما إلى أبي بكر الصديق - رضي لله عنه - من بلاد طيّئ وبني تميم، فاستعان بها في قتال أهل الردة، وما ورد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال لابن أبي ذُباب حين بعثه بعد عام الرمادة: «اعقل عليهم عِقالين، فاقسم فيهم أحدهما، وائتني بالآخر»، وهذا يمثل صورة مبكرة لفكرة إعادة التوزيع المكاني للثروة، وهي فكرة أصبحت اليوم من الأدوات الأساسية في سياسات التنمية الاقتصادية.(2) إغاثة الحجاز عام الرمادة
يعد عام الرمادة من أبرز النماذج التاريخية التي تكشف عن قدرة العمل الخيري في الاقتصاد الإسلامي العابر للأقاليم على تعبئة الموارد لمواجهة الأزمات الكبرى، ففي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، تعرضت منطقة الحجاز لمجاعة شديدة نتيجة انقطاع المطر وحدوث أزمة غذائية واسعة، وتذكر المصادر التاريخية أن شدة الأزمة بلغت حدًا كبيرًا، حتى تغير لون الأرض بسبب الجفاف، وسمي العام بعام الرمادة. ولم يتعامل الخليفة عمر - رضي الله عنه - مع الأزمة باعتبارها مشكلة محلية تخص سكان المدينة فقط، وإنما تعامل معها باعتبارها مسؤولية عامة للدولة الإسلامية، فكتب إلى عماله في الأقاليم يطلب منهم إرسال الإمدادات لمساعدة أهل المدينة والمناطق المتضررة، وتذكر الروايات التاريخية وصول مساعدات من الشام والعراق، حيث قدمت قوافل تحمل الطعام والمؤن، وأسهمت في تخفيف آثار الأزمة.
النماذج العملية المبكرة للعمل الخيري في الإسلام
من النماذج العملية المبكرة في العمل الخيري في الإسلام إنفاق أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في تحرير عدد من المستضعفين، ومن أشهرهم بلال بن رباح - رضي الله عنه -، وهو ما يعكس اتساع مفهوم العمل الخيري ليشمل تحرير الإنسان من صور الاستضعاف الاقتصادي والاجتماعي، وليس فقط تقديم المساعدة المادية، وبذلك يمكن القول: إن المرحلة المكية أسست فلسفة العمل الخيري في الاقتصاد الإسلامي، لكنها لم تؤسس بعد مؤسساته التنظيمية.منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة
العمل الخيري في الاقتصاد الإسلامي لم يكن نشاطًا هامشيًا أو استجابة مؤقتة للحاجة، بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة تطورت من قيمة أخلاقية إلى مؤسسة مستدامة، ومن التكافل المحلي إلى إعادة توزيع الموارد بين الأقاليم وفق الحاجة والمصلحة.أبرز صور العمل الخيري العابر للأقاليم
ومن أبرز صور العمل الخيري العابر للأقاليم في عام الرمادة وصولُ إمداداتٍ كبيرة من الشام على يد أبي عبيدة بن الجرّاح - رضي الله عنه -، بلغت -كما ذكر ابن كثير- أربعةَ آلافِ راحلةٍ تحمل الطعام، وإرسالُ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ - رضي الله عنه - مساعداتٍ غذائيةً من العراق، فضلًا عن المساعدات التي بعث بها معاويةُ بنُ أبي سفيانَ، والي الشام آنذاك.تجربة عام الرمادة
ومن منظور اقتصادي معاصر، فإن تجربة عام الرمادة تقدم نموذجًا متقدمًا في دور العمل الخيري العابر للأقاليم في إدارة الأزمات في الدولة الإسلامية؛ حيث جمعت بين:- تدخل الدولة لحماية الفئات الأكثر ضعفًا.
- نقل الموارد من المناطق ذات الفائض إلى المناطق المتضررة.
- تحقيق الأمن الغذائي في أوقات الطوارئ.
- استخدام شبكات الإدارة واللوجستيات لتوزيع المساعدات.
لاتوجد تعليقات