الأسرة المسلمة 1320
الحياة الزوجية تحتاج إلى حكمة وتنازل يحفظان المودة؛ فقد تتنازل الزوجة عن رأي، أو يتراجع الزوج عن قرار إذا ظهر له صواب رأيها، دون انتقاص من قوامته أو كرامتها؛ والانتصار الحقيقي أن يبقى البيت سالمًا.
القوامة مسؤولية وتكليف
حين قال الله -تعالى-: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: 34)، لم يجعل القوامة بابًا للاستعلاء، وإنما حمّل الرجل مسؤولية الرعاية والنفقة والحماية والتدبير؛ فالقوامة تكليف قبل أن تكون صلاحية، ومسؤولية قبل أن تكون حقا، والرجل القوّام ليس من يكثر الأوامر، وإنما من يكثر العطاء، ويحسن التدبير، ويتحمل المسؤولية، ويستشير زوجته، ويحفظ كرامتها، ويكون لها ولأبنائه موضع أمن وسكينة.
وحين تتحول القوامة إلى تحكم وإهانة وإلغاء لشخصية المرأة، فإنها تبتعد عن مقصدها الشرعي؛ فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم - أكمل الناس رجولة وقوامة، ومع ذلك قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». وطاعة الزوجة لزوجها في المعروف ليست ضعفًا ولا انتقاصًا من قدرها، بل هي جزء من النظام الذي يحفظ للأسرة استقرارها، كما إن على الزوج حقوقًا وواجبات عظيمة تجاه زوجته، والزوجة الواعية لا تجعل كل توجيه من زوجها معركة لإثبات الذات، ولا ترى التفاهم والتنازل ضعفًا؛ لأنها تدرك أن الحياة الزوجية ليست ساحة تنافس، وإنما ميثاق يقوم على المودة والرحمة، وفي المقابل، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا تمنح القوامة الزوج حق الظلم أو الإهانة أو الإضرار.الأسرة الراشدة
الأسرة الراشدة ليست بيتًا بلا خلاف، بل بيتٌ يعرف أهله كيف يديرون الخلاف بحكمة، ويحفظون الحقوق بمودة، ويؤدون الواجبات برضا ومسؤولية، فيها قوامةٌ تقوم على الرعاية لا التسلط، وطاعةٌ في المعروف لا تلغي شخصية المرأة، وتربيةٌ تجمع بين الحزم والرحمة، وحين يكون شرع الله مرجعها، والحوار منهجها، والتغافل عن الزلات خُلُقها، تصبح الأسرة أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة تحديات الحياة؛ فالبيوت لا تستقيم بكثرة الأوامر، وإنما بالوعي والعدل والرحمة وحسن العشرة.بيت على هدي النبوة
البيت الذي يسير على هدي النبوة بيت يقوم على عبادة الله، وتسوده المودة والرحمة، ويعرف فيه كل فرد واجبه قبل أن يطالب بحقه، وقد قدّم النبي -صلى الله عليه وسلم - نموذجًا متوازنًا للحياة الأسرية؛ فقوامته رعاية ومسؤولية لا تسلط، ورحمته لم تمنع الحزم والتوجيه، وحسن عشرته لم يكن كلمات تُقال، بل سلوكًا يُعاش؛ فكان -صلى الله عليه وسلم - في مهنة أهله، يستمع ويحاور، ويراعي المشاعر، ويصبر على ما يقع في الحياة الزوجية، ويقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، لذلك فإن صدق الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم - يظهر أول ما يظهر داخل البيت: في أخلاقنا عند الغضب، وطريقتنا في إدارة الخلاف، وعدلنا في أداء الحقوق، وقدوتنا في تربية الأبناء، وقدرتنا على العفو والتغافل، وما أحوج بيوتنا اليوم إلى هذا الهدي! فالأسرة لا تصلح بكثرة الأوامر والمطالبات، بل بإيمان يهذب النفوس، وقدوة تسبق النصيحة، وعدل يحفظ الحقوق، ورحمة تستوعب التقصير؛ فإذا أصبح هدي النبوة أسلوب حياة داخل البيت، نشأت أسرة مستقرة تصنع أجيالًا صالحة، ومنها يبدأ صلاح المجتمع.القوامة ليست إعفاءً لمسؤولية المرأة
كما أن القوامة لا تعني تسلط الرجل، فإنها لا تعني أن تتخلى المرأة عن مسؤولياتها وتلقي أعباء البيت والتربية كلها على الزوج، قال -صلى الله عليه وسلم -: «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»؛ فالأسرة مسؤولية مشتركة، ولكل طرف مجال من الرعاية والتكليف، وحين يفهم الزوجان أدوارهما بوصفها أمانة لا ميدانًا للمنافسة يصبح البيت أكثر استقرارًا.
تجنبوا هذه الكلمات
الكلمة داخل الأسرة إما أن تبني الأمان أو تهدمه؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الكلمة الطيبة صدقة»، فاختاروا كلماتكم، ولا تجعلوا لحظة غضب تهدم رصيدًا من المودة بُني في سنوات؛ واحذروا في بيوتكم كلمات الإهانة والتحقير والمقارنة والتهديد، مثل: «أنت لا تفهم»، «لا فائدة منك»، «غيرك أفضل منك»، «أنت دائمًا هكذا»، «ندمت على الزواج منك»، واحذروا أن تتحول أخطاء الماضي إلى سلاح يُستدعى عند كل خلاف، أو أن يُهان أحد الزوجين أمام الأبناء، أو يُدعى عليهم عند الغضب!الزوجة ليست خصمًا
من أخطر ما تصنعه بعض الخطابات المعاصرة أن تقدم العلاقة بين الزوجين وكأنها صراع على النفوذ: من ينتصر؟ ومن يفرض إرادته؟ أما التصور الإسلامي فيقيم الأسرة على معنى مختلف: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21)، فالزوج ليس منافسًا لزوجته، والزوجة ليست خصمًا لزوجها؛ بل نجاح أحدهما الحقيقي أن ينجح الآخر معه، وأن ينجح البيت بهما معًا.بين القوامة والسلطوية
هناك فرق كبير بين رجل يقود أسرته ورجل يسيطر عليها؛ فالأول يستشير ثم يتحمل مسؤولية القرار، والثاني يأمر لمجرد إثبات سلطته، الأول يحمي، والثاني يخيف. الأول يصنع في بيته الأمان، والثاني يجعل أفراد أسرته يترقبون غضبه، والقوامة الناضجة لا تحتاج إلى صراخ دائم لإثبات وجودها؛ فكلما كان الرجل أكثر حكمة ورحمة وعدلًا، كانت قوامته أرسخ وأقرب إلى القبول.لا تحوّلي البيت إلى ساحة جدال
ليس كل اختلاف يستحق معركة، ولا كل رأي يحتاج إلى انتصار، ومن فقه الزوجة أن تعرف متى تناقش؟ وكيف تناقش؟ ومتى يكون التغاضي أرحم بالبيت؟ والطاعة في المعروف لا تعني أن المرأة بلا رأي، بل يمكنها أن تناقش وتنصح وتقترح، ثم تحرص على ألا تتحول الخلافات اليومية إلى صراع دائم على القيادة.احترمي قوامته يحفظ لك مكانتك
كما يحتاج البيت إلى زوج رحيم عادل، فإنه يحتاج إلى زوجة تعرف لزوجها مكانته، ولا تهدم صورته أمام أبنائه، ولا تسخر من قراراته، ولا تجعل الاختلاف معه وسيلة للانتقاص منه، ومن الحكمة أن يكون النقاش بين الزوجين بعيدًا عن الأبناء؛ لأن احترام الأم للأب، واحترام الأب للأم، من أعظم الدروس التربوية التي يتعلم منها الأبناء معنى الأسرة.رسالة من القلب
الأسرة لا تحتاج دائمًا إلى مواعظ طويلة، بقدر ما تحتاج إلى كلمات صادقة تتحول إلى سلوك: كلمة شكر بين الزوجين، واعتذار عند الخطأ، وتغافل عن الزلات، واحتواء للأبناء، ووقت يجتمع فيه الجميع بعيدًا عن الشاشات؛ فاجعلوا الرحمة لغة بيوتكم، والحوار طريقكم، ورضا الله غايتكم.
لاتوجد تعليقات