رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ 5 أكتوبر، 2026 0 تعليق

منارات في مسيرة طلب العلم (١) طالب العلم.. حقيقة الطريق وأصول البناء

  • طالب العلم لا يقاس بكثرة محفوظاته فحسب وإنما بصدق قصده وسلوكه الطريق الصحيح وطلبه العلم من مصادره وأهله
  • البناء العلمي المتكامل يقوم على ثلاثة مقامات: الرواية بحفظ العلم والدراية بفهمه وفقهه والرعاية بتحويله إلى عمل وسلوك وأخلاق
  • تحصيل العلم يحتاج إلى تكامل العقل والقلب والنفس فالعقل يفهم والقلب يتدبر والنفس تنشرح للحق وتتحرك للعمل
  • من أهم أسباب رسوخ طالب العلم أن يظفر بالكتاب النافع والعالم الناصح والصاحب المذاكر مع معرفة الدليل الصحيح وكيفية الانتفاع به
  • الرسوخ في العلم ثمرة منهج متكامل ومستمر تتراكم فيه المعرفة الصحيحة حتى تستقر حقائقها في القلب والعقل
 

طلب العلم يحتاج إلى بصيرةٍ بمناراته ومعالمه؛ حتى يسير الطالب على منهج صحيح، ويحفظ وقته وجهده، ويتجنب مزالق الطريق وعوائقه، وتأتي سلسلة «منارات في مسير طالب العلم» لتضيء أهم المعالم التربوية والمنهجية في هذه الرحلة؛ من الإخلاص والأدب والصبر والتدرج، إلى حسن التلقي والعمل بالعلم والثبات عليه؛ ليكون سير طالب العلم أكثر وعيًا ورسوخًا، وأقرب إلى تحقيق ثمرة العلم وغايته.

من طالب العلم؟

من الأسئلة المهمة التي يجب أن نتوقف عندها: متى يطلق على طالب العلم بأنه طالب للعلم على الحقيقة؟ ابتداء، لا بد من معرفة أن العلم في حقيقته هو ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والعلماء لما عرفوا العلم نظروا إلى حقيقته فقالوا: العلم إما أن يكون نقلا مصدقا، وإما أن يكون قولا عليه دليل محقق؛ فالعلم الشرعي معناه الاجتهاد في الوصول إلى الأدلة والحجج والحقائق، وبناء على ذلك، فكل من توفر فيه هذا القصد، بأن يكون قاصدا لرفع الجهل عن نفسه، والوصول إلى العلم بأدلته وحقائقه، ويجتهد في تحصيله من أبوابه المعهودة، فهو طالب للعلم، سواء كان طلبه كثيرا أم قليلا، وقد حدد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى وبينه فقال: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة».

ثلاث إشارات بديعة

في هذا الحديث ثلاث إشارات بديعة:
  • الأولى: قوله «من سلك»، وفيه إشارة إلى أن العلم سلوك وعمل.
  • الثانية: قوله «طريقا»، أي أنه اختار طريقا معهودا موصلا في الطلب.
  • الثالثة: قوله «يلتمس علما»، أي يرجو العلم الذي يتعبد به إلى الله -تعالى-، ويرفع به الجهل عن نفسه أو عن غيره.
فمن دخل في مسالك أهل العلم، واجتهد في تحصيل العلم من طرائقه المعروفة، فقد اجتمع لديه السلوك، وقصد الطريق، والغاية وهي التماس العلم؛ فلا يريد أن يتسلط على الناس أو يماريهم، وإنما يريد الوصول إلى العلم الشرعي. وقوله «يلتمس علما»، جاءت فيه لفظة «علما» نكرة في سياق الشرط فأفادت العموم؛ أي يلتمس علما كثيرا أو قليلا، ومن اتصف بهذه الصفات يصدق عليه أنه طالب علم، حتى لو لم يكن متوسعا في الطلب، ما دامت لديه إرادة وتحصيل وغاية. فطالب العلم هو من جعل العلم مسلكا له، واختار طريقا معهودا في الطلب، والتمس في سعيه الوقوف على أدلة العلم وحقائقه وحججه، مبتغيا رفع الجهل عن نفسه أو غيره، ولهذا قد تجد كبيرا في السن، أو شيخا كبيرا، أو امرأة عجوزا، عندهم هذه الإرادة والهمة، ويأخذون العلم من أهله ومصادره، فهؤلاء كلهم طلبة علم، وهم مثابون مأجورون على طلبهم، وفي المقابل، قد تجد رجلا تصدر للقراءة والبحث والتحصيل، ولا ينطبق عليه هذا الوصف؛ لأنه أخذ العلم من غير أهله، أو لم يلتزم بطرائقه، أو لم يلتمس العلم بحقائقه وأدلته، ولهذا قال كثير من العلماء: التقليد ليس بعلم؛ لأن طالبه لا يلتمس الدليل، وحقيقة العلم -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله-: «العلم ما قام عليه الدليل، والنافع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -».

من الحفظ إلى الفقه

طالب العلم على الحقيقة لا بد أن يمر بثلاثة مقامات حتى ينتفع بعلمه ويصل إلى مرحلة الفقه في الدين:
  • الأول: مقام الرواية: فلا بد أن يعتني بالرواية حفظا؛ فيحفظ النصوص والألفاظ والأدلة، ويكون حمله للعلم حفظا متقنا.
  • الثاني: مقام الدراية: ثم يجعل من حفظه وسيلة إلى فهم النصوص والوقوف على معانيها ومقاصدها وأحكامها.
  • الثالث: مقام الرعاية: ثم يرعى ذلك كله بالعمل والسمت الحسن، فيترجم علمه وحفظه إلى عمل وانقياد وسلوك وأخلاق.
وقد لا يتمكن طالب العلم من هذه المقامات الثلاثة على حد سواء؛ فبعضهم يكون متمكنا في الحفظ والرواية، لكنه ليس قويا في الدراية، وآخر يكون قويا في الفهم والاستنباط، ولا تكون حافظته بالقوة نفسها، لكن الذي لا يقبل الترك بحال هو الرعاية والسمت؛ فإذا لم تكن عنده رعاية لعلمه بالعمل، ولحاله بالتقوى، ولفكره بالاعتقاد الصحيح، ولجوارحه بالانقياد، لم ينتفع بعلمه. ولهذا نظر العلماء المتقدمون إلى الرواية على أنها وسيلة، وإلى الدراية على أنها شرط في حصول الغاية، وإلى الرعاية على أنها النهاية والمقصد الأسمى، فلا يصح أن يترك طالب العلم مقاما منها بالكلية؛ لأنه إن ترك الحفظ كانت وسيلته ضعيفة، وإن ترك الدراية لم يتمكن من الفقه والاستنباط، وإن ترك الرعاية صار العلم حجة عليه.

بناء ثلاثي للعلم

           البناء العلمي بناء ثلاثي آخر، يشترك فيه العقل والقلب والنفس؛ فتكون النفس منشرحة، والقلب متدبرا، والعقل ناضجا للفهم، فكل دليل أو نص أو معلومة تصل إلى طالب العلم تحتاج أن تمر على عقله فهما، وعلى قلبه تدبرا، وعلى نفسه انشراحا وقبولا. وقول العلماء: «العلم ما قام عليه الدليل» لا يعني أن نقرأ الأحاديث والآيات دون منهج، وإنما يعني أن العلم الذي يطلب لا بد أن يكون أصله صحيحا، ومصدره موثوقا، وطريقته صحيحة، والطريق الأول لوصول العلم إلينا هو السماع؛ فأسمع العلم وأنا متهيئ له، سواء كان سماعي دليلا أو فائدة، ثم ينتقل العلم إلى العقل فيكون تفكرا، وإلى القلب فيكون تدبرا، ثم تنشرح النفس وتتحرك للعمل.

الكتاب والعالم والصاحب

        وهناك ثلاثية أخرى لا ينبني العلم بناء صحيحا إلا بالظفر بها: الكتاب النافع، والعالم الناصح، والصاحب المذاكر؛ فالإنسان قد يقضي حياته مع كتب نفعها قليل، وقد يلتقي بالمنتسبين إلى العلم ولا يوفق إلى العالم الراسخ الناصح، وقد يجلس مع زملائه وأصحابه في مجالس العلم، لكن للمجادلة والمشاغبة لا للحوار والمذاكرة؛ فيضيع العلم ولا يظفر طالب العلم بشيء، فطالب العلم بحاجة إلى كتاب يهديه إلى العلم النافع، وعالم يرشده ويبصره، وصاحب يعينه على المذاكرة والتحصيل.

الدليل وطريق الانتفاع

ثم تأتي ثلاثية أخرى من أعظم ما ينبغي أن يعتني به طالب العلم.
  • أولها: الظفر بالدليل الهادي إلى الحق؛ فالطالب سيقرأ أدلة وأقوالا ونصوصا كثيرة، ويلتقي علماء، ويستمع إلى المواد العلمية ويحضر المجالس، والمهم أن يظفر من ذلك كله بالدليل الهادي إلى الحق.
  • وثانيها: الظفر بطريقة الانتفاع من الدليل؛ فقد يظفر الإنسان بالدليل، لكنه يحتاج إلى معرفة كيف ينتفع به، وكيف يقرأ الكتاب، وكيف يستفيد من العالم، وكيف يقوم المسألة؛ فالانتفاع انتفاع علمي وانتفاع تربوي.
  • وثالثها: الأخذ بأسباب رفع الموانع والعوائق التي تحول دون الانتفاع. وأعظم دليل هاد هو القرآن، لكن يبقى السؤال: كيف أنتفع بآياته وأحكامه وحقائقه؟ وكيف أرفع العوائق والموانع التي تحول دون هذا الانتفاع؟
ولهذا شرع الله الاستعاذة قبل القراءة؛ لأن من أعظم الموانع وساوس الشيطان، وتخيلات أهل الباطل، والتأويلات الفاسدة، فلا بد من الاستعاذة والتوكل على الله -تعالى-، فإذا دخل العلم بحقائقه وأدلته إلى العقل والقلب والنفس، وظفر طالب العلم بدليله الهادي، وعرف طريقة الانتفاع منه، ورفع الموانع التي تحول دون ذلك، وداوم على هذا الحال؛ كان ذلك طريقا إلى الرسوخ في العلم. والرسوخ معناه الاستقرار والثبات؛ أي أن يتشبع طالب العلم بالأدلة وحقائقها حتى تستقر المعاني في قلبه من غير عوائق ولا موانع ولا حجب، هكذا يبدأ بناء العلم بالرواية، ثم الدراية، ثم الرعاية، ويأتي السماع والنظر والتعقل والتدبر، ثم الظفر بالدليل الهادي وطريقة الانتفاع به، ورفع الموانع والحواجب. وكل ذلك يجعل العلم راسخا في القلوب والعقول، ولا سيما إذا كان مصدره آية قرآنية، أو حديثا نبويا، أو أثرا سلفيا.

من الرسوخ إلى الخشية

       إذا كان هذا العلم محمولا بالخشية والتواضع، كما قال -تعالى-: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، وكان صاحبه يتأمل في الأمثال القرآنية والوقائع الكونية: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}؛ ظهر أثر العلم في صاحبه، فإذا دخل العلم في النفس بهذا المعنى صار عظيما ثقيلا، وأدرك المتعلم أنه يحمل شيئا عظيما؛ فيتواضع قوله ولسانه وجوارحه، ويبتعد عن الاغترار بنفسه، ويكون من قوله: «لا أدري»؛ لأنه أدرك قدر العلم وعظم المسؤولية، وعندئذ يكون مؤثرا في مجتمعه، عاملا بعلمه ودعوته، مؤديا لحقوقه، مؤثرا في أهله وأصحابه. وإذا تكلم كانت كلمته مؤثرة؛ لأنها خرجت من بناء رصين، وليست زخارف أو كلمات جوفاء أو شعارات وأمنيات، وإنما علم وحقائق ويقين راسخ في القلب، وكلما ازداد المؤمن ابتلاء ازداد يقينا، قال الله -تعالى-: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. وهكذا ينبني طالب العلم بناء محكما؛ علم مؤصل بالدليل، وفهم يثمر فقها، ورعاية تثمر عملا وخلقا، وخشية تظهر في السمت والتواضع. فليس المقصود أن يحمل طالب العلم المعلومات فحسب، وإنما أن يحمل العلم حتى يستقر في عقله وقلبه ونفسه، ثم يظهر أثره في عمله وسلوكه ودعوته.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك