رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ محمد السنين 14 أكتوبر، 2026 0 تعليق

الثقلاء .. خُلُق مذموم وسلوك مؤذٍ  (1-2)

  • الثقيل من يسبب الضيق للناس بحديثه أو تصرفاته أو حضوره دون مراعاة لأوقاتهم وظروفهم
  • ينبغي للمؤمن أن يكون هينًا لينًا يعرف للناس أحوالهم ويراعي أوقاتهم وظروفهم
  • من الخصال التي يستثقلها الناس: كثرة الزيارة وطول الجلوس والإكثار من الكلام والسؤال عما لا يعني ومقاطعة المتحدث والتفوه بما يترفع عنه أهل الدين والمروءة
 

من محاسن هذا الدين - وديننا كله محاسن - أنه يدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب في معاملة الناس؛ امتثالًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ»؛ فبالأخلاق الحسنة تجتمع القلوب، وتتآلف النفوس، وتتحقق المحبة والمودة بين الناس، وفي المقابل، حذرت الشريعة من مساوئ الأخلاق، ومن كل سلوك أو تصرف، قولي أو فعلي، يورث الضغينة والأحقاد، ويؤدي إلى النفرة والتفرق. وقد كثر الحديث عن مكارم الأخلاق وضرورة التحلي بها، وعن مساوئها ووجوب الحذر منها، غير أن ثمة خلقًا مذمومًا يحتاج إلى وقفة خاصة؛ لما يترتب عليه من أذى للناس وإثقال عليهم، وهو ما عبّر عنه العلماء والأدباء قديمًا بـ«الثقل»، ووصفوا أصحابه بـ«الثقلاء».

       وقد عانى الناس قديمًا من هذا الصنف، حتى كثر كلام العلماء والأدباء عنه، وأفرد بعضهم له مؤلفات مستقلة، تناولوا فيها صفات الثقلاء وأخبارهم، وحذروا من مسالكهم وآدابهم المذمومة، والمقصود من الحديث عن هذا الموضوع ليس التندر بالناس أو السخرية منهم، وإنما إصلاح النفوس وتهذيب السلوك، وأن يفتش كل واحد منا في نفسه؛ حتى لا يكون سببًا في أذى الآخرين أو إثقالًا عليهم من حيث لا يشعر.

أدب قرآني في مراعاة أحوال الآخرين

       ومن أوضح ما يستدل به في هذا الباب قول الله -تبارك و-تعالى--: {فإذا طعمتم فانتشروا}، فقد كان بعض الناس إذا جلسوا إلى الطعام عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفرغوا منه، استمروا في الجلوس والحديث، وكان ذلك يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو يستحيي منهم، فأنزل الله -تبارك وتعالى- هذه الآية، وأمرهم إذا فرغوا من الطعام أن ينتشروا، وقال الحسن البصري -رحمه الله-: نزلت هذه الآية في الثقلاء، وقال السدي: ذكر الله -تعالى- الثقلاء فيها. وهذا يبين أهمية أن يجتهد الإنسان في ألا يثقل على غيره؛ لأن الثقل أذى للإنسان ولمن حوله، والمؤمن ينبغي أن يكون هينًا لينًا، يعرف للناس أحوالهم، ويراعي أوقاتهم وظروفهم، وقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه كان إذا استثقل رجلًا قال: «اللهم اغفر لنا وله، وأرحنا منه»، وكان حماد بن سلمة إذا رأى من يستثقله قال: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}، وهذه الآثار، وإن كان فيها شيء من الطرافة، فإنها تكشف مقدار ما قد يسببه الإنسان لغيره من الضيق حين يغيب عنه فقه التعامل ومراعاة أحوال الناس.

الثقلاء في كتب العلماء والأدباء

        ولشدة حضور هذه الظاهرة في المجتمعات، أفرد لها العلماء والأدباء قديمًا مؤلفات وفصولًا خاصة؛ فمن ذلك كتابا «أخبار الثقلاء» و«ذم الثقلاء» لأبي بكر محمد بن خلف المرزبان، المتوفى سنة 309هـ، وله كذلك كتاب معروف في الوفاء بعنوان «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، وللسيوطي كتاب «إتحاف النبلاء بأخبار الثقلاء»، كما كتب محمد بن ناصر العبودي كتابًا بعنوان «الثقلاء»، ومن المؤلفات في هذا الباب أيضًا «أخبار الثقلاء والمستثقلين». وتناول عدد من كتب الأدب هذا الموضوع، ومن ذلك «عيون الأخبار» لابن قتيبة، و«العقد الفريد»، و«بهجة المجالس وأنس المجالس» لابن عبد البر، وغيرها من الكتب التي أفردت فصولًا للحديث عن الثقلاء وصفاتهم وأخبارهم، وهذا الاهتمام لا يراد منه مجرد جمع النوادر، وإنما يكشف عن جانب مهم من أخلاق المخالطة وآداب التعامل مع الناس.

من الثقيل؟

        الثقيل هو من يدخل القلق والضيق على الناس بطريقة حديثه أو تصرفاته أو حضوره؛ كمن يأتي إلى الناس في أوقات راحتهم ونومهم، أو يطيل الجلوس دون مراعاة ظروفهم، أو يفتح الأحاديث في أوقات لا تناسبها، أو يتدخل فيما لا يعنيه، أو يطرح أسئلة وموضوعات لا يرغب الآخرون في الحديث عنها، والثقلاء أشخاص لا يكاد يخلو منهم مجتمع أو مجلس أو موقع عمل؛ ومن أبرز ما يميزهم ضعف الإحساس بمشاعر الآخرين، وعدم إدراك مقدار ما يسببونه لهم من الحرج أو الأذى. ومن سماتهم: كثرة التطفل على الآخر، والتدخل في شؤون لا تعنيهم، وطول المقام والمكث، والإسهاب الممل في الحديث، وكثرة المزاح والسخرية والتندر، والسعي إلى السيطرة على المجالس العامة والخاصة، حتى قد يضيق المجلس الواسع بمن فيه إذا حضر أحدهم.

بين الثقيل وخفيف المجلس

       وقد وصف أهل الأدب الثقيل بأنه من يتبرم بمجالسته الفضلاء، ويتحاشى لقاءه ومحادثته النبلاء؛ لما فيه من البلادة والسخافة والجهل بمسالك الكياسة وحسن المعاملة، وضده خفيف المجلس، حسن الحديث، الذي يتشوق الناس إلى رؤيته، ويأنسون بمحادثته ولقائه؛ لأنه يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يحضر، ومتى ينصرف، ويراعي مشاعر الآخرين وظروفهم، فلا يحملهم ما لا يطيقون ولا يحرجهم بما يكرهون، ومن هنا فخفة الروح ليست بكثرة المزاح والضحك، كما قد يتصور بعض الناس، وإنما بحسن المعاشرة، ولطف التعامل، وفقه أحوال الناس.

لماذا يستثقل الناس بعض الأشخاص؟

       ذكر ابن حبان البستي في كتابه «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» كلامًا في الثقلاء وأسباب استثقال الناس لهم، ومن الأسباب التي ذكرها أبو حاتم: مقارفة المرء ما نهى الله عنه من الآثام؛ فيورثه ذلك بغض الله، ومن أبغضه الله أبغضته الملائكة، ثم يوضع له البغض في الأرض. والسبب الآخر: استعمال أخلاق يكرهها الناس وينزعجون منها، فيستثقلونه بسببها، وهي أخلاق قد لا يرد في بعضها نص خاص من الكتاب والسُنَّة، لكن أصحاب العقول السليمة تعارفوا على ذمها واستقباحها، وهنا يأتي باب «المروءة»، وهو من الأبواب المهمة في تهذيب السلوك؛ فالمروءة تشمل ما يمدح عرفًا عند أصحاب العقول السليمة، وخوارمها تشمل ما يذم عرفًا ويستنكر من التصرفات التي لا تليق بصاحب الأدب والمكانة.

سلوكيات تجعل الإنسان ثقيلًا

        من الخصال التي يعافها الناس ويستثقلون من اتصف بها: الإكثار من الزيارة، وطول الجلوس، وكثرة الكلام والفضول فيه، والسؤال عما لا يعني، ومقاطعة المتحدث، والتفوه بالساقط من الكلام الذي يترفع عنه أهل الدين والمروءة، ومن ذلك كذلك أن يُدعى الإنسان إلى وليمة أو مناسبة خاصة، فيأتي بشخص آخر لم يدعه صاحب الدعوة؛ فيحرج المضيف ويضعه في موقف لم يستعد له. وهذا الأمر يختلف باختلاف الأحوال والمناسبات؛ فالولائم العامة وصالات الأفراح ونحوها قد يتسع فيها الأمر، لكن الكلام هنا عن الدعوات الخاصة والعائلية، أو مناسبة لها ظروف معينة، أو لقاء بضيف جاء من بعيد، أو مجلس تدور فيه أحاديث خاصة، ففي مثل هذه الأحوال لا يليق بالمدعو أن يأتي معه بمن لم تتم دعوته دون استئذان صاحب الدعوة، وقد كان العلماء يعدون ذلك من خوارم المروءة ومن أفعال الثقلاء.

صاحب الدار أدرى بداره

       ومن الآداب التي ينبغي مراعاتها عند زيارة الناس أن يجلس الزائر حيث يطلب منه صاحب الدار؛ لأن صاحب المكان أدرى بمنزله وأحواله، وقد يكون لاختياره ذلك الموضع سبب لا يعلمه الزائر، وربما أراد صاحب البيت أن يحجب عن الزائر شيئًا خاصًا بأهل المنزل، أو يمنع وقوع نظره على ما لا ينبغي أن يراه؛ ولذلك لا يحسن بالضيف أن يعاند صاحب الدار أو يصر على الجلوس في مكان آخر، وقد قال بكر بن عبد الله المزني: «أحوج الناس إلى لطمتين: رجل قال له صاحب الدار: اجلس هاهنا، فقال: لا، بل هاهنا»، وهذا من الأدب الذي كان السلف يعتنون به؛ فصاحب الدار أعرف بداره، والضيف مأمور بمراعاة حرمة المكان وخصوصية أهله، ويتصل بذلك أدب الاستئذان؛ فمن السنة ألا يقف المستأذن أمام الباب مباشرة، وإنما يكون عن يمينه أو شماله؛ حتى لا يقع بصره عند فتح الباب على ما لا يحل له أو على ما يكره أهل البيت أن يراه، وقد حكي أن رجلًا ثقيلًا زار الإمام مالكًا -رحمه الله-، وكان عنده بطيخة فغطاها، فلما دخل الزائر قال له الإمام مالك: اجلس هاهنا، فأبى واختار مكانًا آخر، فإذا به يجلس على البطيخة حتى أفسدها، فقال مالك: «كنا أبصر بعوار منزلنا منك»، والمعنى واضح: صاحب البيت أدرى بمنزله، وما يطلبه من ضيفه قد يكون وراءه سبب لا يعرفه الضيف، فالأدب أن يراعي رغبته وألا يوقع نفسه أو صاحب البيت في الحرج.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك