رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عمرو علي 26 أغسطس، 2026 0 تعليق

كبار السِنّ في الإسلام ..كرامة مصونة وخبرة لا يُـستغنى عنها

  • الشيخوخة في الإسلام مرحلة لها خصائصها وحقوقها ولا يفقد الإنسان فيها قيمته
  • من هدي الإسلام توقير الشيب وإحاطته بالرحمة لا العزلة والتهميش
  • تُقاس الحضارات بإعداد شبابها وحفظ كرامة كبارها
  • من البر إتاحة المجال للكبير للحديث والمشاركة وحسن الاستماع له والصبر عليه
  • نحتاج إلى خطاب إعلامي يبرز عطاء كبار السن ويعزز الوعي بحقوقهم واحتياجاتهم
  • راعت السنّة المطهرة أحوال الضعفاء وكبار السن فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفّف»
  • توثيق تجارب كِبار السّن ونقل خبراتهم للأجيال يحوّل سنوات العمر إلى رصيد معرفي للمجتمع
 

الشيخوخة في التصور الإسلامي ليست مرحلة يفقد فيها الإنسان قيمته، وإنما طور من أطوار الحياة له خصائصه واحتياجاته وحقوقه، قال -تعالى-: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} (الروم: 54)، إنها دورة الحياة التي يمر بها الجميع؛ ولذلك فإن إحسان المجتمع إلى كِبار السنّ ليس فضلًا يمنحه لهم، وإنما هو أداء لحق، ووفاء لجيل سبق وبذل وربّى وعلّم وبنى.

توقير تعبدي لا مجاملة اجتماعية

        رفع الإسلام من منزلة كبار السن، وربط احترامهم بتعظيم شعائر الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا»، ومن أبلغ الشواهد العملية على تقديم الكبير ما وقع عندما أراد عبدالرحمن بن سهل أن يتكلم وكان أصغر القوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كبِّر، كبِّر»؛ أي ليبدأ الأكبر سنًا بالكلام، وهذا هو الشاهد في هذا الحديث، كبّر كبّر، يعني: ابدأ بالأكبر، يعني: ينبغي أن يتقدم الأكبر سنًّا فيتكلم، لا يتقدم الصغير على الكبير فيتحدث بين يديه، فهذا تعليم للأدب بين يدي من هم أكبر منا سنًّا، ألا يجلس الفتى في المجلس أو في صدر المجلس يتحدث ويملأ المجلس حديثاً، ويوجد من كبار السن في هذا المجلس، أو من هم أكبر منه، وهذا التقديم لا يعني إلغاء دور الشباب، وإنما يؤسس لأدب اجتماعي رفيع يقوم على احترام السن والتجربة والمكانة، ويمنع أن تتحول سرعة العصر وتغير أدواته إلى سبب لتهميش من تقدمت بهم السن.

قمة الوفاء والإحسان

         تتجلى عناية الإسلام بكبار السن في أعظم صورها عندما يكون الكبير أبًا أو أمًّا، يقول الله -تعالى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء)، لا تقُل لوالديك أدنى كلمةٍ يمكن أن تغضبَهما، ولا تسكُت بين أيديهما إن كان سكوتُك لا يُرضيهما، قال ابنُ عَقيل: «مِنْ أحسَنِ ظنِّي بربِّي أنه بلغَ من لطفه أن وصَّى بي ولدِي إذا كبِرتُ، فقال: {فلا تقُل لهما أُفٍّ}»، وتأمل قوله -تعالى-: {عِندَكَ الْكِبَرَ}؛ فالقرآن لا يتحدث عن رعاية بعيدة أو واجب مادي مجرد، وإنما عن قرب ومصاحبة ورحمة وصبر وحسن خطاب.

احتياجات تتجاوز الدواء والغذاء

        لكبار السن احتياجات صحية ومادية مهمة، لكنهم يحتاجون كذلك إلى الأمان النفسي، والشعور بالقيمة، والأُنس والاحترام، وإشراكهم في حياة الأسرة والمجتمع، ومن الخطأ اتخاذ القرارات المتعلقة بهم دون استشارتهم، أو تجاهلهم، أو السخرية من بطئهم، أو الضيق بتكرار حديثهم وأسئلتهم؛ فالكلمة الطيبة، والزيارة، والاستماع إليهم، وطلب رأيهم، وإشعارهم بأهمية وجودهم، صور من الرعاية النفسية لا تقل أهمية عن الرعاية المادية.

الكبير دوره لا ينتهي

        من أخطر ما يشعر به كبير السن أن المجتمع لم يعد بحاجة إليه؛ فالتقاعد من الوظيفة لا يعني التقاعد من الحياة والعطاء، وكبار السن يملكون رصيدًا ثمينًا من الخبرات والتجارب، والمجتمع الواعي يستثمر هذه الثروة بفتح مجالات تناسب قدراتهم؛ كالاستشارة والتوجيه والتدريب والعمل التطوعي، ونقل الخبرات والمهارات إلى الأجيال الجديدة.

التقاء خبرة الكبار بطاقة الشباب

         المطلوب ليس منافسة بين جيلين، بل الجمع بين طاقة الشباب وخبرة الكبار؛ من خلال برامج تربط الشباب بأصحاب الخبرات المتقاعدين للاستفادة من تجاربهم المهنية والحياتية، مع توثيق شهاداتهم وذكرياتهم بالصوت والصورة، وتحويلها إلى أرشيف معرفي واجتماعي يحفظ ذاكرة المجتمع، فلا ترحل الخبرات برحيل أصحابها.

المسجد ملجأ إيماني واجتماعي

        للمسجد دور يتجاوز أداء الصلاة، فهو موطن للعبادة والعلم والتواصل والتكافل، وكبار السن من أكثر الفئات حاجة إلى أن يظل المسجد قريبًا منهم، وقد راعت السنة أحوال الضعفاء وكبار السن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن إمامة الناس: «إذا صلّى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير». وهذه قاعدة عظيمة في مراعاة أحوال الناس، ويمكن للمساجد والمراكز الإسلامية أن تسهم من خلال دروس تناسب كبار السن، وبرامج للزيارة والتواصل، ومبادرات اجتماعية، وتعليم القرآن، وإشراك القادرين منهم في توجيه الشباب ونقل تجاربهم، مع تهيئة مرافق المسجد بما يراعي احتياجاتهم.

مسؤولية وسائل الإعلام

        تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية كبيرة في تشكيل نظرة المجتمع إلى كِبار السن، فالإعلام يستطيع أن يعزز قيم الوفاء والبر والتوقير، كما يستطيع -بقصد أو بغير قصد- أن يقدم الشيخوخة بصورة ساخرة أو مرتبطة دائمًا بالعجز والنسيان وعدم القدرة على مواكبة العصر. والمطلوب خطاب إعلامي مسؤول يعيد الاعتبار لهذه المرحلة، ويبرز النماذج المضيئة لكبار السن الذين ما زالوا يعطون وينتجون، وينشر الوعي بحقوقهم واحتياجاتهم، ويواجه صور الإساءة والإهمال والتنمر المرتبط بالعمر، كما إن المقابلات والبرامج الوثائقية مع كبار السن يمكن أن تتحول إلى وسيلة ثمينة لحفظ التاريخ الشفهي والخبرات المهنية والاجتماعية والوطنية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

كِبار السّن ووسائل التواصل

         لا يصح النظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها شرًا محضًا لكبار السن؛ فقد تكون نافذة نافعة تخرجهم من العزلة، وتقربهم من الأبناء والأحفاد والأصدقاء، وتتيح لهم متابعة البرامج النافعة وتعلم مهارات جديدة، بل وتمكّن بعضهم من مشاركة خبراته مع آلاف المتابعين. لكن الجانب الآخر يحتاج إلى انتباه؛ فضعف المعرفة الرقمية لدى بعض كبار السن قد يجعلهم أكثر عرضة للرسائل الاحتيالية، والأخبار الكاذبة، والمعلومات الطبية غير الموثوقة، والمحتوى المضلل، وهنا تبرز مسؤولية الأسرة والإعلام والمؤسسات في تعزيز الثقافة الرقمية الآمنة لديهم، وتعليمهم بأسلوب يحفظ كرامتهم ولا يشعرهم بالعجز.

العزلة عدو خفي

       قد يعيش كبير السن وسط أسرته، لكنه يعاني الوحدة؛ يجتمع الأبناء والأحفاد، وكل منهم منشغل بهاتفه، بينما يبقى الجد أو الجدة على هامش المجلس؛ ولذلك فإن من صُور البِرّ المعاصرة أن نعيد إلى مجالسنا ثقافة الحديث والاستماع، وأن نتيح للكبير أن يروي ويشارك ويتفاعل، وأن نصبر على ما قد يتكرر من حديثه؛ فالإنسان في هذه المرحلة يحتاج إلى من يشعره بأنه مسموع، ومحبوب، ومطلوب، وليس مجرد شخص تُلبّى احتياجاته المادية.

مجتمع يحفظ ذاكرته

        إن كبار السن ليسوا صفحة طواها الزمن، وإنما هم ذاكرة المجتمع الحية، لديهم قصص البدايات، وتحولات الحياة، وتجارب المهن، وخبرات التربية والأسرة، ومواقف الأزمات، ودروس النجاح والفشل، وكلما ضعفت الصِلة بين الأجيال فقد المجتمع جزءًا من ذاكرته، لذلك فإن إنشاء مبادرات لتوثيق تجاربهم، واستضافتهم في المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والإعلامية، وإقامة برامج «الخبرة بين الأجيال»، يمكن أن يحول سنوات العمر الطويلة إلى رصيد معرفي يستفيد منه المجتمع.

حين يصبح الشيب رسالة

         قال الله -تعالى- عن زكريا -عليه السلام-: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} (مريم: 4)، إنها مرحلة تذكّر الإنسان بحقيقة الدنيا، لكنها في الوقت نفسه قد تكون مرحلة نضج وحكمة وعبادة وقرب من الله -تعالى-، ولهذا كان من معاني التكريم الإسلامي للكبير أن يحفظ له المجتمع منزلته، وألا يحاسبه بمنطق القوة الجسدية والإنتاج المادي وحدهما.

كبارنا.. حق ووفاء ومستقبل

        إن الحضارات لا تُقاس فقط بإعدادها للشباب، بل كذلك بحفظ كرامة كبار السن وتوقيرهم، وقد سبق الإسلام إلى ترسيخ هذا المعنى؛ فجعل توقير الكبير من أخلاق المجتمع المسلم، وربط برّ الوالدين بالتوحيد، وأَمَر بخفض جَناح الرحمة لهما، وراعى الكبير حتى في العبادات الجماعية، ومن هنا ينبغي أن تنتقل رعاية كبار السن من مجرد «خدمتهم» إلى «إكرامهم وإشراكهم» واستثمار خبراتهم؛ فلا نسأل فقط: ماذا يحتاجون منا؟ بل ماذا يمكن أن يقدموا لنا؟ فتجاربهم قد تختصر على الأجيال سنوات من الخطأ والتجربة، ومن الوفاء أن نحفظ قدرهم، ومن الحكمة أن نستثمر خبراتهم، ومن التربية أن نعلّم أبناءنا توقيرهم، ليظل الشيب في مجتمعنا موضع إجلال ورحمة، لا عزلة وتهميش.

مسؤولية مشتركة..

        قضية كبار السن ليست مسؤولية الأبناء وحدهم، ولا وزارة أو مؤسسة بعينها؛ بل هي مسؤولية تشترك فيها الأسرة والمسجد والإعلام والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية والصحية والثقافية؛ فالأسرة تمنح الدفء والأُنس، والمسجد يعزز الجانب الإيماني والاجتماعي، والإعلام يصنع الوعي والصورة الذهنية، والمؤسسات توفر الرعاية والخدمات، والشباب يبنون جسور التواصل بين الأجيال، وكلما تكاملت هذه الأدوار شعر الكبير بأنه جزء أصيل من المجتمع لا يعيش على هامشه.    

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك