رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: forqan 14 أكتوبر، 2026 0 تعليق

الأسرة المسلمة 1326

صلاح المرأة لا يقف أثره عند ذاتها، بل يمتد إلى أسرتها ومحيطها؛ فبصلاحها وحسن إعدادها تكون قدوة في أخلاقها، ومربية واعية لأبنائها، وصانعة لجيل يحمل القيم والمبادئ، ويسهم بوعي وإيجابية في صلاح مجتمعه وبنائه.

لا تجعلوا المال سببا للخلاف

       المال من أكثر القضايا التي قد تثير الخلاف داخل الأسرة، غير أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في قلة المال أو كثرته، بقدر ما تكون في غياب الوضوح والتفاهم حول طريقة إدارته؛ فقد ينفق الزوج دون تخطيط، أو تطلب الزوجة دون معرفة حقيقة الدخل والالتزامات، أو تتراكم المصروفات والديون دون حوار مسبق. والأسرة الواعية لا تدير شؤونها المالية بالمحاسبة الدقيقة التي تحول العلاقة الزوجية إلى أرقام ومطالبات، وإنما بالتفاهم والمصارحة وترتيب الأولويات؛ فيعرف الزوجان حدود الدخل، وما يجب تقديمه من النفقات، وما يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه، ويتعاونان على تحقيق التوازن بين احتياجات الأسرة وإمكاناتها، وقد وضع القرآن قاعدة عظيمة في هذا الباب، فقال -تعالى-: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} (الطلاق: 7)؛ فالإنفاق مرتبط بالاستطاعة، ومراعاة القدرة المالية تحفظ استقرار الأسرة وكرامة أفرادها. فلا ينبغي أن يحمل الزوج فوق طاقته، كما لا يجوز أن يجعل ضيق ذات اليد مسوغا للتقصير في النفقة الواجبة. وحين تحضر القناعة، ويحسن التخطيط، وتسود المصارحة والتعاون، تضيق مساحة الخلاف، وتتسع مساحة الرضا، ويصبح المال وسيلة لاستقرار الأسرة لا سببا في اضطرابها.  

إكرام الضيف خلق الأنبياء

        إكرام الضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام، وهو خلق أصيل من أخلاق الأنبياء والصالحين؛ فقد ذكر الله -تعالى- عن إبراهيم عليه السلام أنه لما جاءه ضيوفه بادر إلى إكرامهم، فقال -سبحانه-: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} (الذاريات: 26-27)، فجمع في ضيافته بين المبادرة وحسن الاستقبال وتقديم ما تيسر من الطعام، وأكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الخلق وربطه بكمال الإيمان، فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»،  

المودة تصنع استقرار البيت

        حسن تبعل الزوجة لزوجها ليس كلمات تقال فحسب، وإنما يظهر في طيب المعاملة، وحفظ الحقوق، وحسن الاستقبال، والتقدير، ومراعاة ظروف الزوج، والحرص على استقرار البيت، ومن أعظم ما يحفظ المودة أن يشعر كل طرف أن جهده مقدر؛ فكلمة شكر، وابتسامة، وحسن استقبال، وتجاوز عن هفوة، قد يكون أثرها في النفس أكبر من كثير من الأمور المادية، وقد قال الله -تعالى- في وصف العلاقة الزوجية: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21)؛ فالحياة الزوجية لا تستقيم بالمطالبة بالحقوق وحدها، وإنما بالتراحم والتغاضي وبذل المعروف، وحسن تبعل الزوجة لا يعني إلغاء شخصيتها أو قبول الظلم والإهانة، وإنما يعني أداء الحقوق بالمعروف، وبناء العلاقة على الاحترام والمودة. وكما أن للزوج حقًا في حسن العشرة، فللزوجة كذلك حقها في الإكرام وحسن المعاملة؛ قال -تعالى-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: 19).  

تربية البنات على مراقبة الله عز وجل

       من الخطأ أن تختزل تربية البنت في مراقبة لباسها وخروجها وعلاقاتها فقط؛ فالتربية أوسع من ذلك بكثير، إنها بناء للإيمان والشخصية والعقل والحياء والثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار، والبنت تحتاج أن تعرف قيمة نفسها وكرامتها، وأن تنشأ على مراقبة الله قبل مراقبة الناس، كما تحتاج إلى القدوة؛ فاحترام الأب لأمها يعلمها معنى الحياة الزوجية السوية، واحتواء الأم لها يعلمها كيف تكون المرأة مصدر رحمة وأمان، وحين يجتمع في تربيتها الحب والحزم، والحوار والقدوة، والثقة والمتابعة، تنشأ - بإذن الله - أكثر قدرة على مواجهة المؤثرات والفتن، وأكثر وعيًا في اختياراتها وعلاقاتها ومستقبلها.

صاحبوا بناتكم وتفهموا مشاعرهن

        البنت لا تحتاج من والديها إلى الطعام والملبس والتعليم فحسب، بل تحتاج إلى قلب يسمعها، وبيت تشعر فيه بالأمان، وأب وأم تستطيع أن تتحدث معهما دون خوف أو سخرية أو توبيخ دائم، وكلما اقترب الوالدان من ابنتهما، وأحسنا الاستماع إليها، وفهما مشاعرها وتساؤلاتها، كانا أقدر على توجيهها وحمايتها، ولا سيما في مرحلة المراهقة وما يصاحبها من تغيرات وضغوط. وقد عظّم النبي - صلى الله عليه وسلم - شأن الإحسان إلى البنات، فقال: «من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار»، فلا تجعلوا علاقتكم ببناتكم قائمة على الأوامر والمحاسبة وحدها؛ صاحبوهن، استمعوا إليهن، وامدحوهن حين يحسنّ، واحتووا أخطاءهن، وعلموهن كيف يخترن الصواب؛ فالبنت التي تجد الأمان والحب والتقدير داخل بيتها تكون أقل حاجة إلى البحث عنها في المكان الخطأ.  

حافظي على أسرار بيتك

       الصحبة الصالحة نعمة، لكن من الخطأ أن تتحول الصاحبة إلى طرف وشريك دائم في تفاصيل الحياة الزوجية؛ تعرف كل خلاف، وتسمع كل شكوى، وتشارك في الحكم على كل موقف؛ فالبيوت لها أسرار، وبعض الخلافات العابرة قد تنتهي بين الزوجين سريعًا، بينما تبقى صورتها السلبية في ذهن من سمع تفاصيلها، والصديقة الحكيمة إذا استشيرت سعت إلى الإصلاح، ولم تؤجج الخلاف، ولم تدفع صديقتها إلى المقارنة بغيرها، ولم تجعل تجربتها الشخصية مقياسًا لكل البيوت؛ لذلك ينبغي للمرأة أن تختار من تستشير، وأن تفرق بين الحاجة إلى النصيحة وبين كشف أسرار بيتها؛ فحفظ خصوصية الحياة الزوجية من أسباب حفظ المودة والستر والاستقرار.  

إدارة ميزانية الأسرة

       إدارة ميزانية الأسرة ليست شأنًا ماليًا مجردًا، بل هي جزء من حسن التدبير وتحمل المسؤولية؛ فالبيت الذي يعرف موارده، ويرتب أولوياته، ويميز بين الضرورات والكماليات، يكون أبعد عن كثير من الضغوط والخلافات، وقد أرشد الإسلام إلى التوازن في الإنفاق، فقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (الفرقان: 67). فليس حسن التدبير في التضييق على الأسرة، كما أنه ليس في الاستجابة لكل رغبة دون حساب، ومن المهم أن يتفق الزوجان على الأولويات المالية، وأن تكون النفقات الأساسية مقدمة على الكماليات، مع تخصيص جزء للادخار والطوارئ متى أمكن؛ فالمصارحة والتخطيط يحولان المال من سبب للنزاع إلى وسيلة للاستقرار، والأسرة الواعية لا تقيس نجاحها بكثرة ما تشتري، وإنما بحسن ما تدبر؛ فليس الغنى في كثرة الاستهلاك، وإنما في البركة وحسن التصرف والقناعة بما قسم الله.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك