وقفات مع الحائية .. الوقفة الخامسة .. فضل الصحابة ومكانتهم في عقيدة أهل السُنَّة
- من سلامة الاعتقاد سلامة القلب واللسان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نحبهم ونترضى عنهم ونعرف لهم فضلهم وسابقتهم ونقتدي بما ثبت من هديهم
- محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والترضي عنهم ومعرفة فضلهم ليست قضية تاريخية وإنما هي جزء من الوفاء لهذا الدين وحملته
نواصل ما بدأناه من الوقوف مع أبيات «الحائية» المباركة للإمام أبي بكر عبدالله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني -رحمه الله-، ومع قوله:
وقل إن خير الناس بعد محمد وزيراه قِدما ثم عثمان الأرجح
ورابعـهـم خير البريــة بعدهــم عليٌّ حليف الخير بالخير منجح
وإنـهــم للـرهــط لا ريـب فيـهـــم على نجب الفردوس بالنور تسرح
ســــعيــد وسعـــد وابن عـــــــوف وطلحة وعامر فهر والزبير الممدح
وقل خير قول في الصحابة كلهم ولا تـــك طعــانــا تعــيب وتجــرح
فقد نطق الوحي المبين بفضلهم وفي الفتــح آي للصحابـــة تمـــدح
يبين الناظم في هذه الأبيات مكانة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقرر منهج أهل السُنَّة في محبتهم وتعظيم قدرهم، فيبدأ بالخلفاء الراشدين الأربعة، مبينا ترتيبهم في الفضل: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي -رضي الله عنهم- أجمعين، فقوله: »وزيراه قِدما «يقصد به أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-؛ وهما أفضل هذه الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم-. وقد جاءت النصوص والآثار الكثيرة الدالة على عظيم منزلتهما -رضي الله عنهما- ومن ذلك ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه لما وضع عمر -رضي الله عنه- على سريره بعد وفاته، جاء علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فترحم عليه، وقال: «ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك»، ثم ذكر أنه كان كثيرا ما يسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» متفق عليه. وهذا من الشواهد العظيمة على منزلة الشيخين أبي بكر وعمر، وعلى ما كان بين كبار الصحابة من المحبة، ثم إن الأفضل بعد أبي بكر وعمر هو عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم- جميعا. ومن الأدلة على تقديم الشيخين -رضي الله عنهما- ما رواه محمد بن الحنفية -رحمه الله-، قال: قلت لأبي -يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه-: أي الناس خير بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: «أبو بكر»، قلت: ثم من؟ قال: «ثم عمر»، وخشيت أن يقول عثمان، فقلت: ثم أنت؟ فقال: «ما أنا إلا رجل من المسلمين» رواه البخاري.العشرة المبشرون بالجنة
ثم ينتقل الناظم إلى بقية العشرة الذين شهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، بعد أن ذكر الخلفاء الأربعة، فيقول:وإنهم للرهط لا ريب فيهم
على نجب الفردوس بالنور تسرح
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة
وعامر فهر والزبير الممدح
والمقصود: سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، والزبير بن العوام -رضي الله عنهم-، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» رواه الترمذي. وهذه شهادة صريحة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء الصحابة بالجنة، وليست البشارة بالجنة مقصورة عليهم؛ فقد ثبتت البشارة لغيرهم من الصحابة بأعيانهم، وإنما اشتهر هؤلاء باسم «العشرة المبشرين بالجنة» لاجتماع أسمائهم في حديث واحد.الصحابة يتفاوتون في الفضل
والصحابة -رضي الله عنهم مع اشتراكهم في شرف الصحبة- ليسوا في الفضل على درجة واحدة؛ بل يتفاضلون بحسب ما خصهم الله به من السبق والإيمان والجهاد والنصرة والبذل، فأفضلهم الخلفاء الراشدون الأربعة، وأفضل الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي -رضي الله عنهم- ولأهل بدر فضل عظيم، وكذلك أهل بيعة الرضوان الذين قال الله -تعالى- فيهم: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} (الفتح: 18)، والأصل في باب الشهادة بالجنة أن من شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بعينه شهدنا له بذلك، وأما من لم يرد فيه نص خاص فنرجو للمحسنين من المؤمنين الخير، ولا نشهد لمعين بجنة أو نار إلا بدليل.القرآن ناطق بفضل الصحابة
ثم يقول الناظم:وقل خير قول في الصحابة كلهم
ولا تك طعانا تعيب وتجرح
فقد نطق الوحي المبين بفضلهم
وفي الفتح آي للصحابة تمدح
وهذا أصل جامع في موقف المسلم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يذكرهم إلا بخير، ويحبهم لما لهم من الإيمان والسبق والنصرة والصحبة، ويترضى عنهم، ويحفظ لهم منزلتهم التي أثنى الله ورسوله عليهم بها، وقد امتلأ القرآن بالثناء عليهم، ومن ذلك قوله -تعالى-: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} (الفتح: 29)، وقوله -سبحانه-: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ع0نهم ورضوا عنه} (التوبة: 100)، وأثنى -سبحانه- على المهاجرين بقوله: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} (الحشر: 8)، ثم أثنى على الأنصار فقال: {والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم} (الحشر: 9) ثم بين منهج من جاء بعدهم فقال: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (الحشر: 10)، فجمعت هذه الآيات الثناء على المهاجرين والأنصار، وبينت أن سبيل المؤمنين من بعدهم هو الدعاء لهم وسلامة الصدور تجاههم.الصحابة نقلة الدين
وتظهر منزلة الصحابة كذلك في أنهم الجيل الذي حمل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن والسُنَّة، وشاهد التنزيل، ونقل إلى الأمة أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وهديه، ومن هنا فإن الطعن العام في الصحابة والنيل من عدالتهم ليس أمرا هينا؛ لما يتضمنه من مخالفة للنصوص الكثيرة التي أثنت عليهم، ولما يفضي إليه من القدح في حملة الشريعة ونقلتها. وأهل السُنَّة يقررون عدالة الصحابة -رضي الله عنهم- من حيث الرواية والنقل، وهذه العدالة لا تعني أنهم معصومون من الخطأ والذنب؛ فالعصمة للأنبياء فيما عصمهم الله فيه، أما الصحابة فهم بشر، يقع من آحادهم الخطأ، لكن ذلك لا يسقط فضل الصحبة، ولا يبيح اتخاذ أخطائهم سبيلا إلى الطعن فيهم أو انتقاصهم.الكف عما شجر بينهم
ومن تمام منهج أهل السُنَّة الكف عما شجر بين الصحابة -رضي الله عنهم-، وعدم اتخاذ ما وقع بينهم من الفتن والقتال بابا للنيل منهم؛ فالقرآن أبقى وصف الإيمان والأخوة مع وقوع القتال، فقال -سبحانه-: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}، ثم قال: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} (الحجرات: 9-10)، فوصف الطائفتين بالإيمان مع وقوع الاقتتال، وأثبت لهما أخوة الإيمان؛ ولهذا يحفظ أهل السُنَّة ألسنتهم عما شجر بين أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويعتقدون أن لهم من السوابق والفضائل والحسنات ما ليس لمن جاء بعدهم، وأن ما وقع منهم ينظر إليه في ضوء ما قرره أهل العلم من الاجتهاد والتأويل، مع رد العلم بتفاصيل أحوالهم وسرائرهم إلى الله -تعالى-.محبة الصحابة من محبة الدين
وخلاصة هذه الأبيات أن محبة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والترضي عنهم ومعرفة فضلهم ليست قضية تاريخية، وإنما هي جزء من الوفاء لهذا الدين وحملته؛ فهم الذين آمنوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونصروه، وجاهدوا معه، وحملوا الوحي من بعده إلى الأمة؛ فأثنى الله عليهم في كتابه، وأثنى عليهم رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وحفظ لهم أهل السُنَّة هذا الفض, وهذا هو المنهج الذي يلخصه الناظم بقوله:وقل خير قول في الصحابة كلهم
ولا تك طعانا تعيب وتجرح
فمن سلامة الاعتقاد، سلامة القلب واللسان لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ نحبهم، ونترضى عنهم، ونعرف لهم فضلهم وسابقتهم، ونقتدي بما ثبت من هديهم، ونسأل الله أن يجعلنا ممن قال فيهم: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}.
لاتوجد تعليقات