رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 14 أكتوبر، 2026 0 تعليق

كلمة افتتاحية في المؤتمر العلمي الأول لرابطة خريجي الجامعات السعودية من السنغال .. أهمية السيرة النبوية في ترسيخ قيم المواطنة

  • المجتمع المتماسك يقوم على العدل وحفظ الحقوق والوفاء بالعهود والتعاون على المصالح المشروعة
  • بدأت السيرة النبوية ببناء الإنسان وإصلاح القلوب قبل بناء المؤسسات وتغيير المظاهر
  • حب الوطن ليس شعارات بل هو عمل وإتقان وإخلاص واحترام للنظام
  • المواطنة الصالحة في الإسلام منظومة من الحقوق والواجبات والمسؤوليات والأخلاق
  • المواطنة الصالحة لا تعني أن يعيش الإنسان لنفسه فقط وإنما تعني أن يشعر بآلام مجتمعه وأن يُسهم في معالجة مشكلاته
  • من أهم القيم التي يجب أن نستحضرها قيمة العلم فبه يُبنى الوعي ويُدفع الجهل ويستطيع الإنسان التمييز بين الحق والباطل والمصلحة والمفسدة
  • المسلم يعيش في وطنه مواطنًا صالحًا وفي الوقت نفسه يحمل رسالة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية فالرسول -[- بعثه الله رحمة للعالمين
  • المواطن الذي تصنعه المدرسة النبوية ليس سلبيا ينتظر ما يقدمه المجتمع بل شريكٌ فاعل يستشعر مسؤوليته في البناء والعطاء
  • الأسوة النبوية لا تقتصر على جانب من جوانب الحياة، وإنما تشمل علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بأسرته وجيرانه ومجتمعه، وأمته، والناس جميعًا
  • يحافظ المواطن الصالح على أمن وطنه واستقراره  ويحترم الأنظمة والقوانين   ويؤدي عمله بإخلاص وإتقان ويحافظ على المال العام والمرافق العامة ويحترم الآخرين مهما اختلفوا عنه
 

إن ربط السيرة النبوية الشريفة بـ قيم المواطنة يجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ لأن السيرة النبوية تمثل في حقيقتها وجوهرها مدرسة متكاملة في بناء الإنسان وتكوين المجتمع، وإقامة العدل، وترسيخ المسؤولية، وحفظ الحقوق، وتعزيز التعايش وصيانة الأمن والاستقرار، وإذا كانت المجتمعات المعاصرة في حاجة ماسة إلى منظومة من القيم التي تجعل المواطن عنصرَ بناءٍ واستقرار، فإن السيرة النبوية تقدم لنا نموذجًا فريدًا في تحويل القيم من مجرد شعارات ومبادئ نظرية، إلى واقع معاش وسلوك عملي ومؤسسات اجتماعية راسخة.

أولا: السيرة النبوية مدرسة في بناء الإنسان

  • إن أعظم ما يلفت النظر في السيرة النبوية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لم يبدأ ببناء المؤسسات قبل بناء الإنسان، ولم يبدأ بتغيير مظاهر المجتمع قبل إصلاح القلوب والعقول والسلوك؛ فقد كانت مهمته الأولى بناء الإنسان الذي يعرف ربه ويعرف واجبه، ويحمل الأمانة، ويؤدي الحقوق، ويشعر بالمسؤولية، ويترجم إيمانه إلى عمل صالح وسلوك مستقيم، قال الله -تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21).
فالأسوة النبوية لا تقتصر على جانب من جوانب الحياة، وإنما تشمل علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بأسرته وجيرانه ومجتمعه، وأمته، والناس جميعًا، ومن هنا فإن المواطنة الصالحة في المنظور الإسلامي ليست مجرد ارتباط قانوني بالأرض، وإنما هي منظومة من المسؤوليات والأخلاق والحقوق والواجبات؛ فالمواطن الصالح هو الذي يشعر أن وطنه أمانة، وأن أمنه مسؤولية، وأن مصالح الناس إنما هي جزء من مسؤوليته الأخلاقية. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، وهذا الحديث يؤسس لمبدأ عظيم من مبادئ المسؤولية الاجتماعية؛ إذ يجعل المسؤولية عامة، ولا يحصرها في الحاكم أو الموظف أو صاحب المنصب، بل يجعل كل فرد مسؤولا بحسب موقعه وقدرته، وهذا من أهم الأسس التي تقوم عليها المواطنة الإيجابية.

ثانيًا: حب الوطن والانتماء إليه في ضوء السيرة النبوية

        لقد قدمت السيرة النبوية نموذجًا بليغا في ارتباط الإنسان، بوطنه وحنينه إلى موطنه، واعتزازه بمكانه الذي نشأ فيه، وحين أُخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة، عبّر عن شدة تعلقه بها، فقال مخاطبًا إياها: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت»، وهذا الموقف النبوي يحمل دلالة عظيمة على أن محبة الإنسان لوطنه وأرضه وأهله أمر فطري لا يتعارض مع الإيمان، بل إن السيرة نفسها تعلمنا كيف يتحول هذا الشعور الفطري إلى مسؤولية عملية، فالوطن إنما هو فضاء يعيش فيه الناس، وتُؤدَّى فيه الحقوق، وتُصان فيه الأنفس والأموال والأعراض، ويشترك أبناؤه في مسؤولية المحافظة على أمنه واستقراره ورخائه، ومن هنا فإن حب الوطن لا ينبغي أن يبقى مجرد عاطفة أو كلمات تتردد في المناسبات، بل ينبغي أن يتحول إلى عمل وإتقان وإخلاص واحترام للقانون، وحفظ للمرافق العامة، وصيانة للمصلحة العامة، وإسهام في التنمية، وحرص على أمن المجتمع ووحدته، وهذا هو الحب الذي تحتاج إليه الأوطان.

ثالثًا: صحيفة المدينة وتأسيس مجتمع المواطنة

        ولعل من أبرز النماذج التي تقدمها السيرة النبوية في هذا المجال صحيفة المدينة، التي مثلت إطارًا لتنظيم العلاقات داخل مجتمع المدينة، بما اشتمل عليه من جماعات وفئات متعددة، فبعد الهجرة النبوية لم يكن المجتمع المدني مجتمعًا متجانسا من الناحية الدينية والاجتماعية، وإنما كان مجتمعًا متعدد المكونات، ومع ذلك استطاع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يؤسس إطارا يحفظ الحقوق، وينظم المسؤوليات، ويحقق التعاون في حماية المجتمع، وتتضمن صحيفة المدينة التاريخية ما يقارب 47 بنداً في كتب السير، وتنقسم بنودها إلى ثلاثة أقسام أساسية:

القسم الأول: البنود العامة وبناء الأمة

  • الأمة الواحدة: «إنهم أمة واحدة من دون الناس».
  • التكافل الاجتماعي: يدفعون الديات معًا، ويفدون أسراهم بالمعروف والقسط.
  • العدالة والوقوف ضد الظلم .
  • أمن الدولة: «ذمة المسلمين واحدة، يجير عليهم أدناهم».
  • تحريم قتل المؤمن: لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن.

القسم الثاني: البنود المتعلقة باليهود والتعايش السلمي

  • حرية الاعتقاد: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم إلا من ظلم وأثم».
  • الاستقلال المالي لليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، ولا يحمل طرف الديون والالتزامات الخاصة بالطرف الآخر إلا في حال الدفاع المشترك.
  • النصح والبر: أن بين أهل الصحيفة النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.

القسم الثالث: بنود الدفاع المشترك وإدارة الأزمات

الدفاع عن المدينة: إن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. حرمة المدينة»: إن يثرب حرام يمنع فيها الاقتتال الداخلي وتعتبر منطقة آمنة. المرجعية العليا للقيادة: وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله -عز وجل- وإلى رسوله  - صلى الله عليه وسلم -.
  • منع إجارة الأعداء: لا تجار قريش ولا من نصرها.
ومن هنا تظهر لنا قيمة مهمة وهي أن اختلاف الناس في المعتقدات أو الانتماءات لا يعني بالضرورة استحالة اجتماعهم على المصالح المشتركة ولا يمنع التعاون بينهم فيما يحقق أمن المجتمع واستقراره. إن المجتمع القوي ليس هو المجتمع الذي يخلو من الاختلاف وإنما هو المجتمع الذي يمتلك من القيم والنظم ما يجعله قادرًا على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع يهدم أواصر المجتمع. وهنا تتجلى قيمة المواطنة؛ إذ يشعر الإنسان بأنه عضو في مجتمع له حقوق وعليه واجبات، وأن عليه أن يحترم حقوق الآخرين وأن يتعاون معهم فيما يحقق الخير العام. إن السيرة النبوية تعلمنا أن بناء المجتمع لا يقوم على إلغاء الاختلاف، وإنما على العدل، وحفظ الحقوق والوفاء بالعهود والتعاون على المصالح المشروعة.

رابعًا: العدل أساس المواطنة

       ومن أعظم القيم التي رسختها السيرة النبوية قيمة العدل، فالعدل لا يعرف لونًا ولا عرفا ولا قبيلة، ولا يتغير بتغير الأشخاص والمصالح، وقد قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} (النحل: 90)، وقال -سبحانه-: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 8)؛ فالمواطنة الحقيقية لا تستقيم إلا إذا شعر أفراد المجتمع بأنهم متساوون أمام النظام، وأن حقوقهم مصونة، وأن واجباتهم واضحة، وأن معيار التعامل بينهم هو العدل. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نموذجًا في إقامة العدل، حتى قال في قضية المرأة المخزومية التي سرقت «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .  وهذا يقرر مبدأ عظيمًا، وهو أن العدل لا يكون انتقائيا، ولا ينبغي أن تتغير الأحكام بتغير المكانة الاجتماعية أو قوة النفوذ. إن من أخطر ما يهدد المجتمعات أن يشعر بعض الناس بأن القانون أو النظام يطبق على فئة دون أخرى، أو أن الحقوق تمنح بحسب القوة والنفوذ؛ ولهذا فإن استلهام السيرة النبوية في بناء المواطنة يعني ترسيخ ثقافة العدل والإنصاف، واحترام الحقوق، ومحاربة الظلم والفساد والمحسوبية.

خامسًا: الأمانة والإتقان وخدمة المجتمع

        ومن القيم النبوية التي تحتاج إليها المواطنة المعاصرة قيمة الأمانة، قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58)، والأمانة تشمل كل مسؤولية يتولاها الإنسان، فالمعلم أمين على طلابه، والطبيب أمين على مرضاه، والموظف أمين على وظيفته، والمسؤول أمين على ما اؤتمن عليه، والباحث أمين في علمه، والتاجر أمين في تجارته، وكل مواطن أمين على ما جعله الله تحت مسؤوليته. ومن هنا فإن إتقان العمل جزء من المواطنة، كما أن المحافظة على المال العام، واحترام الممتلكات العامة، والالتزام بالأنظمة، وعدم الإضرار بالآخرين، كلها صور عملية للأمانة، إننا بحاجة اليوم إلى الانتقال من مفهوم المواطنة باعتبارها حقوقًا يطالب بها الإنسان، إلى مفهوم أكثر توازناً يجعلها حقوقًا وواجبات ومسؤوليات.

سادسًا: الأُخوَّة والتراحم والتكافل الاجتماعي.

         ومن أبرز ما رسخه النبي في المجتمع قيمة الأخوة، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10)، وقال النبي «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد»، وقد ضربت السيرة النبوية أروع الأمثلة في التكافل، ومن ذلك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهي تجربة اجتماعية عظيمة في تحويل الأخوة من شعار إلى ممارسة، والمواطنة الصالحة لا تعني أن يعيش الإنسان لنفسه فقط، وإنما تعني أن يشعر بآلام مجتمعه، وأن يُسهم في معالجة مشكلاته وأن يمد يد العون للمحتاج وأن يحترم كبار السن، ويرعى الضعفاء ويهتم بالتعليم، ويشارك في الأعمال النافعة. إن المجتمعات لا تقوى بكثرة مواردها، وإنما تقوى بقدر ما يسود فيها من الثقة والتراحم والتعاون.

سابعًا: التعايش وإدارة التنوع

        ومن الدروس العظيمة في السيرة النبوية أنها تعلمنا كيف نتعامل مع مجتمع متنوع، والتنوع سنة من سنن الله في خلقه، قال -تعالى-: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 13)، فالاختلاف في الأصول والألسن والثقافات لا ينبغي أن يكون سببًا للعداوة، وإنما يمكن أن يكون مصدرًا للتعارف والتعاون والتكامل، وهذا المعنى له أهمية خاصة في مجتمعاتنا الإفريقية التي تتميز بالتعدد الثقافي واللغوي والاجتماعي، والسيرة النبوية تعلمنا أن التعامل مع هذا التنوع ينبغي أن يقوم على العدل، والرحمة، والوفاء، واحترام الإنسان وحفظ الحقوق والتعاون فيما ينفع المجتمع، إن المواطنة الرشيدة لا تعني ذوبان الخصوصيات الثقافية والدينية وإنما تعني أن تتحول هذه الخصوصيات إلى عناصر إثراء، لا إلى أسباب للنزاع والانقسام.

ثامنا: العلم والتعليم أساس المواطنة الواعية

        ومن أهم القيم التي ينبغي أن نستحضرها قيمة العلم، فأول كلمة نزلت من الوحي هي: {اقْرَأْ}، والعلم هو الذي يصنع الوعي، ويمنع الجهل ويكشف الشائعات، ويواجه التطرف والغلو، ويؤسس لعقل قادر على التمييز بين الحق والباطل وبين المصلحة والمفسدة، وإذا أردنا مواطنًا صالحًا، فعلينا أن نربي إنسانًا واعيًا، ومن هنا فإن الجامعات والمعاهد والمؤسسات العلمية، وإنما هي مؤسسات لبناء الإنسان، وصناعة الوعي، وتكوين النخب التي تستطيع أن تحمل مسؤولية المجتمع، وليست مجرد أماكن تمنح الشهادات. وهنا تتجلى رسالة رابطة خريجي الجامعات السعودية من السنغال؛ فهي في حقيقتها ليست تجمعاً لخريجين يحملون شهادات من جامعات عريقة وإنما يمكن أن تكون جسرًا علميًا وحضاريًا بين التجربة العلمية التي تلقاها الخريجون في الجامعات السعودية وبين حاجات المجتمع السنغالي والإفريقي.

تاسعا: المواطنة بين الانتماء الوطني والانتماء الإنساني

        إن المسلم يعيش في وطنه مواطنًا صالحًا، وفي الوقت نفسه يحمل رسالة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - بعثه الله رحمة للعالمين، قال -تعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107)، وهذا يجعل الانتماء الوطني جزءًا من دوائر الانتماء الإنساني، لا نقيضا له. فالمواطن الصالح يحب، وطنه ويخدم مجتمعه ويحترم مواطنيه وفي الوقت نفسه لا يتحول حبه لوطنه إلى ظلم للآخرين أو احتقار للشعوب الأخرى، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى»، إن هذه القاعدة النبوية العظيمة تؤسس لمجتمع تتجاوز فيه قيمة الإنسان حدود اللون والعرق واللسان.. وهذا من أعظم ما يمكن أن تقدمه السيرة النبوية لعالم اليوم.

عاشرًا: السيرة النبوية وصناعة المواطن المسؤول

         إن المواطن الذي نريد أن تصنعه المدرسة النبوية ليس مواطنًا سلبيًا ينتظر دائما أن تقدم له الدولة والمجتمع كل شيء، وإنما هو مواطن يشعر بأن عليه واجباً في البناء، إنه المواطن الذي: يحافظ على أمن وطنه واستقراره، ويحترم الأنظمة والقوانين، ويؤدي عمله بإخلاص وإتقان، ويحافظ على المال العام والمرافق العامة ويحترم الآخرين مهما اختلفوا عنه، ويسهم في خدمة مجتمعه، ويحافظ على البيئة والممتلكات ويواجه الفساد والغش والخيانة، ويحسن استخدام وسائل التواصل، ويتحرى الصدق قبل نشر الأخبار، ويربي أبناءه على المسؤولية والانضباط، ويسهم في التنمية العلمية والاقتصادية والاجتماعية، وهذه كلها معانٍ يمكن أن نجد لها جذورًا راسخة في الهدي النبوي.

حادي عشر: مسؤولية العلماء والدعاة في ترسيخ المواطنة

         إن الحديث عن المواطنة لا ينبغي أن يظل حديثًا إداريًا أو سياسيًا أو قانونيا فحسب، وإنما أن يكون موضوعًا تربويا ودعويًا وأخلاقيًا، ينبغي وهنا تظهر مسؤولية العلماء والدعاة، فالمنبر، والمدرسة والجامعة وحلقة العلم ووسائل الإعلام كلها ساحات لصناعة الوعي. وعلى العلماء أن يقدموا للناس فهما متوازناً للعلاقة بين الدين والمجتمع والوطن، وأن يبينوا أن حفظ الأمن، وأداء الأمانة والعدل والصدق والإحسان واحترام الحقوق، والتعاون على الخير ليست قيمًا هامشية، بل هي من صميم الأخلاق الإسلامية، كما ينبغي أن تقدم السيرة النبوية للشباب بلغة معاصرة لا على أنها مجموعة من الوقائع التاريخية التي تحفظ ثم تنسى، وإنما باعتبارها مصدرًا للهداية وبناء الشخصية وإدارة المجتمع.

السيرة النبوية.. منهج حياة

         إن السيرة النبوية أعظم من أن تكون صفحات في كتاب وأوسع من أن تكون مادة في مقرر دراسي، فضلا عن أن تكون ليلة يستحدث إحياؤها من سنة، إنها منهج حياة، وفيها نجد كيف يُبنى الإنسان، وكيف يؤسس المجتمع، وكيف تصان الحقوق، وكيف يقام العدل، وكيف تؤدى الأمانة، وكيف يحفظ الأمن، وكيف تدار الاختلافات، وكيف يتحول الإيمان إلى عمل، والأخلاق إلى سلوك، والقيم إلى واقع، ومن هنا فإن مسؤوليتنا اليوم تتجاوز الحديث عن السيرة النبوية إلى أن نستخرج منها القيم التي يحتاج إليها مجتمعنا، وأن نحولها إلى برامج تربوية وتعليمية ودعوية واجتماعية. إن الوطن يحتاج إلى المواطن الصادق والأمين والمتعلم والمنضبط، والمتعاون، والمحترم للآخرين، والمحب لوطنه والحريص على أمنه واستقراره وتنميته، وإذا كانت السيرة النبوية قد صنعت في المدينة مجتمعًا متماسكا، فإننا نستطيع أن نستفيد من هديها في بناء مجتمعات معاصرة يسودها العدل والأمن والتراحم، والتعاون والاحترام والمسؤولية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك