سلسلة الأخلاق الإسلامية .. خُلُق الحِيْطَةِ.. حسن التقدير والاستعداد للمخاطر (١-٢)
- الحيطة خُلُق شرعي أصيل يقوم على الأخذ بالأحزم والأوثق وتوقي الضرر قبل وقوعه
- القرآن الكريم يؤكد مبدأ الحيطة والحذر حتى في العبادات كما في تشريع صلاة الخوف
- رسخت السُنَّة النبويَّة مبدأ الوقاية قبل وقوع الضرر من خلال توجيهات عملية لحفظ الأنفس والأموال
- سدّ الذرائع نوع مهم من أنواع الحيطة فكل وسيلة يغلب أن تفضي إلى ضرر أو مفسدة ينبغي الحذر منها ومنع أسبابها قبل وقوعها
من محاسن الشريعة الإسلامية أنها أرشدت المسلم إلى الأخذ بالأسباب التي تحفظ دينه ونفسه وماله وعِرضه، وتقيه مواطن الضرر قبل وقوعه؛ ومن هنا كان خُلُق الحيطة والحذر منهجًا أصيلًا يجمع بين التوكل على الله، والأخذ بالأسباب، والتبصر في العواقب، وقد حفلت نصوص القرآن الكريم والسُنَّة النبوية ومواقف السيرة بأنواع هذا الخُلُق العظيم الذي لا يعني الخوف أو الوسوسة. وإنما حسن التقدير والاستعداد للمخاطر، والأخذ بالأحزم والأوثق؛ فالوقاية قبل وقوع الضرر من هدي الشرع ومقتضيات الحكمة.
خلق الحيطة
- الحيطة لغة: يُقالُ: حَاطَ يَحُوطُ حَوْطَاً وحَيْطَةً وحِيْطَةً، ومعناه: حفظُ الشيء وتعَهُّدُه. وتقولُ: احتاطَ الرجلُ: أي أنه أَخَذَ أمورَه بالأحْزَمِ، أو بالأَوْثَقِ. ومنها الاحتياطُ.
الحيطة في القرآن الكريم
قال الله -تعالى-: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا (101) وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} (النساء)، يمكن أن نطلق على هذه الآية (آية الحذر والحيطة)؛ لما تضمنته من لفت انتباه المؤمنين إلى هذا الخلق العظيم وهم في أصعب الظروف، ووجه الاستدلال في هذه الآية يمكن أن نأخذه مما يلي:- الأمر بقصر الصلاة حال الخوف من العدو؛ {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}؛ لما في ذلك من التخفيف على المؤمنين وحتى لا يستغل العدو طول صلاتهم فيخطط ويهاجمهم على حين غفلة.
- تشريعه -تعالى- صلاة الخوف وطرائقها معروفة لدى الفقهاء، قال -تعالى-: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ....}، والشاهد هو انقسام الناس إلى قسمين: قسم يؤدون الصلاة والقسم الآخر يحرسون المصلين أو يقاتلون العدو، وهكذا دواليك؛ وذلك أخذا للحيطة والحذر فلا يؤخذون على حين غرة.
- أمره -تعالى- المؤمنين بأن يأخذوا أسلحتهم حال صلاتهم، وألا يغفلوا عنها طرفة عين، مع وجود فرقة أخرى تحرسهم، وذلك زيادة في الحيطة وحتى لا يميل عليهم الكفار وهم عزل عن أسلحتهم منشغلين بصلاتهم. قال -تعالى-: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}.
خذوا حذركم !
ومن آيات الحيطة في القرآن قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا} (النساء 71)، قال ابن كثير: «يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله»، وقال القرطبي في تفسر قوله -تعالى-: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} أي كونوا متيقظين، وضعتم السلاح أو لم تضعوه، وهذا يدل على تأكيد التأهب والحذر من العدو في كل الأحوال وترك الاستسلام؛ فإن الجيش ما جاءه مصاب قط إلا من تفريط في حذر.الحيطة في السُنَّة النبويَّة
الذي يتتبع السُنَّة النبويَّة سواء القولية منها أو الفعلية، أو يسبر سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - يجدها مليئة بالشواهد التي تدعو إلى أن يأخذ المسلم الحيطة والحذر، وأن يكون هذا خلقا ملازما له، ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا استجنح الليل أو قال جنح الليل فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك، واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه شيئا، قال همام وأحسبه قال ولو بعود يعرضه»، قال النووي: قال ابن دقيق العيد: «في الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية والدنيوية: حراسة الأنفس والأموال من أهل العبث والفساد ولا سيما الشياطين»، والشاهد في هذا الحديث هو أمره بكف الصبيان عن اللعب إذا دخل الليل، وإغلاق الباب وذكر الله، وإطفاء المصباح، وتخمير الآنية، وذلك لاتقاء الشر، أو حذرا من حدوث مكروه غالب حدوثه.اجتناب كل ما يُخاف منه ضرر
وعن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها، أو قال فليقبض بكفه أن يصيب أحدا من المسلمين منها شيء»، قال النووي: «والنصول والنصال جمع نصل، وهو حديدة السهم، وفيه اجتناب كل ما يخاف منه ضرر»، وقال ابن حجر: «وفيه حجة للقول بسد الذرائع»، ووجه الشاهد في هذا الحديث: هو أمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يأخذ المسلم حذره من نصوله حتى لا يسفك دما معصوما أو حيوانا محترما، نتيجة إهماله وعدم حرصه، وأن يأخذ بالحيطة والحذر في ذلك. قلت: ومعنى سد الذريعة: أي منع كل وسيلة توصل إلى ممنوع أو محرم أو مفسدة محققة أو غالب حدوثها وهي قاعدة أصولية عظيمة في الإسلام فسد الذريعة عند الأصوليين: هي الحيلولة دون الوصول إلى المفسدة إذا كانت النتيجة فسادا، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد في التحليل والتحريم والندب والكراهة والإباحة.كل ما يفضي إلى مفسدة يجب الحذر منه
ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم عن همام سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار»، قال ابن حجر: «وفي الحديث النهي عما يفضي إلى المحذور وإن لم يكن المحذور محققا سواء كان ذلك في جد أو هزل». قلت: وهذا هو عين الحيطة والحذر الذي يأمرنا به الإسلام؛ لأن الحيطة تكون عند توقع حصول الضرر أو المفسدة وقبل حدوثها، أما إذا حاذر الإنسان بعد حدوث الضرر فهو نوع من العبث والندم على ما فات من التقصير، ولات حين مندم، وعلى هذا فقس كل ما يفضي إلى مفسدة من إهلاك مال أو نفس أو عرض أو عقل فإنه يجب توخي الحذر منه وإن كان في أصله مباحا فإنه إذا أفضى إلى مفسدة أخذ حكم المفسدة، كالسرعة بالسيارة مثلا عن القدر المسموح به عرفا فإنه يؤدي غالبا إلى هلاك النفس والمال وربما تعدى إلى إهلاك الآخر.لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون
وروى البخاري ومسلم عن سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون»، قال النووي: «هذا عام تدخل فيه نار السراج وغيرها، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء، وإن أمن ذلك كما هو الغالب فالظاهر أنه لا بأس بها لانتفاء العلة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل الأمر بالإطفاء في الحديث السابق بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم، فإذا انتفت العلة زال المنع». قلت: ويدخل في هذا النهي: أجهزة التدفئة الكهربائية أو المعالجة بالحرارة المباشرة إذا غفل عنها أو خشي منها الضرر وغيرها، أما النار المباشرة أو الفحم الملتهب فقد أثبتت الدراسة العلمية أنه ينتج غاز أول أكسيد الكربون السام الذي يخنق الإنسان ببطء حتى يهلكه، فضلا عن تطاير بعض النار من الفحم المتقد على ما حوله من الأثاث وغيره فيحرقه ومعظم النار من مستصغر الشرر، والحكم قائم ما قامت العلة التي هي الضرر المحقق أو الغالب والله أعلم.
لاتوجد تعليقات