رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عمرو علي 17 أغسطس، 2026 0 تعليق

حينما تصبح الكلمة قوة تصنع الإنسان ..الإعلام وصناعة القيم بين البناء والهدم

  • من أخطر مظاهر الخلل الإعلامي تقديم المشاهير على القدوات وربط النجاح بالشهرة والثروة بدلًا من العلم والعمل والنفع
  • الإعلام قوة مؤثرة في صناعة القيم والاتجاهات وشريك في تكوين الوعي والسلوك
  • الكلمة أمانة ومسؤولية شرعية تزداد كلما اتسعت دائرة التأثير
  • الإعلام أداة للبناء أو الهدم فيمكنه نشر العلم والفضيلة وتصحيح المفاهيم كما يمكنه تطبيع المنكر وإضعاف القيم
  • الإعلام المسؤول يقوم على الصدق والتثبت والعدل والإنصاف مع صيانة الأعراض والخصوصيات
  • المجتمع بحاجة إلى إعلام أكثر وعيًا وصدقًا ونفعًا يقدم بناء الإنسان وحماية هويته على الإثارة والشهرة
 

لم يعد الإعلام في عصرنا مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو نافذة يطالع منها الإنسان ما يجري حوله فحسب؛ بل تحوّل إلى قوة ناعمة مؤثرة في تكوين العقول وصناعة الاتجاهات وإعادة صياغة المفاهيم، حتى غدا أحد أبرز العوامل التي تسهم في بناء منظومة القيم أو هدمها، ومع الانتشار الواسع للقنوات الفضائية ومنصات التواصل وتطبيقات البث الرقمي، أصبحت الرسالة الإعلامية ترافق الإنسان في تفاصيل يومه، ومنحت الإعلام قدرة غير مسبوقة على التأثير في أنماط التفكير والسلوك.

       كانت المجتمعات قديمًا تستقي قيمها أساسًا من الأسرة والمدرسة والمسجد ومجالس العلم، لكن المشهد اليوم أصبح أكثر تعقيدًا؛ إذ يشارك الإعلام بقوة في تحديد معايير النجاح وصناعة القدوات وتوجيه الرأي العام وإعادة تشكيل المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية. ومن هنا لم يعد السؤال: هل يؤثر الإعلام؟ بل: أي قيم يصنعها الإعلام؟ وإلى أي اتجاه يقود المجتمع؟

الكلمة في الإسلام أمانة ومسؤولية

       أولت الشريعة الإسلامية الكلمة عناية بالغة؛ لأنها أداة لبناء الإنسان ونقل الأفكار وترسيخ القيم وصناعة القناعات، قال -تعالى-: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18)، وقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} (الأحزاب: 70)؛ فالكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، وإنما أمانة ومسؤولية، قد تكون سببًا في هداية الناس وإصلاح المجتمعات أو في تضليلهم وإفسادهم. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليَصمُتْ»، كما قال: «إنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن رِضوانِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يَرفَعُه اللهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن سَخَطِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يَهوي بها في جَهَنَّمَ»، ومن ثم فإن الإعلامي والكاتب وصانع المحتوى وكل صاحب منصة يدخل في دائرة هذه المسؤولية، وكلما اتسعت دائرة تأثيره عظمت أمانته. ومن أصول هذه المسؤولية التثبت من الأخبار، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات: 6)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»؛ فالسبق في نقل الخبر لا يسوغ التفريط في صحته وعدالة عرضه.

الإعلام مهندس القيم وصانع الاتجاهات

       تكمن قوة الإعلام في أنه لا يفرض أفكاره بالقوة؛ وإنما يتسلل إلى العقول والقلوب عبر التكرار والإقناع والإبهار؛ حتى تصبح الفكرة مألوفة، ومقبولة، وقد تتحول مع الزمن إلى سلوك؛ فالرسائل الإعلامية المتراكمة تؤثر في ترتيب الأولويات وتحديد معايير النجاح والفشل والخير والشر. وكم من خُلُق كريم ازداد حضورًا بسبب حملات إعلامية واعية، وكم من سلوك منحرف وجد طريقه إلى النفوس لأنه قُدم في صورة جذابة أو رُبط بالشهرة والنجاح، ومن هنا تظهر الحاجة إلى إعلام يكرر معاني الخير، ويغرس معاني الصدق والأمانة والعفة والرحمة والتعاون، ويقدم نماذج تستحق أن تكون قدوة للأجيال.

الإعلام بين البناء والهدم

       إذا سُخر الإعلام لبناء الإنسان فإنه يصبح شريكًا في نشر العلم النافع وتصحيح المفاهيم ومواجهة الشبهات وغرس قيم الصدق والعدل والرحمة والانتماء والعمل والإحسان، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن دَلَّ على خَيرٍ فله مِثلُ أجرِ فاعِلِه»، ومن أعظم صور البناء الإعلامي اليوم إبراز النماذج الناجحة في العلم والدعوة والإحسان، حتى يدرك الشباب أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين، وإنما بمقدار النفع الذي يقدمه الإنسان لأمته ومجتمعه. وفي المقابل، إذا فقد الإعلام رسالته وانفصل عن القيم، تحول إلى أداة هدم للمبادئ والعقول. ومن أخطر صور ذلك تطبيع المنكر بالتكرار، وإعادة تعريف المفاهيم؛ فتجعل الشهرة معيارًا للنجاح، والثروة مقياسًا للقيمة، واللّهو غاية للحياة، مع تغييب معايير العلم والعمل الصالح والتقوى والإحسان. ومن أخطر ما يصنعه الإعلام المنحرف غير أنه يعيد تعريف المفاهيم؛ وإنه يغيب المعايير التي جاء بها الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)، فالتفاضل في ميزان الإسلام لا يكون بالصورة، ولا بالمظهر، ولا بعدد المتابعين، وإنما بما يحمله القلب من إيمان، وما يقدمه الإنسان من عمل صالح.

الإعلام الرقمي بين الحرية والفوضى والشائعات

          ضاعفت وسائل التواصل الاجتماعي حجم التأثير الإعلامي، حتى أصبح كل مستخدم قادرًا على أن يكون ناشرًا ومؤثرًا، وقد أتاح ذلك فرصًا واسعة لنشر الخير، لكنه فتح في الوقت نفسه أبوابًا للشائعات والتضليل وبث الكراهية وانتهاك الخصوصيات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6)، فالتثبت ليس واجبًا على الإعلامي وحده، بل على كل من يتلقى خبرًا أو يعيد نشره، لأن ضغطة زر قد تنقل كذبة إلى ملايين الناس، وقد تسيء إلى فرد أو مؤسسة أو مجتمع بأكمله. وقد حذرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من انتهاك الخصوصية وتتبع العورات قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يا مَعْشَرَ مَن آمن بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم، فإنه مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه». والشائعة ليست مجرد مشكلة إعلامية، بل خطر أخلاقي واجتماعي وأمني؛ تزعزع الثقة وتزرع الخوف وقد تظلم الأبرياء وتفسد العلاقات؛ لذلك لا يجوز للمسلم أن يكون أداة لنشر كل ما يصل إليه، بل يتحقق من صحته وينظر في عواقب نشره، ومن هنا أصبح الوعي الإعلامي ضرورة؛ لتمييز الحقيقة من الدعاية، والخبر من الرأي، والنقد من الإساءة، والحرية من الفوضى.

ضوابط الإعلام في ميزان الإسلام

       قرر الإسلام جملة من المبادئ التي تمثل أساسًا للإعلام المسؤول، مهما اختلفت وسائله وتطورت تقنياته. وفي مقدمتها الصدق؛ فهو روح الرسالة الإعلامية ورأس مال من يخاطب الناس، ثم التثبت من الأخبار، فلا يكون السبق مبررًا لنشر الشائعات أو المعلومات غير الموثوقة. ومن الضوابط كذلك العدل والإنصاف، فلا يحمل الاختلاف على الظلم أو التشويه أو بتر الحقائق، قال -تعالى-: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة:8) كما يقرر الإسلام صيانة الأعراض والخصوصيات، ويحرم التجسس وتتبع العورات أو استغلال مآسي الناس وأخطائهم لتحقيق الإثارة ونسب المشاهدة.

مسؤولية مشتركة نحو إعلام يبني القيم

       بناء القيم مسؤولية جماعية لا يستطيع الإعلام أو الأسرة أو المدرسة أو المسجد أن ينهض بها منفردًا. فالأسرة تغرس الإيمان والأخلاق، والمدرسة تعزز العلم والانضباط، والمسجد يزكي النفوس، والإعلام يرسخ هذه المعاني أو يضعفها بما يقدمه من رسائل ومضامين. ومن ثم فإن التكامل بين هذه المؤسسات ضرورة لحماية الأجيال من الرسائل المتناقضة. ويتطلب بناء إعلام يصنع القيم تقديم القدوات الحقيقية، وإنتاج محتوى جذاب يحمل رسالة نافعة، ورفع الوعي الإعلامي لدى الشباب، وتنمية التفكير النقدي والتثبت، وتأهيل الإعلاميين وصناع المحتوى لاستشعار مسؤوليتهم المهنية والشرعية.

تشويه الحق سلاح قديم بثوب جديد

         ليست محاولات تشويه الحقائق وليدة العصر الحديث؛ فقد استخدمت قريش الحرب الإعلامية بلغة عصرها في مواجهة دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فألصقت به تهم السحر والجنون والشعر والكهانة، وحاولت صرف الناس عن سماع القرآن. قال -تعالى-: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت: 26). ومن الشواهد قصة الطفيل بن عمرو الدوسي -رضي الله عنه-؛ إذ حذرته قريش من الاستماع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم اكتشف بنفسه زيف دعايتها، فاستمع إلى القرآن وأسلم. وفي ذلك شاهد على أن التضليل يسعى إلى حجب الحقيقة قبل مناقشتها بالحجة.
  • وعلى كل إعلامي وكاتب وصاحب منصة أن يستحضر أن كلمته شاهدة له أو عليه؛ فإذا كانت كلمة حق وإصلاح وهداية كانت من خير ما يدخره، وإن كانت تضليلًا أو إفسادًا كانت وبالًا عليه. وإذا كانت الجيوش تحمي الحدود، فإن الإعلام الواعي الصادق يحمي العقول، وصلاح العقول من أهم أسس صلاح المجتمعات.

الكلمة أمانة..

        لما كانت الكلمة قد تبني أمة وقد تهدم حضارة، جعل الإسلام مسؤوليتها أمانة يحاسب عليها الإنسان، ورسخ لها أصولًا من الصدق والتثبت والعدل وصيانة الأعراض. وهذه المبادئ ضمانات لحماية المجتمعات من الفوضى الفكرية والتضليل الإعلامي والانهيار القيمي، قال تعالى {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كُلُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ حَرامٌ؛ دَمُه، ومالُه، وعِرضُه. إن الحاجة اليوم ليست إلى إعلام أكثر سرعة، وإنما إلى إعلام أكثر وعيًا، ولا إلى منصات أكثر انتشارًا، وإنما إلى رسائل أكثر صدقًا ونفعًا. فإذا أدى الإعلام رسالته بأمانة أصبح شريكًا في بناء الإنسان وتعزيز الهوية وترسيخ الفضيلة، وإذا انشغل بالإثارة على حساب الحقيقة والشهرة على حساب المسؤولية تحول إلى معول يهدم القيم ويزعزع الثوابت.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك