رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 17 أغسطس، 2026 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة .. دُعاة التوحيد ومواجهة بدعة الخروج الدعوي!

  • كلما كانت الدعوة إلى الله محكومة بالشرع وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم- وقائمة على العلم والبصيرة والحكمة كانت أعظم أثرًا وأبعد عن الانحراف والغلو
  • من المهم التفريق بين وسائل الدعوة المتجددة وبين تقييد العبادة بهيئة أو زمن أو عدد معين على وجه الالتزام دون دليل شرعي
  • معيار الحقّ ليس كثرة الأتباع ولا انتشار الطريقة ولا طول الممارسة وإنما موافقة الحق والدليل
  • الدعوة إلى الله لا يكفي فيها حسن النية والحماس، بل لا بد أن تقوم على العلم والبصيرة
 

شهدت الساحة الدعوية في الكويت -في مراحل سابقة- انتشار بعض الأساليب الدعوية التي تقوم على ما عُرف بـ«الخروج للدعوة إلى الله»؛ حيث تخرج مجموعات من الدعاة ويمكثون في المساجد مددًا محددة؛ كثلاثة أيام، أو أسبوع، أو أربعين يومًا، وربما امتد الخروج إلى أشهر عدة، داخل البلاد أو خارجها، بل وقد شارك بعض المنتسبين إلى العمل الدعوي في هذه الممارسات في مراحل مبكرة، قبل أن تتضح لهم أقوال أهل العلم ومناقشاتهم حول مشروعية تخصيص الدعوة بهذه الهيئات والأزمنة.

       لا خلاف في أن الدعوة إلى الله من أجلِّ القربات وأعظم الطاعات، وقد أمر الله -تعالى- بها فقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، وقال -سبحانه-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (يوسف: 108)، فالدعوة إلى الله أصل شرعي ثابت، وهي سبيل الأنبياء وأتباعهم، لكن شرف الغاية لا يعني أن كل وسيلة أو هيئة تُجعل للدعوة تكون مشروعة بمجرد حسن القصد؛ بل لابد من مراعاة الضوابط الشرعية، ولا سيما إذا اتخذت الوسيلة صفة التعبد والالتزام.

الوسائل المباحة

       ومن المهم التفريق بين الوسائل والأساليب المتجددة التي تخدم الدعوة، وبين تقييد العبادة بهيئة أو زمن أو عدد معين على وجه الالتزام من غير دليل؛ فالاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة، وتنظيم الدروس والمحاضرات، وطباعة الكتب، وإقامة البرامج الدعوية؛ كلها وسائل يتسع فيها الاجتهاد ما دامت منضبطة بالشرع. أما أن يُجعل للخروج الدعوي مُدد محددة؛ كثلاثة أيام، أو أربعين يومًا، أو أربعة أشهر، وأن تتحول هذه المدد إلى منهج ملازم للدعوة يتقرب به إلى الله، فهنا وقع الخلاف والنقد من عدد من أهل العلم؛ لأن تخصيص القربات بزمان أو عدد أو هيئة على وجه التعبد يحتاج إلى دليل.

العلماء ومناقشة «الخروج الدعوي»

       تناول عدد من علماء العصر هذه القضية بالنقد والبيان، ومن أبرزهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، الذي انتقد تخصيص الدعوة بهذه الكيفيات والمدد، ورأى أن أصل الدعوة مشروع، لكن جعلها في صور وأعداد وأزمنة محددة على وجه الالتزام يحتاج إلى دليل شرعي. كما كتب الشيخ حمود التويجري -رحمه الله- في نقد بعض المناهج والممارسات المرتبطة بهذه الجماعات، وعُرضت مسائلها على عدد من كبار أهل العلم، ومنهم الشيخ عبدالعزيز ابن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمهما الله.- وقد اختلفت مناهج العلماء في التعامل مع هذه الجماعات وبعض ممارساتها؛ فمنهم من غلَّب جانب التحذير من الأخطاء والمحدثات، ومنهم من رأى إمكان المناصحة والتوجيه وتصحيح المخالفات بضوابط شرعية، ولذلك فإن الإنصاف العلمي يقتضي نسبة كل قول إلى صاحبه بدقة، وعدم جعل مواقف العلماء جميعًا في مرتبة واحدة.

جهود علمية في الساحة الكويتية

       كما شهدت الكويت على مدى سنوات جهودًا علمية ودعوية في بيان السُنَّة في أبواب الدعوة والعبادة، والتحذير مما يرى العلماء أنه مخالف للهدي النبوي، وكان من صور ذلك مناقشة ظاهرة مكوث بعض الجماعات في المساجد أيامًا متتابعة، واتخاذ المسجد مكانًا للنوم والطعام والاجتماعات، ثم إلقاء الكلمات والمواعظ بعد الصلوات ضمن برنامج دعوي محدد. وقد أسهم الطرح العلمي والدروس والفتاوى والكتابات في زيادة الوعي بهذه المسائل، وفي التأكيد على ضرورة أن تكون المساجد مصونة، وأن تخضع الأنشطة المقامة فيها للضوابط الشرعية والتنظيمية المعتمدة.

الدعوة لا تقوم على الحماس وحده

         ومن الدروس المهمة التي ينبغي تأكيدها أن الدعوة إلى الله لا يكفي فيها حسن النية والحماس، بل لا بد أن تقوم على العلم والبصيرة، كما قال -تعالى-: {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} (يوسف: 108)؛ فالداعية يحتاج إلى العلم بما يدعو إليه، ومعرفة السُنَّة، وفقه أحوال المدعوين، والحكمة في مخاطبتهم؛ حتى لا تتحول الدعوة إلى كلمات عامة تفتقر إلى التأصيل، أو إلى تعصب لجماعة أو منهج أو نشاط بعينه، والدعوة الحقة إنما تدعو الناس إلى الله ورسوله، وتربطهم بالكتاب والسُنَّة، ولا تجعل الولاء للأسماء أو الجماعات أو البرامج مقدَّمًا على الدليل الشرعي.

خير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -

       إن أعظم ما ينبغي أن تستحضره الحركات والجماعات والمؤسسات الدعوية أن الغاية المشروعة لا تُصحح كل وسيلة، وأن باب الدعوة إلى الله، مع سعته وتنوع وسائله، يجب أن يبقى محكومًا بأصول الشريعة وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلما كانت الدعوة أقرب إلى الكتاب والسُنَّة، قائمة على العلم والبصيرة والحكمة، كانت أرجى للقبول وأعظم أثرًا وأبعد عن الانحراف والغلو، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن خيرَ الحديثِ كتابُ اللهِ وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وشرَّ الأمورِ محدثاتُها وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»، فالمعيار ليس كثرة الأتباع، ولا انتشار الطريقة، ولا طول الممارسة، وإنما موافقة الحق والدليل.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك