شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: مَنْ ظَلمَ مِنْ الْأَرْضِ شِبْراً طُوِّقَ من سَبْعِ أَرَضِينَ
- كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحذِّرُ مِنَ الغَصْبِ أو الاستِيلاءِ على حَقِّ الآخَرينَ بغَيرِ وَجْهِ حَقٍّ
- في الحديث جواز الدُّعاء على الظالم بما ظلم فيه كما في قوله تعالى:{وجزاء سيئة سيئة مثلها}
عن عُرْوَةَ بن الزبير: أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئاً مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئاً؛ بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنْ الْأَرْضِ ظُلْماً؛ طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ». فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً؛ فَعَمِّ بَصَرَهَا، واقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا. قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ. (1610/139)، أخرجه مسلم في المساقاة (3/1230) باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها. وأخرجه البخاري في بدء الخلق (3198) باب: ما جاء في سبع أرضين.
عروة بن الزبير، هو ابن العوام يكنى أبا عبد الله القرشي، سمع أباه وأمّه أسماء، ومن عائشة وغيرهم من كبار الصحابة، روى عنه ابنه هشام، والزهري وغيرهما، ولد سنة اثنتين وعشرين وهو من كبار التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، بضم النون وفتح الفاء، العدوي، صحابي وهو أحد العَشرة المُبشّرة بالجنّة.قوله: «خاصمته أرْوى بنت أوس»
- أروى بفتح الهمزة والواو مقصوراً، قال صاحب جامع الأصول: لا أدري أكانت أرْوى صحابيّة أمْ تابعيّة، والحاصل أنّها رافعته في الخُصومة إلى مروان بن الحكم، وهو أبو عبد الملك القرشي الأموي جدّ عمر بن عبد العزيز، أمّرَه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف، فلم يزل بها حتّى وَلي عثمان فردّه إلى المدينة، وروى عن نفرٍ من الصحابة منهم: عثمان وعلي، وعنه عروة بن الزبير وعلي بن الحسين. وكأنّه كان والياً في المدينة، مات بدمشق سنة خمس وستين اهـ.
- قال: مروان: ماذا سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: أي: سعيد: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ أخذَ شِبْراً» أي: قَدر شِبْر، وأراد ولو شيئاً يَسيراً «من الأرض» أي: أرض أحد «ظُلماً» وتعدّياً.

قوله: «طوّقه»
- قوله: «طوّقه» بضم الطاء وكسر الواو المشدّدة، أي: طوَقَه الله كما في نسخة، واختلف في معنى: «طوقه» فقيل: معناه: كلّف أنْ يطيق حَمْله، كما قال -تعالى-: {ومَنْ يَغللْ يأتِ بما غَلّ يومَ القيامة} (آل عمران: 161). وقيلَ: مَعناه: يُطوَّقُ حَمْلَها يَومَ القيامةِ، ويَستَمِرُّ ذلك حتَّى يُفرَغَ مِنْ حِسابِ النَّاسِ، كما في رِوايةِ أحمَدَ.
- وقيل: أي جُعلَ ذلك الشّبْر منها طوقه، أي: جعلت في عنقه كالطّوق؛ كما قال -تعالى-: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} (آل عمران: 180). وهو ظاهر حديث عائشة -رضي الله عنها-: «طُوّقه مِنْ سَبع أرضين». وقيل: مَعناه: أنَّه يُخسَفُ به الأرضُ؛ فتَصيرُ البُقعةُ المَغصُوبةُ في عُنُقِه كالطَّوقِ.
- قوله: «إلى َسبع أرْضين» قال النووي: بفتح الراء، وإسكانها قليل. وفي الحديث: تصريح بأنّ الأرض سبع طباق، وهو موافق لقوله -تعالى-: {سَبْع سماواتٍ ومِنَ الأرْض مِثْلهن} (الطلاق: 12). ومَنْ قال المراد: بالسبع الأقاليم، فقد وهم، لأنّه لو كان كذلك، لمْ يُطوّق الظالم بشبر منْ كلّ إقليم بخلاف طباق الأرض، فإنّها تابعة لهذا الشبر. اهـ
قوله: «إلى َسبع أرْضين»
- فقوله: «إلى َسبع أرْضين» أي: في العدد؛ لأنّ الكيفيّة والصّفة مُخْتلفة، بالمشاهدة والأخبار، فتعيّن العدد، والله -تعالى- أعلم، وهذا وعيدٌ شديد، يفيد: أنّ أخذ شيءٍ من الأرض بغير حقّه؛ مِنْ أكبر الكبائر، على أي وجهٍ كان، مِنْ غَصْبٍ، أو سَرقة، أو خديعة، قليلاً كان أو كثيراً، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «شِبْراً» أو «وإنْ كان قيد شِبر».
- والحديث في رواية للبخاري: عن ابن عمر مرفوعاً: «مَنْ أخَذَ مِنَ الأرض شيئاً بغير حقّه، خُسِفَ به إلى يوم القيامة إلى سَبْع أرْضين». وفي رواية أحمد والطبراني: عن يعلى بن مرة مرفوعاً: «مَنْ أخذَ مِنَ الأرْض شَيئاً ظُلْماً، جاء يوم القيامة يحمل ترابها إلى المحشر». وفي رواية للطبراني والضياء: عن الحكم بن الحارث مرفوعاً: «مَنْ أخَذَ مِنْ طَريق المسلمين شيئاً؛ جاءَ يومَ القيامة يحمله من سبع أرضين»، وحسّنه الحافظ ابن حجر.
من فوائد الحديث
- أنَّ المالَ المُقتَطَعَ مِنَ المُسلِمِ بغَيرِ وَجْهِ حَقٍّ؛ لا يُبارَكُ فيه.
- كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُحذِّرُ مِنَ الغَصْبِ أو الاستِيلاءِ على حَقِّ الآخَرينَ بغَيرِ وَجْهِ حَقٍّ.
- جواز الدُّعاء على الظالم بما ظلم فيه، كما في قوله -تعالى-: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى: 40). وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} (البقرة: 194).
- فيجوز أن يدعو على الظالم: بأنْ يقول: اللهم خُذْ لي حقّي منه. اللهم افعل به ما فعل، وما أشبه ذلك، {ولمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذلك لمِنْ عَزْم الأمُور} (الشورى: 43).
- وفيه الحَذَر مِنْ دُعاء المَظلوم،؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه-: «اتّقِ دَعوةَ المَظْلوم، فإنّها ليسَ بيْنها وبَينَ اللهِ حِجَاب». رواه الترمذي.
لاتوجد تعليقات