شباب تحت العشرين 1319
أخلاق تصنع الشباب
ليست الأخلاق في الإسلام جانبًا ثانويًا في شخصية المسلم، ولا مظهرًا تكميليًا يمكن الاستغناء عنه؛ بل هي جزء أصيل من الإيمان، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا»، وقد يملك الشاب علمًا واسعًا، أو ذكاءً لافتًا، أو مهارة عالية؛ لكنه إذا افتقد الصدق والأمانة والحياء وحسن المعاملة، فقد خسر جانبًا عظيمًا من قيمته وتأثير؛ فالأخلاق هي التي تحرس العلم من الغرور، والقوة من الظلم، والنجاح من الكبر، والعلاقات من الأنانية.
من أهم الأخلاق التي يحتاج إليها الشباب: الصدق في القول والعمل، والأمانة في الدراسة والوظيفة والعلاقات، والحياء الذي يحفظ الإنسان من القبيح، وبر الوالدين، وحفظ اللسان، والتواضع، والوفاء، والعفو، وضبط النفس عند الغضب، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، فالقوة الحقيقية ليست في الانتصار على الآخرين، بل في الانتصار على الهوى والغضب والكبرياء. وفي المقابل، هناك أخلاق ينبغي للشاب أن يحذر من تسللها إلى شخصيته، مثل الكذب، والغش، والسخرية، والحسد، والكبر، والغيبة، والنميمة، والعقوق، والبذاءة، والخيانة، والتنمر، ونشر أسرار الناس، فهذه الأخلاق قد تبدأ بتصرف صغير، ثم تتحول مع التكرار إلى عادة، ثم تصبح جزءًا من الشخصية، وتزداد أهمية الأخلاق اليوم مع اتساع حضور الشباب في وسائل التواصل؛ فالكلمة المكتوبة مسؤولية، والتعليق مسؤولية، وإعادة نشر الإشاعة مسؤولية، والسخرية من الآخرين خلف الشاشة لا تختلف في حقيقتها عن الإساءة إليهم في الواقع؛ ولذلك فالأخلاق التي نتحلى بها أمام الناس ينبغي أن تصحبنا أيضًا في العالم الرقمي. إن الشاب صاحب الخلق لا يقاس فقط بما يحققه من نجاح، بل بما يتركه من أثر حسن فيمن حوله؛ فالمال قد يذهب، والشهرة تنتهي، والمناصب تتغير، لكن أثر الصدق والوفاء والرحمة وحسن المعاملة يبقى في القلوب؛ لذلك لا تسأل نفسك فقط: ماذا تعلمت؟ وماذا حققت؟ بل اسأل أيضًا: أي إنسان أصبحت؟الأمانة خُلُق يصنع الثقة
الأمانة من أعظم الأخلاق التي يبني بها الشاب شخصيته ومكانته بين الناس؛ فهي ليست مجرد حفظ مال أو رد وديعة، بل خُلُق واسع يشمل علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالآخرين، ويدخل فيها أداء الحقوق والواجبات، وحفظ الأسرار، والوفاء بالعهود، وإتقان العمل، وقد عظّم الله شأن الأمانة فقال -سبحانه-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58)، وجعل أداءها من صفات المؤمنين فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المؤمنون: 8)، وحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخيانة فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».حُسْن الخلق قوة وليست ضعفًا
يظن بعض الشباب أن الهدوء ضعف، وأن الاعتذار هزيمة، وأن العفو عجز، وأن رفع الصوت دليل قوة؛ بينما الأخلاق الحقيقية تحتاج إلى قوة داخلية كبيرة، أن تملك القدرة على الرد ثم تختار الكلمة الطيبة قوة، وأن تغضب ثم تضبط نفسك قوة، وأن يسيء إليك أحد فلا تسمح لإساءته أن تحولك إلى نسخة منه قوة؛ فالقوي حقًا ليس من يستطيع الانتصار على الآخرين دائمًا، وإنما من يستطيع الانتصار على غضبه وهواه وكبريائه.
الصدق رأس مالك الحقيقي
الصدق من أعظم الأخلاق التي ينبغي أن يتربى عليها الشاب؛ فهو أساس الثقة، وعنوان سلامة القلب واستقامة الشخصية، وقد تنقذك الكذبة من موقف عابر، لكنها قد تهدم في لحظات ثقة بُنيت في سنوات، أما الصدق فقد يكون ثقيلًا في بعض المواقف، لكنه يمنحك ما هو أثمن: ثقة الناس ورضا الله وطمأنينة النفس، وقد أمر الله -تعالى- المؤمنين بالصدق وملازمة أهله، فقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119)، وقال -تعالى- مبينًا ثمرة الصدق: {يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} (المائدة: 119)، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الصدق طريقًا إلى البر والجنة، فقال: «عليكم بالصدق› فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا»، وفي المقابل حذر من الكذب؛ لأنه يجر صاحبه من خطأ إلى آخر حتى يصبح الكذب خُلُقًا ملازمًا له، والصدق لا يقتصر على الكلام، بل يشمل حياتك كلها؛ فكن صادقًا في وعودك، ودراستك، وعملك، وصداقاتك، ومعاملاتك، ولا تغش لتنجح، وكن صادقًا مع الله، وصادقًا مع نفسك، وصادقًا مع الناس؛ فالصدق منهج حياة يبني شخصيةً واضحةً مستقيمة، يطمئن إليها الناس، ويرضى عنها الله.سلامة الصدر واللسان
قال الشيخ عبدالرزاق عبد المحسن البدر: إنَّ من سمات المؤمنين العظيمة وصفاتهم الكريمة الدالة على كمال إيمانهم وتمام دينهم ونُبل أخلاقهم: سلامة صدورهم وألسنتهم تجاه إخوانهم المؤمنين؛ فليس في قلوبهم حسد أو غِلّ أو بُغض أو ضغينة، وليس في ألسنتهم غيبة أو نميمة أو كذب أو وقيعة، بل لا يحملون في قلوبهم إلا المحبة والخير والرحمة والإحسان والعطف والإكرام، ولا يتلفظون بألسنتهم إلا بالكلمات النافعة والأقوال المفيدة والدعوات الصادقة .
احترم والديك مهما كبرتَ
من الأخطاء التي قد يقع فيها بعض الشباب أن يظن أن استقلاله وكبر سنه يسمحان له بأن يتحدث مع والديه بالطريقة التي يشاء، لكن الله -تعالى- قال: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}. قد تختلف مع أبيك، وقد لا تقتنع برأي أمك، لكن الاختلاف لا يلغي الأدب، تستطيع أن تناقش دون أن ترفع صوتك، وأن تعتذر عن تنفيذ ما لا تستطيع دون إساءة، وأن تتمسك برأيك دون أن تهدم جدار الاحترام، وتذكر أن من أجمل علامات نضج الإنسان أن يزداد برا بوالديه كلما تقدم به العمر.أخلاق سيئة احذر أن تتسلل إليك!
هناك أخلاق سيئة قد تبدأ صغيرة ثم تصبح جزءًا من الشخصية إذا لم يقاومها الإنسان، مثل: الكذب، والغش، والغيبة، والنميمة، والسخرية، والحسد، والكبر، والعقوق، والبذاءة، والخيانة، وإخلاف الوعد، وسوء الظن، والتجسس، والظلم، والتنمر، والشماتة، ونشر أسرار الناس؛ فلا تتعامل معها باعتبارها عادات بسيطة؛ فالخلق السيئ إذا تكرر أصبح عادة، والعادة إذا استقرت أصبحت جزءًا من الشخصية؛ ولهذا راقب نفسك من البدايات، وعالج الخطأ قبل أن يتحول إلى طبع يصعب تغييره.الصلاة ميزان الإيمان
الصلاة ميزان الإيمان وعلى حسب إيمان العبد تكون صلاته وتتم وتكمل؛ فإذا صلحت صلح له سائر عمله، وإذا فسدت فسد سائر عمله، وهي محك دقيق يستطيع المرء أن يزن نفسه وغيره من خلال حظه منها واهتمامه بها، وهي مرآة حال العبد ومدى عظمة دين الله في قلبه، ومن ضيعها فهو لما سواه أضيع، وهي المقياس الصحيح لمتانة دين الرجل ومكانته في الإسلام وحظه ونصيبه منه.أعظم ما يبنيه الإنسان
الشباب مرحلةُ بناء وتكوين، وأعظم ما يبنيه الإنسان فيها ليس مستقبله العلمي والمهني فحسب، بل شخصيته وقيمه وأخلاقه التي سترافقه وتصنع أثره طوال حياته.
لاتوجد تعليقات