رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 26 أغسطس، 2026 0 تعليق

دراسة تربوية اجتماعية عن دورها في  البيت – الخادمة.. الأم البديلة

  • المشكلة ليست في وجود الخادمة بل في تحولها من مساعدِة إلى بديل تربوي للوالدين
  • كثرة احتكاك الطفل بالخادمة يؤثر تأثيرًا مباشرا في لغته وسلوكه ومشاعره وقيمه
  • الاعتماد الزائد على الخادمة قد يضعف معرفة الأم بتفاصيل حياة أبنائها واحتياجاتهم
  • قد تتعدى آثار هذه الظاهرة فتصيب الأبناء في قيمهم واستقلالهم ومسؤوليتهم
  • تربية الأبناء مسؤولية أصيلة تقع على عاتق الوالدين ولا يجوز تفويضها بالكامل
  • ليس الاستغناء عن الخادمة هو الحل بل بضبط دورها وإبقاء الوالدين في مركز التربية
  • حضور الأم المعنوي في بيتها لا يعدله حضورها المكاني فقد تكون موجودة في البيت لكنها غائبة معنويًا عن تفاصيل حياة أبنائها وقد تكون غائبة مكانيا لكنها حاضرة معنويًا
  • يمكن تفويض الخدمة أما التربية وبناء شخصية الطفل فلا يجــوز تفويضهما
 

أصبحت العمالة المنزلية جزءًا من واقع كثير من الأسر، ولا سيما مع خروج المرأة للعمل وتعدد مسؤوليات الحياة، والمشكلة ليست في وجود الخادمة؛ فقد تكون حاجة حقيقية وعونًا للأسرة، وإنما المشكلة تبدأ حين تنتقل مهمة الخادمة من مساعدة الأم إلى القيام بدورها، فتتولى رعاية الطفل رعاية كاملة حتى يصبح حضورها وتأثيرها أكبر من حضور والديه، وقد حمّل الإسلام الوالدين مسؤولية تربية أبنائهما ورعايتهم، فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم: 6)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» ومن هنا يبرز السؤال: متى تتحول الخادمة من مساعدة للأسرة إلى أم بديلة؟ وما آثار ذلك على الطفل والأسرة والمجتمع؟ وما الحدود التي ينبغي أن تقف عندها ولا تتعداها؟

أولاً: رؤية شرعية وتربوية

        من أهم القواعد التربوية والشرعية أن تربية الأبناء مسؤولية لا تُفوَّض، فقد جعل الإسلام تربية الأبناء أمانة في أعناق الوالدين، وليست مجرد توفير للطعام والملبس والتعليم، بل حفظًا لدينهم، وبناءً لأخلاقهم، ومتابعةً لسلوكهم، وإعدادً لهم لتحمل مسؤوليات الحياة. قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، (التحريم: 6)، وقال -سبحانه- على لسان لقمان وهو يربي ابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} (لقمان: 17)؛ لتظل التربية في التصور الإسلامي حضورًا وتوجيهًا وقدوةً ومتابعة. وأكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه المسؤولية بقوله: «كُلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ فالأبوة والأمومة ليستا علاقة نسب فحسب؛ بل مسؤولية يسأل الله عنها الوالدين؛ ولهذا فإن الإنفاق على الأبناء أو توفير الخادمة التي تقوم على خدمتهم لا يعفيهما من واجبهما التربوي. ولا يعني هذا أن يقوم الوالدان بكل تفاصيل الخدمة بأنفسهما، أو أن الاستعانة بالخادمة أمر مذموم؛ فالمساعدة في أعمال المنزل ورعاية بعض شؤونه أمر مباح، وقد يكون حاجة معتبرة، لكنْ هناك فرق كبير بين تفويض الخدمة وتفويض التربية؛ فالخادمة يمكن أن تعين الأم، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلًا عنها في الاحتواء والتوجيه وغرس الدين والقيم وبناء العلاقة العاطفية مع الأبناء. وفي المقابل، فإن معالجة هذه القضية لا ينبغي أن تتحول إلى إساءة للخادمة أو الانتقاص من قدرها؛ فقد أمر الإسلام بالعدل والإحسان، وقال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (النحل: 90)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن الخدم: «إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم»؛ فأوجب حسن معاملتهم، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون؛ فالمشكلة ليست في وجود الخادمة داخل البيت، وإنما في اختلال الأدوار داخله؛ فالخادمة تساعد وتُكرم وتُحفظ حقوقها، والأب والأم يبقيان في قلب العملية التربوية؛ فالخدمة يمكن أن تُفوَّض، أما صناعة الإنسان فلا ينبغي أن تُفوَّض.

ثانيًا: لا تتهموا الخادمة !

         من القواعد المهمة التي يجب أن نقررها بدايةً، ألا يتحول الكلام حول هذه الظاهرة إلى اتهام للخادمة؛ فهي في الأصل عاملة جاءت لأداء وظيفة محددة، وقد تجد نفسها أحيانًا محملة بمسؤوليات لم تُستقدم من أجلها، فيُطلب منها أعمال المنزل، ثم رعاية الأطفال، ثم متابعتهم وتربيتهم، وربما تُلام بعد ذلك على نتائج لم تكن مؤهلة أصلًا لتحمل مسؤوليتها، ومن العدل أن نضع المسؤولية في موضعها الصحيح: الأسرة هي التي تحدد موقع الخادمة وحدود دورها، فإذا أصبحت الخادمة أمًّا بديلة، فالمشكلة الأساسية ليست في وجودها، وإنما في الفراغ الذي تركه الوالدان فشغلته هي بحكم وجودها المستمر مع الطفل، كما أن من القيم الإسلامية حفظ كرامة الخادمة والإحسان إليها وعدم تحميلها فوق طاقتها؛ فتصحيح الأدوار داخل الأسرة يحفظ حق الأبناء، وفي الوقت نفسه يحفظ للخادمة حقها في ألا تتحمل مسؤولية تربوية ليست مسؤوليتها.

ثالثًا: لماذا تتحول الخادمة إلى أم بديلة؟

        من الإنصاف ألا نختزل الظاهرة في إهمال الأم أو تقصيرها؛ فهناك عوامل متعددة قد تدفع الأسرة تدريجيا إلى الاعتماد المفرط على الخادمة، منها طول ساعات عمل الوالدين، وكثرة الالتزامات، وضعف مشاركة الأب، والإرهاق الناتج عن الجمع بين العمل وشؤون المنزل، فضلًا عن نمط حياة أصبح فيه وجود العمالة المنزلية أمرًا معتادًا، وقد تبدأ الاستعانة بالخادمة لحاجة حقيقية، ثم يتسع دورها شيئًا فشيئًا دون أن تنتبه الأسرة؛ فتنتقل من أعمال المنزل إلى رعاية الطفل ومتابعة تفاصيل يومه، حتى تصبح أكثر حضورًا في حياته من والديه. ولا تصبح الخادمة أمًّا بديلة لمجرد بقائها ساعات طويلة في المنزل، وإنما حين تنتقل إليها الوظائف التي تبني علاقة الطفل بوالديه؛ فتطعمه وتلبسه وتلاعبه وتهدئه عند بكائه وتسمع حكاياته، ثم تصبح مع الوقت ملجأه العاطفي الأول؛ فإذا خاف بحث عنها، وإذا حزن لجأ إليها، بينما تنحصر علاقة الأم به في التوجيه والمحاسبة وتوفير الاحتياجات، هنا لا تعود القضية مجرد مساعدة منزلية، بل تصبح تحولًا في مركز الرعاية والتأثير داخل الأسرة؛ لأن من يشارك الطفل تفاصيل يومه، ويمنحه الوقت والاهتمام والاحتواء، يملك مساحة واسعة في تكوين لغته وسلوكه ومشاعره وقيمه، لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: هل توجد خادمة في البيت؟ بل: ما حجم الدور الذي أصبحت تؤديه؟ ومن يحتل المساحة الأكبر في عالم الطفل وتفاصيل حياته؟

رابعًا: ماذا يخسر الطفل؟

         أولى الخسائر المؤكدة هي ضعف العلاقة العاطفية بين الطفل وأمّه، إذا قلَّ الاحتكاك الحقيقي بينهما، فالطفل لا يبني علاقته بوالديه بالقرابة وحدها، وإنما بالحضور والتفاعل والاحتواء، وقد تظهر كذلك مشكلات عقائدية وسلوكية ناتجة عن طول الاحتكاك بالخادمة، فضلًا عن اكتساب بعض العادات أو أنماط التعامل التي قد لا تنسجم مع ثقافة الأسرة وقيمها، كما قد يتعلم الطفل الاعتماد الزائد على الآخرين؛ فيجد دائمًا من يحمل حقيبته، ويرتب غرفته، ويجمع ألعابه، ويحضر طعامه، وينفذ طلباته، وهكذا قد تتحول الخدمة المفرطة إلى عائق أمام تعلم الاستقلال وتحمل المسؤولية وخدمة النفس.

خامسًا: ماذا تخسر الأم؟

           لا يقتصر أثر التفويض المفرط لتربية الأبناء للخادمة على الطفل وحده، بل قد تفقد الأم نفسها شيئًا فشيئًا من المعرفة الدقيقة بعالم أبنائها؛ ماذا يحبون؟ ماذا يخيفهم؟ من أصدقاؤهم؟ كيف يفكرون؟ وما التغيرات التي تطرأ على شخصياتهم؟ فالأمومة لا تُبنى في المناسبات الكبرى وحدها، وإنما في آلاف التفاصيل الصغيرة المتراكمة: حديث قبل النوم، وسؤال بعد المدرسة، واحتضان عند الخوف، ومشاركة في اللعب، وموقف تصحح فيه خطأ، وآخر تعزز فيه قيمة، وكلما غابت الأم عن هذه التفاصيل، خسرت جزءًا من قدرتها على التأثير، حتى قد تصل إلى مرحلة تكتشف فيها أنها توفر لأبنائها كل شيء تقريبًا، لكنها لم تعد تعرفهم بالقدر الكافي.

سادسًا: الأب ليس خارج المعادلة

          ومن غير الموضوعي تحميل الأم وحدها مسؤولية هذه الظاهرة؛ فالتربية مسؤولية الوالدين، وقد يكون اعتماد الأم المفرط على الخادمة نتيجة غياب الأب نفسه عن دوره الأسري، أو تحميل الزوجة وحدها أعباء العمل والبيت والأطفال، ولذلك فإن معالجة القضية لا تكون بإعادة جميع الأعباء إلى الأم، وإنما بإعادة توزيع المسؤوليات داخل الأسرة بطريقة عادلة وواقعية؛ فيشارك الأب في الرعاية والتربية، وتقوم الخادمة بالأعمال التي تخفف العبء عن الأسرة، ويبقى الوالدان في مركز حياة الأبناء.

سابعًا: أثر الظاهرة على المجتمع

        لا شكَّ أنَّ آثار هذه الظاهرة تتجاوز حدود البيت؛ لأن الأسرة هي البيئة الأولى لتكوين شخصية الإنسان، وإذا ضعفت صلة الأطفال بوالديهم، وقل حضور الأسرة في التربية، أصبحت مصادر أخرى أكثر قدرة على تشكيلهم: الخادمة، والأصدقاء، والشاشات، ومنصات التواصل، وقد ينشأ جيل يحصل على مستوى مرتفع من الرعاية المادية والخدمات، لكنه أقل قدرة على تحمل المسؤولية، وأكثر اعتمادًا على الآخرين، وأضعف ارتباطًا ببعض قيم أسرته وهويتها، ومن هنا تصبح القضية قضية مجتمع، وليست مجرد قرار خاص يتعلق بطريقة إدارة المنزل.

ثامنًا: ما حدود الخادمة التي ينبغي أن تقف عندها؟

           القاعدة الأكثر توازنًا أن الخادمة تساعد الأسرة ولا تحل محلها؛ فتخفف أعباء المنزل، وتشارك في بعض شؤون الأطفال تحت إشراف الوالدين، بينما تبقى التربية والاحتواء العاطفي وغرس القيم ومتابعة السلوك والدراسة والحوار مع الأبناء مسؤولية أصيلة للأب والأم، وليس المطلوب الاستغناء عن الخادمة، ولا تقليص دورها، وإنما ضبط الأدوار داخل البيت؛ فالخادمة تعين، والأم تحتضن وتربي، والأب يشارك ويوجه ويتحمل مسؤوليته، والطفل يتعلم تدريجيا خدمة نفسه والاستقلال وتحمل المسؤولية، ومن المهم أن تسأل الأسرة نفسها: من يقضي الوقت الحقيقي مع أبنائنا؟ وإلى من يلجؤون عند وجود مشكلة أو إذا انتابهم خوف؟ ومن يسمع أسرارهم ويغرس فيهم قيمهم؟ ومن يعرف تفاصيل حياتهم؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة تكشف حقيقة الأدوار داخل البيت، ومدى بقاء الوالدين في قلب حياة أبنائهم.

تاسعًا: ميثاق أسري لضبط دور الخادمة

فيما يلي مجموعة من المبادئ العملية التي ينبغي للأسرة تفعيلها لضبط دور الخادمة، وتحقيق التوازن بين الاستفادة من مساعدتها والحفاظ على مسؤولية الوالدين التربوية: ١- تبقى التربية الدينية والأخلاقية والتوجيه السلوكي مسؤولية الوالدين. ٢- يحرص الأب والأم على أن يكونا مصدر الأمان والاحتواء الأول للأبناء. ٣- يخصص وقت يومي للحوار والجلوس مع الأبناء بعيدًا عن الهواتف والشاشات. ٤- يتولى الوالدان متابعة الدراسة والأصدقاء والمشكلات والتغيرات السلوكية. ٥- لا تقوم الخادمة بالأعمال التي يستطيع الطفل أداءها بنفسه والمناسبة لعمره. ٦- يتعلم الأبناء ترتيب أغراضهم وخدمة أنفسهم والمشاركة في مسؤوليات المنزل. ٧- لا تُحمَّل الخادمة مسؤولية تربية الأطفال أو اتخاذ القرارات التربوية المتعلقة بهم. ٨- يشارك الأب مشاركة حقيقية في الرعاية والتربية، ولا تُترك المسؤولية كاملة للأم. ٩- تُعامل الخادمة بالعدل والرحمة، وتُحفظ حقوقها وخصوصيتها وكرامتها.  

الأم الحاضرة الغائبة

        ليس غياب الأم عن طفلها غيابًا مكانيا فقط؛ فقد تكون الأم داخل المنزل، لكنها بعيدة عن التفاصيل الحقيقية لحياة أبنائها؛ بسبب الانشغال بالهاتف أو العمل أو العلاقات الاجتماعية أو غير ذلك، بينما تكون الخادمة هي التي تسمع وتلاعب وتطعم وترافق وتواسي، وهنا ينبغي أن نفرق بين وجود الأم وحضورها؛ فالوجود أن تكون في المكان نفسه، أما الحضور فهو أن تكون قريبة من عالم طفلها: تعرف ما يسعده وما يخيفه، تسمع أسئلته، وتتابع تغيراته، وتشاركه بعض اهتماماته، وتكون ملجأه عند الخوف والحزن، والأبناء لا يحتاجون فقط إلى آباء وأمهات يعيشون معهم تحت سقف واحد، وإنما يحتاجون إلى حضور عاطفي وتربوي حقيقي؛ لأن التربية في جانب كبير منها علاقة يومية تتكون عبر المواقف الصغيرة المتكررة.  

الخدمة والرعاية والتربية.. ثلاثة أدوار مختلفة

من المهم عند تحديد دور الخادمة التفريق بين ثلاثة مستويات:
  • المستوى الأول (التربية): وتشمل غرس العقيدة والقيم والأخلاق، وتصحيح السلوك، وبناء الشخصية، والاحتواء العاطفي، والحوار، وتعليم المسؤولية، وصناعة الهوية؛ وهذه مسؤولية أصيلة للوالدين لا ينبغي نقلها إلى الخادمة.
  • المستوى الثاني (الخدمة): وتشمل الأعمال المنزلية كالتنظيف والترتيب وإعداد بعض الاحتياجات، وهذه هي المساحة الأوسع التي يمكن الاستعانة فيها بالخادمة.
  • المستوى الثالث (الرعاية): وتشمل بعض احتياجات الطفل اليومية من طعام وملبس ومرافقة ونحو ذلك، ويمكن الاستعانة فيها بالخادمة بقدر الحاجة وتحت متابعة الوالدين.

 
  • تصبح الخادمة أمًّا بديلة حين تكون الأكثر حضورًا وتأثيرًا في حياة الطفل
  •  الياسين: لسنا ضد وجود الخادمة في البيت وإنما ضد اختلال الأدوار والتخلي عن المسؤوليات التربوية فالخادمة لها دورها في المساعدة والأم لها دورها في الرعاية والتربية والاحتواء
  • النجدي: الخادمة غير المسلمة قد تنقل إلى الطفل بعض المعتقدات والممارسات المخالفة لعقيدته كتعظيم المعبودات الباطلة أو الاستعانة بغير الله أو ترديد عبارات وألفاظ تتنافى مع العقيدة الصحيحة
  • الأب شريك أصيل في التربية وغيابه قد يزيد اعتماد الأسرة على الخادمة
  • الطويل: الأمومة نعمة عظيمة لا تقبل الاستبدال ومن الخطورة أن يصل تعلق الطفل بالخادمة إلى حد يجد فيه الأمان والاحتواء لديها أكثر مما يجدهما لدى أمه
  • د. العبيد: ينبغي أن يكون دور الخادمة محددًا وواضحًا فتظل مساعدة في شؤون المنزل ورعاية الأبناء لا صاحبة الدور الأساسي في تربيتهم أو تصبح المرجع الأول للطفل في حاجاته ومشاعره ومشكلاته
  • الحزيمي: على الأمهات أن يتقين الله في أبنائهن وأن يدركن أن التربية وتعليم الدين وغرس القيم مسؤولية أصيلة لا تُفوَّض وأن يظل دور الخادمة مقتصرًا على المساعدة في الرعاية لا القيام بمهمة التربية
 

رأي العلماء والمختصين

         وللوقوف على أبعاد هذه القضية من منظور شرعي وتربوي واجتماعي، استطلعنا آراء عدد من العلماء والمختصين؛ للوقوف على الضوابط التي تحكم الاستعانة بالخادمة داخل الأسرة، وحدود دورها في رعاية الأبناء، ومخاطر تحولها من عنصر مساعد إلى بديل عن الأم، وأثر ذلك في التنشئة النفسية والتربوية والقيمية للطفل، وصولًا إلى رؤية متوازنة تحفظ للأسرة أدوارها ومسؤولياتها، وتضع الاستعانة بالخادمة في إطارها الصحيح.

النجدي: أثر سلبي في عقيدة الطفل المسلم

        في البداية أكد عضو الهيئة الشرعية بجمعية إحياء التراث الإسلامي الشيخ د. محمد الحمود النجدي أن وجود الخادمة غير المسلمة قد يكون له أثر سلبي في عقيدة الطفل المسلم، ولا سيما إذا كانت هي الأكثر حضورًا معه في سنواته الأولى، مشيرًا إلى أن بعض الدراسات الميدانية في منطقة الخليج العربي أظهرت أن نسبة من الخادمات يتحدثن مع الأطفال في قضايا تتعلق بالدين والاعتقاد. فالطفل الذي يقضي معظم يومه مع الخادمة، ولا يحظى بحضور كافٍ من والديه، قد يتأثر بما لديها من أفكار ومعتقدات وعادات وأخلاق؛ لأنها تصبح الأقرب إليه، تطعمه وتلبسه وتلاعبه وترافقه ساعات طويلة، ومع استمرار هذه العلاقة سنوات قد تنشأ بين الطفل والخادمة محبة وألفة وتعلق شديد، بما يزيد من قابليته للتأثر بما تقوله وتفعله.

التأثير في العقيدة والقيم

        ويحذر النجدي من أن الخادمة غير المسلمة قد تنقل إلى الطفل - بقصد أو بغير قصد - بعض المعتقدات والممارسات المخالفة لعقيدته، كتعظيم بعض المعبودات أو المقدسات الباطلة، أو الاستعانة بغير الله، أو استخدام عبارات وألفاظ تخالف العقيدة الصحيحة، كما قد يتأثر الطفل بمشاهدته للخادمة وهي تمارس بعض طقوسها الدينية، ولا سيما أن الطفل في سنواته الأولى سريع المحاكاة والتقليد، وقد يكرر بعض ما يراه دون إدراك لمعناه. وتزداد احتمالات التأثر كلما ضعفت متابعة الوالدين وازداد تعلق الطفل بالخادمة.

لا يكفي أن تكون الخادمة مسلمة

        ويرى النجدي أن من وسائل الوقاية الحرص على اختيار الخادمة المسلمة، مع التأكيد أن مجرد كونها مسلمة لا يكفي؛ فقد تحمل بعض الخادمات أفكارًا أو ممارسات دينية وسلوكية لا تنسجم مع منهج الأسرة وقيمها، ومن هنا تظل متابعة الوالدين ضرورية مهما كانت ديانة الخادمة أو درجة الثقة بها؛ لأن المسؤولية الأصلية عن عقيدة الطفل وتربيته وقيمه تقع على عاتق والديه، ولا ينبغي أن تنتقل إلى الخادمة.

الرقابة الأسرية ضرورة

        ويؤكد النجدي أهمية المتابعة المستمرة وعدم الاعتماد الكامل على الخادمة في رعاية الأطفال، مع حسن اختيارها والتعرف على ثقافتها وسلوكها ومدى قدرتها على التعامل السليم معهم، والقضية في جوهرها لا تتوقف عند ديانة الخادمة وحدها، وإنما ترتبط أيضًا بحجم المساحة التي تمنحها الأسرة لها في حياة الطفل؛ فكلما كان الوالدان أكثر حضورًا في التربية والتوجيه والحوار، قلَّ احتمال انتقال مؤثرات لا تنسجم مع عقيدة الأسرة وقيمها إلى أبنائها.

الياسين:  عودة إلى أحضان الأمومة

        وعن رأيها في هذه القضية كتبت مدير إدارة العمل النسائي فاطمة الياسين قائلةً: حين كنتُ أصطحب أطفالي في نهاية الأسبوع إلى الحدائق العامة أو مواقع الألعاب الترفيهية، كنت ألحظُ أمراً مؤلماً وغريباً على مجتمعنا الكويتي، بات يتكرر مرات ومرات حتى ألفته، ألا وهو مرافقة الخادمة للأطفال في هذه الأماكن الترفيهية، حتى كنت أحياناً أخشى على أحدهم من إهمال مراقبة ذاك الخادم، وكنتُ أتساءل في نفسي: لمَ يُترك الطفل مع هذه الأيدي غير الأمينة؟ أين ذهبت الأم الرؤوم الحريصة؟ وإلى أين اختفى الأب المراقب الحنون؟! ألا يعلم الوالدان أنه مهما بلغ حرص الخادم وأمانته فهو يبقى خادماً ومن الصعب أن يقفز إلى منطقة حرص الوالدين واهتمامهما، ناهيك عن حب الطفل أن يشارك والديه تلك اللحظات الجميلة والماتعة، ومن وجهة نظري لَأَنْ يبقى الطفل في بيت تحت ظل والديه أسلم نفسيا وآمن جسديا من مرافقة الخادم له إلى تلك الأماكن، لن يتضرر الطفل أن يبقى في البيت يتمتع بحنان والديه، ولكن ذهابه مع الخادم وبالتأكيد سائق المنزل هو من يقود السيارة سيكون ضرره أكبر وأشد، ولو افترضنا أن الطفل عاد إلى بيته سليماً جسديا، فما الضمان لعودته سليما نفسيا؟! وماذا عن شريط ذكرياته؟! وحين يكبر ماذا عساه أن يتذكر من لحظات اللعب مع الخادمة؟! وكم سمعنا من حوادث مؤلمة ظل الوالدان يتجرعان مرارة إهمالهما وعدم تحملهما لمسؤولية الأطفال، فالله الله في أبنائكم! وصدق المصطفى حين قال: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وتذكروا أن الله سائلكم عما استرعاكم حفظتم أم ضيعتم؟

ضد تبادل الأدوار

        وختمت الياسين كلامها بالتأكيد على أنها ليست ضد وجود الخادمة في البيت، ولكننا ضد تبادل الأدوار، والتخلي عن المسؤوليات لغير الأكفاء؛ فالخادم له دوره والأم لها دورها، والأب له دوره، ولكن من الصعب تقبل أن يسبح كل منهم في فلك الآخر، فيحدث خلل في مجرة الأسرة ولا ريب، وفي الختام ومن خلال هذه الكلمات أدعو الوالدين إلى تدارك الأمر، والحفاظ على الأمانة التي بين أيديهما، وأن تُعيد الأم صغارها إلى أحضان الأمومة.

د. العبيد:  سؤال يشعل ألمًا في القلب

        وفي السياق ذاته، وتحت عنوان سؤال يشعل ألمًا في القلب، قالت الأستاذة بكلية الشريعة جامعة الكويت، د.سندس العبيد: حقيقةً هذا سؤال في الصميم، وسؤال يشعل ألمًا في القلب؛ لأننا لا نتحدث هنا عن ترتيب منزل أو إنجاز أعمال يومية فحسب، وإنما نتحدث عن تربية جيل، وبناء شخصية، وصناعة قلب وعقل. ولا شك أن وجود الخادمة في المنزل له جانبان، وكأنه سلاح ذو حدين؛ فقد تكون نعمةً وعونًا للأم، تخفف عنها أعباء المنزل لتتفرغ لما هو أهم كالتربية والرعاية والاحتواء، وقد تتحول -عند غياب الوعي والضوابط- من مساعدة للأم إلى بديلة عنها، وهنا تبدأ الإشكالية.

المشكلة ليست في وجود الخادمة

        وأضافت د. العبيد قائلة: أرى أن المشكلة ليست في وجود الخادمة بحد ذاته، وإنما في الاتكالية والتوسع في تفويض الأدوار؛ فبعض الأمهات تبدأ بتفويض الأعمال المنزلية، ثم شيئًا فشيئًا يمتد التفويض إلى التنازل عن المهام الضرورية، حتى تصبح الخادمة هي الأكثر حضورًا في تفاصيل حياة الأبناء، وهنا ينبغي أن تسأل الأم نفسها: ما دوري الحقيقي؟ وما الأدوار التي لا يمكن أن يقوم بها أحد مكاني؟ هناك أدوار يمكن أن تساعدك فيها الخادمة، وهناك أدوار لا ينبغي أن تسلميها لأحد؛ فالحضن، والاحتواء، والاستماع، والحوار، وغرس القيم، وتصحيح الأخطاء، وتعليم الدين والأخلاق، وملاحظة تغيرات الطفل ومشاعره واحتياجاته النفسية؛ كل ذلك من صميم مسؤولية الوالدين.

الطفل لا يتربى بالكلمات فقط

        وأكدت د. العبيد أن الطفل لا يتربى بالكلمات فقط، وإنما يتربى بطول الصحبة وكثرة المخالطة والمشاهدة والتقليد، فإذا كانت أكثر ساعاته مع الخادمة، فمن الطبيعي أن يتأثر بلغتها وعاداتها وطريقة تعاملها ومفاهيمها، مهما كانت الخادمة طيبة وحسنة الخلق؛ فهي في النهاية قادمة من بيئة وثقافة وعادات قد تختلف عن بيئة الأسرة وقيمها، ونحن نحرص على أموالنا ومجوهراتنا ومقتنياتنا الثمينة، ولا نأتمن عليها أي أحد، فكيف بأبنائنا وهم أغلى ما نملك؟!

من أهم الضوابط

        وعن أهم الضوابط التي يجب أن تراعى في هذا الجانب قال د. العبيد: أن يكون دور الخادمة محددًا وواضحًا، وأن تبقى مساعدة في شؤون المنزل لا صاحبة الدور الأساسي في تربية الأبناء، وألا تُترك معها القرارات التربوية، ولا تصبح المرجع الأول للطفل في حاجاته ومشاعره ومشكلاته، كما ينبغي للأم أن تحرص على التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية، وهي في الحقيقة تصنع العلاقة: أن تجلس معه، وتسمع حديثه، وتقرأ له، وتحتضنه، وتشاركه فرحه وحزنه، وتكون حاضرة عند نومه واستيقاظه وفي لحظات ضعفه واحتياجه.

أجمل ما يمكن أن تصنعه الأم

        وختمت د. العبيد كلامها قائلةً: أجمل ما يمكن أن تصنعه الأم بوجود الخادمة هو أن تستثمر الوقت الذي وفّرته لها في أمومتها؛ فإذا خففت الخادمة عنها أعمال المنزل، فليكن هذا الوقت فرصة لمزيد من القرب من الأبناء، لا لمزيد من البعد عنهم، فنحن لا نريد من الأم أن تقوم بكل شيء وحدها، ولا أن ترهق نفسها حتى تنهار، ولكن نريد منها أن تعرف الأولويات، وأن تدرك أن هناك أدوارًا إذا تركتها اليوم قد يصعب استعادتها غدًا؛ فالخادمة جاءت لتأخذ عن الأم بعض أعباء المنزل، لا لتأخذ منها دور الأم؛ فالخادمة مساعدة وليست أمًّا بديلة، والأم اللبيبة هي التي تعرف كيف تستفيد من وجودها، دون أن تتنازل لها -من حيث لا تشعر- عن أجمل  أدوارها وأعظمه، أن تكون أمًّا.

الطــويل:  وجود الخادمة ضرورة

        وعن رأيها في القضية، قالت الداعية إيمان الطويل: من وجهة نظري، أصبحت الخادمة حاجة مهمة في كثير من البيوت؛ ولا سيما مع كبر حجم المنزل، وخروج المرأة للعمل، وكثرة المناسبات والالتزامات الاجتماعية، ووجود الأطفال، وتعدد المسؤوليات الملقاة على عاتق الأم من رعاية الأبناء والاهتمام بالزوج وشؤون المنزل وإعداد الطعام وغيرها، ما يجعل من الصعب على المرأة أن تؤدي هذه المهام جميعًا بمفردها. وأضافت: لكن هل يعني ذلك أن نوكل كل هذه المسؤوليات إلى الخادمة؟ بالتأكيد لا؛ وهنا تظهر أهمية وعي المرأة بدورها، فعليها أن تحدد للخادمة مهامها بوضوح، وأن تبقى الأمومة مساحة لا تسمح لأحد بأن يحل محلها فيها. فربة البيت الواعية تعرف تفاصيل بيتها، وتتابع أبناءها، وتضع بصمتها في حياتهم، ولا تترك إدارة أسرتها للآخرين؛ فالبيت مملكتها، وهي أحرص الناس على استقراره وحمايته. وأكدت الطويل أن الأمومة نعمة عظيمة لا تقبل الاستبدال، محذرة من أن يصل تعلق الطفل بالخادمة إلى درجة يجد فيها أمانه واحتواءه لديها أكثر من أمه. وقالت: عندما نرى طفلًا ينهار لبكائه على سفر الخادمة أو فراقها، بينما لا يظهر الارتباط نفسه بأمه، فإن ذلك يدعونا إلى مراجعة حجم حضور الأم في حياته؛ فالسؤال الذي ينبغي لكل أم أن تطرحه على نفسها: من يمثل مصدر الأمان الأول للطفل؟ وهل أرضى أن يشغل غيري هذه المساحة في قلبه وحياته؟

الحزيمي: الخادمة حاجة وضرورة لابد منه

        وعن هذه القضية قالت عائشة الحزيمي: الأمهات عليهن أن يتقين الله ويتذكرن أن دورهن هو التربية والاهتمام بتعليم الأبناء دينهم، والخادمة تساعد في الرعاية وليس التربية، ووجود الأم مع أبنائها في غاية الأهمية ومن ضروريات نمو الطفل النفسي والسلوكي …الخ ولا شك أن وجود الخادمة مع غياب الأم بسبب العمل أسهم في تدخل الخادمة في التربية ومع الأسف كثير من الخادمات غير مسلمات، ما سبب في بُعد الطفل عن فهم دينه وكذلك اللغة العربية تأثرت بدخول الخادمة.

ضوابط مهمة

        وختمت الحزيمي كلامها قائلة: لابد من مراعاة عدد من الضوابط المهمة حتى تبقى الخادمة مساعدة للأسرة لا بديلًا عن الأم؛ وفي مقدمتها حضور الأم الفاعل والمؤثر في حياة أبنائها، والتأكيد أن التربية مسؤولية أصيلة للوالدين لا تُفوَّض للخادمة، مع استمرار إشراف الأم ومتابعتها وعدم غيابها عن تفاصيل الحياة المنزلية، ومتابعة رعاية الأبناء وتغذيتهم وصحتهم وجودة ما يقدم لهم، على أن يكون دور الخادمة في ذلك مساعدًا ومساندًا لا قائمًا مقام الأم.  

الأم التي نريد

        وفي هذا السياق كتبت: يسرا جلال عن الأم قائلة: لا نريد أمًّا أنهكتها أعباء البيت حتى وصلت إلى أبنائها وقد استُنفذت طاقتها، ولا أمًّا غابت عن حياتهم بحجة أن كل شيء منظم ومتوافر وتحت السيطرة؛ وإنما نريد أمًّا تعرف ما الذي يمكن تفويضه، وما الذي لا يقبل التفويض؟ فاستعيني بالخادمة في أعباء البيت؛ لتوفري من وقتك وطاقتك ما تمنحينه لأبنائك، لكن تذكري أن الأمومة ليست قائمة مهام تُوزَّع، ولا وظيفةً تُفوَّض، ولا حضورًا يُستبدل، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ فالخادمة قد تعين في الخدمة، لكنها لا تنوب عن الأم في التربية؛ لأن المهام قد تُفوَّض، أما المسؤولية فلا، والخدمة قد يُستعان بها، أما الاحتواء فلا، والأمومة حضورٌ وأثرٌ وعلاقة... لا تقبل الإنابة.    

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك