رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 5 أكتوبر، 2026 0 تعليق

باختصار.. فقه الممكن والمتاح

من الإشكالات التي تواجه العمل الدعوي، أن ينشغل بعض العاملين بالمأمول فيزهدوا في المتاح، أو يركنوا إلى حدود الممكن؛ فتضيق تطلعاتهم وتضعف هممهم، وكلا المسلكين يُخِلّ بميزان الإصلاح؛ فالمأمول بلا عمل أمنيات، والمتاح بلا رؤية يحول دون بلوغ الغايات، ومن هنا، ينبغي استحضار عدد من المعاني المهمة لتصحيح الفهم وتقويم المسار.

  • أولًا: فقه الاستطاعة؛ من رحمة الشريعة أنها ربطت التكليف بالقدرة؛ قال -تعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»؛ فالعجز عن بلوغ الكمال لا يسقط واجب السعي إلى الممكن، وتعذر بعض الخير لا يسوغ ترك ما تيسر منه، وكما قيل : «ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه».
 
  • ثانيًا: الممكن ليس نقيض المأمول؛فالممكن هو الخطوة الأولى لبلوغ المأمول؛ والأهداف الكبيرة لا تتحقق دفعة واحدة، ومن أحسن توظيف الممكن، اقترب من الوصول للمأمول؛ والبدايات المتاحة، وإن بدت محدودة اليوم، قد تفتح الطريق لإنجازات أوسع وآفاق أبعد غدًا.
 
  • ثالثًا: فقه الأولويات؛ ميادين الخير ليست في مرتبة واحدة، ولا تتساوى المصالح في أثرها ومآلاتها؛ ومن الفقه توجيه الطاقات المحدودة إلى ما تعظم مصلحته وتشتد الحاجة إليه، وتقديم ما لا يحتمل التأخير على ما يسعه الانتظار؛ فالحكمة ليست في كثرة المشروعات، بل في حسن اختيارها وعمق أثرها.
 
  • رابعًا: اعتبار المآلات؛ فليس كل خير يُطلب بكل وسيلة؛ قد يكون المقصد مشروعًا، لكن تترتب على بعض وسائله مفسدة تربو على مصلحته؛ وهنا تظهر أهمية النظر في مآلات الأفعال قبل الإقدام عليها؛ فقد يكون تأخير بعض المصالح صيانةً لما هو أعظم منها، على ألا يتحول تقدير المآلات إلى ذريعة لتعطيل الواجبات أو تمييع الثوابت.
 
  • خامسًا: التدرج في الإصلاح؛ من سنن الإصلاح أن التغيير الحقيقي يحتاج إلى زمن، وأن بناء القناعات يسبق تغيير السلوك؛ وقد قالت عائشة -رضي الله عنها-: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام»؛ فالداعية الحصيف لا يستعجل قطف الثمار، ولا يقيس النجاح بسرعة الاستجابة وحدها، بل برسوخ الأثر واستدامته.
 
  • سادسًا: الواقعية لا تعني التنازل عن المبادئ؛ ينبغي التمييز بين مرونة الوسائل وثبات الأصول؛ فليس كل ما تسمح به الظروف مقبولًا لمجرد إمكان تحقيقه، كما أن تعذر بعض صور العمل لا يعني التخلي عن غاياته؛ فالحكمة توظيف المساحات المتاحة دون تفريط في أصل، أو تجاوز لحق، أو تسويغ لمحظور باسم المصلحة.
 
  • سابعًا: صناعة الممكن بدل الاكتفاء بانتظاره؛ لا يقتصر العمل الدعوي على استثمار الفرص القائمة، بل يتجاوز ذلك إلى توسيع دائرة الممكن بالتأهيل والتخطيط، وبناء الشراكات وتنمية الكفاءات؛ فكثير مما يبدو اليوم بعيد المنال قد يصبح غدًا متاحًا إذا أُحسن إعداد أسبابه؛ وشتان بين من ينتظر تحسن الظروف ليبدأ، ومن يبدأ بما يملك ليُسهم في تحسين الظروف.
وأخيرًا.. إن فقه العمل الدعوي يقوم على حسن الوصل بين المتاح والمأمول؛ فلا نحتقر قليل الخير لتعذر كثيره، ولا نرضى بالقليل مع القدرة على المزيد، والحكمة أن نعمل بما نستطيع، ونسعى إلى ما ينبغي، ونستعين بالله دائما فيما نقدر عليه أو نعجز عنه.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك