الأخلاقيات الطبية في زمن الأوبئة
كما قيل: «إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج» ولا شك أنه عندما يصاب الإنسان بالمرض فإن أول ما يلجأ إليه بعد الله -عزوجل- هو مساعدة الطبيب، ومن يعاونه من أجل تخفيف الألم واستعادة حياته الطبيعية.
تمر المجتمعات بفاشيات بين الفترة والأخرى, تربك المجتمعات وسير عمل الخدمات الصحية المعتادة؛ بسبب حاجة مجموعة كبيرة من أفراد المجتمع لتلقي العلاج بطريقة سريعة، وقد شهدنا في العقود الأخيرة ما فعلته فاشيات انفلونزا الطيور والخنازير ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية وغيرها من خلل كبير في سير عمل الحياة الطبيعية، وها نحن أولاء اليوم في واجهة فاشية مشابهة (كوفيد 19), وربما تكون أخطر من سابقاتها؛ فالوقت ما زال مبكرًا لتحديد حجم المخاطر المترتبة على هذا الانتشار السريع لهذا الفيروس في مختلف دول العالم.
ولا ريب أن احتواء هذه الجائحة بعد الله -تعالى- ليس قوة الخدمات الصحية فحسب، وإنما بمدى تعاون أفراد المجتمع وتضامنهم وتكاتفهم, سواء المتلقون للخدمة الصحية أو مقدموها من مختلف الفئات, وكذلك تعاون مؤسسات المجتمع الأهلية والحكومية والخاصة كافة.
التضامن المجتمعي
إنَّ هذا النوع من التضامن المجتمعي لا يمكن ضبطه بالقانون, وإنما يجب أن يلتزمه الجميع بوصفه واجبا أخلاقيا ووطنيا قبل كل شيء. فعلى مستوى أفراد المجتمع, وعندما تزيد حالات الحجر المنزلي, لا يمكن لأي قانون في العالم مراقبة التزام كل المحجورين بالتعليمات الخاصة بمنع انتشار المرض، وإنما يكون التزامهم أخلاقيًا من أجل منع الضرر عن الآخرين بعدم تعريضهم لخطر انتقال هذا الفيروس، وكذلك الأمر حين يطلب منهم الإفصاح عن المعلومات ذات العلاقة، بما فيها تنقلهم بين مختلف الأماكن, وتفاصيل الأشخاص الذين تواصلوا معهم؛ فكل هذه المعلومات المهمة للتقصي الوبائي ينبغي أن تكون في ذهن الشخص المصاب أو المحتملة إصابته, ومن الصعب معرفتها بالقانون إذا لم يُدْلِ بها من تلقاء نفسه, وقس على ذلك الالتزام بكافة التعليمات الخاصة بالشخص المصاب أو المحتمل إصابته بالمرض.
مقدمو الرعاية الصحية
أما مقدمو الرعاية الصحية في زمن الأوبئة يكونون هم المنقذ بعد الله -عز وجل- لهؤلاء المرضى الذين أصبح الاقتراب منهم خطرًا على حياة الشخص؛ بسبب إمكانية انتقال العدوى له؛ فحتى أقرب الناس إليهم لا يمكنهم الاقتراب منهم خوفا على حياتهم. وعندما يزيد عدد الحالات التي تحتاج إلى رعاية صحية، وتكون هذه الزيادة فوق القدرة الاستيعابية للمؤسسات الصحية, التي عادة ما تعاني من نقص في الكوادر البشرية في ظروفها الطبيعية, يبرز دور أبطال مقدمي الرعاية الصحية في تصديهم لهذه الحالات, وتعريض أنفسهم للخطر من أجل إنقاذ حياة البشر وتخفيف آلامهم.
واجب نبيل
ويدرك مقدمو الرعاية الصحية أنهم إذا ما تأخروا عن واجبهم النبيل لأي سبب كان في هذه المحنة, فهذا يعني فقد مزيد من أرواح البشر؛ لذلك التزامهم الأخلاقي من أجل المريض يجعلهم يعملون دون كلل أو ملل غير ناظرين لوقت بدء العمل أو انتهائه, ولا فرق عندهم بين أيام الأسبوع، والليل والنهار عندهم سواء, ويتركون منازلهم وأطفالهم في حفظ ربهم، ولا يعودون لها إلا لاستراحة مقاتل؛ ليستأنفوا بعدها معركة جديدة مع المرض, تاركين كل ما يمكن أن يأخذهم بعيدًا عن مرضاهم الذين ينتظرونهم بصبر نافذ؛ ليخففوا عنهم معاناتهم مع المرض.
التزام أخلاقي
إنَّ ما يقوم به هؤلاء الأبطال في زمن الأوبئة لا يمكن أن ينظمه أي قانون، وإنما دافعهم له بعد رضاء الله -عزوجل- هو التزامهم الأخلاقي, ورغبتهم في إنقاذ النفس البشرية التي درسوا وأقسموا برب السماء على بذل ما بوسعهم لإنقاذها؛ فلهم منا جميعا كل الاحترام والتقدير، حفظ الله الجميع من كل الأمراض وشر الأوبئة.
لاتوجد تعليقات