من القواعد الفقهية في العمل الخيري «الترك فعل» وأثره في حوكمة المؤسسات الخيرية والوقفية
- قاعدة «الترك فعل» تفتح بابا مهما في فقه المسؤولية الوقفية والخيرية إذ تنقل النظر من سؤال: ماذا فعل المسؤول؟ إلى سؤال أكثر شمولًا: ماذا كان ينبغي أن يفعل؟
- تسهم قاعدة «الترك فعل» في بناء حوكمة أكثر نضجا فخي لاتراقب فقط ما فعله المسؤول وإنما تسأل كذلك عما تركه وكان ينبغي عليه أن يفعله
- لا يقوم العمل الوقفي والخيري فقط على القرارات والأفعال الإيجابية بل يتأثر كذلك بالقرارات التي لم تتخذ والأصول التي لم تصن والمشروعات التي لم تراجع
- قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شأن ناظر الوقف أن تصرفه ليس مبنيا على مجرد الاختيار الشخصي وإنما على المصلحة الشرعية وفعل «الأصلح فالأصلح»
العمل الوقفي والخيري لا يقوم فقط على القرارات والأفعال الإيجابية، بل يتأثر كذلك بالقرارات التي لم تتخذ، والحقوق التي لم تحصل، والأصول التي لم تصن، والمشروعات التي لم تراجع، والمخاطر التي لم تعالج؛ ومن هنا تظهر أهمية النظر إلى «الترك» بوصفه سلوكا قد تترتب عليه آثار شرعية وإدارية ومالية، متى توافرت القدرة والمقتضي وانتفى المانع. وقد يقع الضرر في المؤسسات الوقفية والخيرية بسبب فعل محظور أو قرار خطأ، كما قد يقع بسبب عدم اتخاذ القرار المناسب، أو ترك إجراء كان ينبغي اتخاذه، أو السكوت عن خلل كان يجب معالجته، ومن هنا تبرز قاعدة «الترك فعل» بوصفها مدخلا مهما لبناء تصور فقهي لمسؤولية الناظر والمدير والعامل في المؤسسة الخيرية والوقفية؛ فوظيفة الإدارة لا تقتصر على الامتناع عن الخيانة أو الاعتداء، وإنما تشمل القيام بمقتضيات الولاية والأمانة، وتحقيق المصلحة، ودفع الضرر.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شأن ناظر الوقف أن تصرفه ليس مبنيا على مجرد الاختيار الشخصي، وإنما على المصلحة الشرعية، وأن عليه أن يفعل «الأصلح فالأصلح»، وأن تخييره إنما هو تخيير مصلحة لا تخيير شهوة.معنى قاعدة «الترك فعل»
ذكر العلامة الزركشي -رحمه الله- القاعدة بلفظ: «الترك فعل إذا قصد»، وهي قاعدة أصولية فقهية لها تطبيقات في التروك التي تقع من المكلف، كما تظهر أهميتها في مباحث الأصوليين المتعلقة بدلالة ترك النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الأفعال مع قدرته عليها وقيام المقتضي لها، والترك وإن كان في الظاهر حالة عدمية، فإنه قد يأخذ شرعا حكم الفعل؛ فيؤاخذ المكلف على الترك إذا خالف به الشرع، كما يؤجر عليه إذا كان موافقا له. والبحث هنا لا يتعلق بمجرد عدم وقوع الفعل، وإنما بكف المكلف نفسه عن فعل مقدور عليه مع تعلق القصد والاختيار به. فمن عجز عن الفعل لا يوصف تركه بأنه ترك اختياري يؤاخذ عليه، بخلاف من قدر عليه، وقام مقتضيه، وانتفى مانعه، ثم اختار الامتناع عنه.من أدلة القاعدة
قال تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون} (المائدة: 63)، ووجه الدلالة أن الله سمى ترك الربانيين والأحبار نهي قومهم «صنعا»، والصنع فعل، وقال سبحانه: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} (المائدة: 78-79)، فذمهم سبحانه على ترك التناهي عن المنكر. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» رواه البخاري، فسمى ترك إيذاء المسلمين إسلاما، وترك ما نهى الله عنه هجرة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وتارك المأمور إنما يعاقب على ترك يقوم بنفسه»، مبينا أن الامتناع عن المأمور مع القدرة عليه أمر يتعلق به التكليف والمؤاخذة.ضوابط تطبيق القاعدة
لا يصح تنزيل قاعدة «الترك فعل» على كل حالة من حالات عدم الفعل؛ وإنما ينبغي مراعاة جملة من الضوابط:- أولا: القدرة على الفعل: فلا مسؤولية عن ترك ما لا يقدر الإنسان عليه.
- ثانيا: قيام المقتضي: بأن يوجد سبب أو حاجة أو مصلحة معتبرة تستدعي التدخل.
- ثالثا: انتفاء المانع: فقد توجد المصلحة، لكن يمنع من تحقيقها مانع شرعي أو نظامي أو واقعي.
- رابعا: تحقق المصلحة أو رجحانها: فليس كل فعل محتمل المصلحة واجبا على الناظر؛ وإنما ينظر إلى المصلحة المعتبرة ومدى تحققها.
- خامسا: مراعاة شرط الواقف: فالأصل مراعاة شرطه ما لم يتضمن مخالفة شرعية، أو يتعذر تنفيذه، أو تقتضي المصلحة الشرعية خلافه وفق الضوابط المعتبرة.
- سادسا: عدم مساواة الترك بالمخالفة دائما: فقد يكون الترك هو التصرف الصحيح؛ لأن الفعل قد يكون مضرا أو غير مشروع.
تطبيقات في العمل الوقفي والخيري
تتعدد صور تطبيق هذه القاعدة في المؤسسات الوقفية والخيرية، ومن أبرزها:ترك استثمار الأصل الوقفي
قد يكون للوقف عقار أو أرض أو مال قابل للاستثمار، ثم يترك الأصل معطلا مدة طويلة دون سبب معتبر، مما يؤدي إلى تعطيل منفعته وحرمان المستحقين من ريعه، وقد قرر ابن تيمية أن الناظر «ليس له أن يفعل شيئا في أمر الوقف إلا بمقتضى المصلحة الشرعية»، وأن عليه أن يفعل «الأصلح فالأصلح». ومن ثم فإن بقاء الأصل القابل للتشغيل معطلا ينبغي أن يكون قائما على أسباب معتبرة ودراسة موثقة.ترك صيانة عين الوقف
إذا ظهرت على العقار الوقفي علامات التلف، أو احتاج إلى صيانة ضرورية، وكان تأخيرها يؤدي إلى زيادة الضرر، فإن ترك الصيانة مع القدرة عليها قد يصبح سببا في إتلاف المال الوقفي، ومن مقتضيات الحوكمة وجود سجل لصيانة الأصول، وجدول للفحص، ونظام للإبلاغ عن الأعطال ومعالجتها.ترك تحصيل حقوق الوقف
قد تكون للوقف إيرادات أو أجور مستحقة في ذمم المستأجرين، ثم تتأخر الإدارة في تحصيلها دون سبب معتبر، حتى تضيع الحقوق أو تتعقد إجراءات استردادها، ولهذا ينبغي أن تتضمن الحوكمة الوقفية سجلا للذمم ومواعيد واضحة للتحصيل؛ فالترك هنا ليس مجرد «عدم حركة»، وإنما تصرف إداري قد يترتب عليه أثر مالي.ترك حماية الأصول وتوثيقها
إذا تعرض أصل وقفي لتعد أو استيلاء أو نزاع على ملكيته، وكان الناظر قادرا على اتخاذ إجراءات الحماية، فإن ترك المتابعة قد يؤدي إلى فقدان الأصل أو نقص منفعته، ومن أخطر صور ذلك ترك الأوقاف دون توثيق وسجل شامل يبين موقع كل أصل ونوعه وحالته وإيراده ومستنداته وشرطه ووضعه القانوني، وما إذا كان مستثمرا أو معطلا؛ إذ قد يؤدي ذلك بمرور الزمن إلى ضياع الأصول أو نسيان حقوق المؤسسة فيها.ترك تنفيذ شرط الواقف
إذا نص الواقف على جهة معينة للوقف، ثم ترك الناظر تنفيذ الشرط مع القدرة عليه، فقد يكون ذلك إخلالا بمقصود الوقف. ومن هنا تظهر أهمية توثيق شروط الواقفين وربط كل أصل وقفي بالمصرف المحدد له.ترك الرقابة على أموال المؤسسة
ليس كل خلل مالي ناشئا عن سرقة أو اختلاس؛ فقد ينشأ بسبب غياب الرقابة، فإذا ظهرت مؤشرات تستوجب التحقيق والمراجعة، ثم ترك مجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية معالجتها، فقد يصبح الترك سببا في استمرار الخلل وتفاقمه، وهذا من أهم التطبيقات المعاصرة للقاعدة؛ لأن الحوكمة لا تقتصر على منع التصرفات الخاطئة، وإنما تعمل على اكتشاف مواطن الخلل ومعالجتها قبل تفاقمها.ترك الإغاثة عند الحاجة العاجلة
إذا كانت المؤسسة تملك مالا مخصصا للإغاثة، ووقعت كارثة أو حاجة عاجلة، وكانت قادرة على إيصال المساعدة، فإن تأخيرها دون سبب معتبر قد يؤدي إلى تفويت المقصود من المال، ولا سيما إذا انشغلت المؤسسة بأعمال أقل أهمية عن الحاجة العاجلة.ترك تطوير الوقف وقياس أثر المشروعات
قد يتغير الواقع الاقتصادي فيصبح الاستثمار القديم ضعيف العائد، بينما تتوافر وسائل مباحة لتحسين الأصل الوقفي. ولا يعني ذلك وجوب الدخول في كل استثمار جديد، وإنما يقتضي من الإدارة دراسة البدائل وتقييمها. وكذلك قد تنفق المؤسسة أموالا كبيرة على مشروع خيري سنوات طويلة دون قياس عدد المستفيدين، وجودة الخدمة، والتكلفة، ومدى استمرار الحاجة إليه؛ فيصبح ترك التقييم سببا محتملا لاستمرار الإنفاق في غير موضعه الأمثل. ومن هنا يصبح قياس الأثر جزءا من الأمانة الإدارية، لا مجرد أداة حديثة من أدوات الإدارة.أثر القاعدة في الحوكمة
تسهم قاعدة «الترك فعل» في توسيع مفهوم المسؤولية داخل المؤسسات الوقفية والخيرية؛ بحيث لا تقتصر الحوكمة على مراقبة القرارات التي اتخذها المسؤول، بل تشمل كذلك القرارات التي كان ينبغي اتخاذها ولم تتخذ، ومن هنا تبرز أهمية توثيق أسباب الترك؛ فإذا قرر مجلس الإدارة عدم الاستثمار، أو عدم الصيانة، أو عدم تنفيذ مشروع معين، فينبغي بيان أسباب ذلك، كما ينبغي أن تسجل محاضر الاجتماعات المسائل التي عرضت ولم يتخذ فيها قرار، وأسباب التأجيل. ومع ذلك، فإن المسؤولية عن الترك لا تثبت بمجرد عدم الفعل؛ وإنما تحتاج إلى تحقق القدرة، وقيام المقتضي، وانتفاء المانع، ووجود المصلحة أو الواجب بحسب الحال. فتعطيل أصل وقفي قابل للاستثمار، مثلا، قد يمثل تقصيرا إذا ترك دون سبب معتبر، وقد يكون الترك نفسه محققا للمصلحة إذا كانت مخاطر الاستثمار أرجح.فقه المسؤولية الوقفية والخيرية
إن قاعدة «الترك فعل» تفتح بابا مهما في فقه المسؤولية الوقفية والخيرية؛ إذ تنقل النظر من سؤال: ماذا فعل المسؤول؟ إلى سؤال أكثر شمولًا: ماذا كان ينبغي أن يفعل؟ وهل أدى تركه إلى تفويت مصلحة أو وقوع ضرر؟ وهذا مهم في المؤسسات الوقفية والخيرية؛ لأن الأموال التي تديرها ليست ملكا شخصيا للإدارة، وإنما أموال مخصصة لمقاصد شرعية وخيرية؛ ومن ثم فإن المحافظة عليها، وتنمية منافعها، وتنفيذ مقاصدها، من صميم مقتضيات الولاية والأمانة، غير أن القاعدة لا تعني أن كل ترك تقصير، ولا أن كل عدم فعل يوجب المسؤولية؛ وإنما العبرة بالقدرة، وقيام المقتضي، وانتفاء المانع، ودرجة المصلحة، ومقدار الضرر الناتج عن الترك، وبذلك تسهم قاعدة «الترك فعل» في بناء حوكمة أكثر نضجا؛ لا تراقب فقط ما فعله المسؤول، وإنما تسأل كذلك عما تركه، وكان ينبغي عليه أن يفعله.
لاتوجد تعليقات