رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 17 أغسطس، 2026 0 تعليق

بداية الرّحلة..

- فترة مكث الإنسان في الدنيا قصيرة، وإن طالت، ومازالت تقصر، حتى أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن متوسطها، بين الستين والسبعين، مع أن أعمار الأمم قبلنا نجزم أنها كانت تصل إلى قرابة الألف سنة! ومع ذلك فهي قصيرة: كما قال تعالى:{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (المؤمنون). {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} (طه). كنت وصاحبي في طريقنا إلى المقبرة، نشهد جنازة شاب من رواد المسجد أصابته نوبة قلبية أثناء خطبة الجمعة، نقل على إثرها إلى المستشفى مكث ثلاثة أيام في العناية المركزة، توفي بعدها عن سبع وثلاثين سنة! - هنيئا له، توفي طاهرا حاضرا الجمعة، والإمام يخطب من علامات حُسن الخاتمة، نسأل الله له الرحمة والمغفرة والفوز بالجنة. - وفي هذا عبرة لمن يعتبر؛ فالإنسان تبدأ حياته، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة على مرحلتين مخلقة وغير مخلقة، ثم تتكون العظام فيكسوها اللحم ثم يخرج طفلا، ثم يبلغ أشده وقد يموت وقد يمتد به العمر، حتى لا يعلم بعد علم شيئا! هذه قصة الحياة البيولوجية للإنسان وليست العبرة في هذه الحياة البيولوجية؛ بل في الحياة التكليفية، منذ البلوغ وإلى الممات، وهي قصيرة مهما طالت، كما قلنا كثير من الناس يُعد الآيات والأحاديث التي وردت في بيان خلق الإنسان من الإعجاز العلمي للقرآن. - نعم، هو كذلك؛ لأنه جاء بأدق التفاصيل قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، وذكر أمورًا لم يكتشفها البشر إلا منذ مائة عام! مثلا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك؛ فيؤمر بأربع كلمات، فيقول: اكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أم سعيد» (صحيح ابن ماجه). عقب صاحبي: - لستُ متخصصا، ولا دراية عندي بالطب ولكن دعنا نبحث عن مراحل تطور خلق الإنسان طبيا،  بدأ صاحبي يبحث في هاتفه: - هل تدري أن الأطباء يستخدمون عدد الأسابيع في قياس نمو الجنين؛ فيقول: إن الحمل الكامل يمتد إلى 40 أسبوعا، وإذا علمنا أن الشهر القمري 28 يوما أي أربعة أسابيع؛ فيكون الحمل، عشرة أشهر قمرية إلا قليلا،  بدأ صاحبي يقرأ من الصفحة التي حصل عليها عن طريق الذكاء الاصطناعي (AI). - الأسبوع الأول إلى الرابع تبدأ البويضة المخصّبة بالانقسام وتزداد عدد الخلايا حتى تصبح كرة لا يزيد قطرها عن (ربع ملم) وتلتصق بجدار الرحم وفي آمن مكان فيه (الجزء العلوي والخلفي)، {ثم جعلناه نطفة في قرار مكين}، وفي الأسبوع الرابع يظهر نبض القلب. - الأسبوع الخامس إلى الثامن تتكون الأعضاء: القلب، والدماغ والحبل الشوكي، ويصبح طول الجنين (1.6) سم. - الأسبوع التاسع إلى الثاني عشر، تتكون الأعضاء الأساسية وتظهر الأصابع. - الأسبوع الثالث عشر إلى السادس عشر، تنمو العظام ويبدأ السمع. - الأسبوع السابع عشر إلى العشرين، يتكون الشعر والأظافر ويتبين نوع الجنين. - الأسبوع الحادي والعشرون إلى السادس والعشرين يفتح عينيه، ويتفاعل مع الصوت وتتكون الرئة. - الأسبوع السابع والعشرون إلى الحادي والثلاثين، يزيد وزنه إلى 1.5 كجم ويغير وضعياته. - الأسبوع الثاني والثلاثون إلى السادس والثلاثين، يصبح وزنه 2.3 كجم ويستقر رأسه بالأسفل. - الأسبوع السابع والثلاثون إلى الأربعين، يكمل وزنه، ويجهز للخروج. - أنا لا أنظر إلى الموضوع من هذه الزاوية، ولكن من زاوية العقيدة، أعني الآيات التي فيها خلق الإنسان، مثل قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} (الحج:5). وقوله -تعالى-: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} (المؤمنون)، هذه الآيات، تذكر خلق الإنسان، وأن الذي خلقه أول مرة قادر على أن يرجعه مرة أخرى {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}، وفترة الحياة المعتبرة للإنسان هي سنوات التكليف، منذ البلوغ إلى الممات، دخل وقت العصر ونحن لا زلنا بعيدين عن المقبرة. - اطمئن؛ ففي المسجد الملاصق للمقبرة يؤخرون صلاة العصر إلى 45 دقيقة بعد الأذان، وسندرك الصلاة والجنازة -إن شاء الله-. سأل صاحبي: - المرء الذي يعيش ثلاثين سنة، حسابه يكون على ما عمل في سبع عشرة سنة، ومن عاش إلى السبعين يحاسب على ما عمل في سبع وخمسين سنة، كأن الثاني كانت له فرصة أكبر!..  قالها مازحا. - كلا، إن الله -سبحانه وتعالى- (لا يظلم أحدا)، أمرنا أن نتبع أوامره من البلوغ إلى الممات، وأخفى عنا موعد الموت، ربما يكون الذي مات في الثلاثين وكان صالحا، ولو عمرّ لفسد حاله؛ فموته في الثلاثين خير له، ومن عمرّ إلى السبعين ربما كان فاسدا في شبابه، لعله يتوب إلى الله مع نهاية عمره، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله حتى بلغه ستين سنة» (البخاري)؛ فالعبد لا يدري، وليس له عذر عند الله -تعالى؛- فعليه أن يلتزم شرع الله، منذ البلوغ، وإلى الممات، وليعلم أن كل يوم في الحياة فرصة له، للاستزادة من الطاعات والإقلاع عن المحرمات؛ فهذا (حساب) على كل عمل، إن خيرا فخير، وإلا فلا يلومن إلا نفسه، كما قال -تعالى- في الحديث القدسي: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (مسلم).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك