طريقك … من الثانوية إلى الجامعة
- مرحلةُ الانتقال من الثانوية إلى الجامعة من أهمِّ محطات العمر وأدقِّ منعطفات المستقبل ففيها تُرسَم الملامح وتُحدَّد الاتجاهات وتُغرَس البدايات
- من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه الطالب في حياته الجامعية اختيارُ الصحبة الصالحة فالصاحب قد يرفع صاحبه أو يرديه ويقوده إلى الخير أو يجرّه إلى الشر
- من أكبر الأخطاء أن يختار الطالب تخصصه بهدف الشهرة أو مسايرةً للأصدقاء أو طلبًا للمكانة الاجتماعية
- من أعظم ما يميِّز الشابَّ المسلم أن يبني شخصيتَه على أصولٍ راسخة وقيمٍ ثابتة يستمدها من كتاب ربِّه وسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -
- الشاب الصالح لا يقف أثره عند حدود نفسه، بل يكون قدوةً في أخلاقه وسلوكه، ويجتنب كل ما يوقع في الباطل أو يزينه أو يعين عليه
- من تمام المسؤولية أن يظل يوثق علاقته بالله -تعالى-، بالمحافظة على الصلاة، والإكثار من الذكر والدعاء، وحسن التوكل والاستعانة به في جميع شؤونه
- المرء يتأثر بصاحبه في أفكاره، وأخلاقه، وسلوكه، وشأنه كله، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصاحب إلا مؤمنًا»، فاحرص على صحبةٍ تزيدك إيمانًا، وترفع همتك، وتعينك على طلب العلم، وحسن الخلق، واستقامة وثبات على الطريق
أولًا: أسس ومبادئ مهمة
1- النية والاستعانة
ما أجمل أن يفتتح المسلم كلَّ أمرٍ بتعليق قلبه بربِّه، وأن يجعل أولى خطواته إلى المستقبل موصولةً به -سبحانه-، وقبل أن يختار الطالب تخصصه الجامعي، ينبغي أن يدرك أن هذا القرار ليس مجرد انتقالٍ إلى مقاعد الدراسة، ولا اختيارًا لمسارٍ مهني فحسب، بل هو عبادةٌ إذا أُخلصت فيها النية، وقُصد بها وجه الله -تعالى-، فليجعل غايته من طلب العلم نفعَ دينه، وخدمةَ وطنه، والإحسانَ إلى مجتمعه، وبذل الخير للمسلمين، لا مجرد شهادةٍ تُعلَّق، أو منصبٍ يُنال، أو مكسبٍ يفنى بزوال الدنيا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فبصلاح النية تتحول ساعات الدراسة، ومشقة التحصيل، وطول المثابرة، إلى رصيدٍ من الحسنات وأجرٍ لا ينقطع. ومع إخلاص النية، ينبغي أن يكون القلب معلَّقًا بالله، مستعينًا به، مفوضًا الأمر إليه، مكثرًا من الدعاء والاستخارة، مع الأخذ بالأسباب، واستشارة أهل الخبرة والرأي؛ فإن التوفيق بيد الله وحده، قال -تعالى-: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود: 88)، وقال -سبحانه-: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38)، فمن جمع بين إخلاص النية، وصدق التوكل، وحسن المشورة، وبذل الأسباب، بورك له في اختياره، وجعل الله رحلته العلمية طريقًا إلى الأجر، وسببًا لعمارة الأرض، وخدمة الخلق، والفوز برضوانه -سبحانه-.
2- اعرف نفسك قبل أن تختار تخصصك
من أعظم الأخطاء أن يجعل الطالب اختياره لتخصصه الجامعي تابعًا لشهرةٍ رائجة، أو مسايرةٍ للأصدقاء، أو سعيًا وراء مكانةٍ اجتماعية، وهو يغفل عن حقيقة نفسه، وما أودعه الله فيه من قدراتٍ وميولٍ واستعدادات؛ فإن النجاح لا يصنعه بريق التخصصات، وإنما تصنعه ملاءمة التخصص لصاحبه، وقد راعى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأصل العظيم، فكان يضع كلَّ إنسانٍ في الموضع الذي يلائمه، ويختار لكل مهمةٍ من هو أقدر عليها، وربما صرف بعض أصحابه عن عملٍ طلبوه؛ لأن غيرهم أصلح له، أو لأنهم لا يحسنونه، فدلَّ ذلك على أن مراعاة الفروق الفردية من دلائل الحكمة، وأسباب النجاح. ومن هنا، ينبغي للطالب أن يقف مع نفسه وقفةَ صدقٍ وتأمل، فيتعرَّف إلى مواطن قوته قبل أن يختار طريقه؛ فما المجالات التي يبدع فيها؟ وما المواد التي يجد فيها متعةً وتميزًا؟ وما المهارات التي منحه الله إياها؟ وهل يميل إلى العمل الميداني أم المكتبي، وإلى البحث والتحليل أم إلى التطبيق والتنفيذ؟ فكلما كان الاختيار مبنيًا على معرفة النفس، كان أقرب إلى التوفيق، وأدنى إلى الإبداع، وأبعد عن الندم والإخفاق.3- اجمع المعلومات الصحيحة
ومن الحكمة ألا يبني الطالب قراره على الإشاعات، أو ينساق وراء الانطباعات العابرة، بل يجعل اختياره قائمًا على المعرفة والبحث والتثبت؛ فيتعرف إلى طبيعة الدراسة في كل تخصص، وعدد سنواته، والمهارات التي يتطلبها، ومجالات العمل التي يفتحها، وحجم الفرص المستقبلية في سوق العمل، فكلما اتسعت دائرة المعرفة، كان القرار أقرب إلى الصواب، وأبعد عن الندم؛ إذ لا تُبنى القرارات المصيرية على الظنون، وإنما تُؤسس على البصيرة واليقين. وإذا استوفى الطالب أسباب الاختيار، وبذل جهده في البحث والاستشارة والاستخارة، فلا ينبغي أن يبقى أسير التردد، أو رهين الحيرة؛ بل يعزم أمره، ويتوكل على ربه، قال -تعالى-: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159). فالتردد يبدد الفرص، أما العزم بعد التثبت فهو عنوان النجاح، وسبيل التوفيق.4- لا تجعل المعدل وحده هو معيار الاختيار
لا ينبغي أن يكون المعدّل الدراسي هو الحاكم الوحيد في اختيار التخصص؛ فهو ليس وحده الغاية التي تُقاس بها النجاحات، فكم من طالبٍ ساقه معدله إلى تخصصٍ مرموق لا تميل إليه نفسه، فعاش سنواته بين المشقة والفتور، وربما فارقه قبل أن يبلغ غايته، وكم من آخر اختار تخصصًا يوافق ميوله، ويناسب قدراته، فأبدع فيه، وتميز بين أقرانه، وأثمر علمه نفعًا وإنجازًا. إن النجاح الحقيقي يكمن في اختيار التخصص الذي يوافق الفطرة، ويستثمر الموهبة، وقد اقتضت حكمة الله -تعالى- أن تختلف طبائع الناس، وتتباين قدراتهم، وتتنوع مواهبهم؛ قال -سبحانه-: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} (الزخرف: 32)، فليس الفضل في أن تسلك طريق غيرك، وإنما في أن تحسن السير في الطريق الذي هيأك الله له، وأودع فيك أسبابه.5- راعِ احتياجات المستقبل
نحن نعيش في زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات، فلا يكفي أن تختار ما تحب، ولا أن تتجه إلى ما يطلبه السوق وحده، بل الحكمة أن توازن بين ميولك وقدراتك التي تتميز فيها، وبين احتياجات مجتمعك، فالتخصص الناجح هو الذي يلتقي فيه الطموح بالواقع، فيكون أقرب إلى الاستمرار، وأقرب إلى التميز، وأعظم أثرًا في خدمة الدين والوطن والمجتمع. وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المنهج الجامع بقوله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، ففي هذا التوجيه النبوي دعوةٌ إلى تحرِّي كل ما يحقق النفع الحقيقي، وبذل الأسباب المشروعة، مع الاستعانة بالله، فمن أحسن الموازنة بين رغباته، وإمكاناته، ومتطلبات عصره، كان اختياره أقرب إلى الصواب، وخطواته أقرب إلى النجاح والتوفيق.6- الشورى مفتاح حسن الاختيار
أمر الله -تعالى- نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، مع كمال عقله، ووحي ربه، فكيف بمن دونه؟! فاحرص على استشارة والديك، ومعلميك، وأهل الاختصاص، وخريجي التخصصات المختلفة من أهل الصلاح والنصح؛ فهم أبصر بطبيعة الدراسة، وأعرف بمتطلبات التخصص، وأدرى بواقع سوق العمل، وقد يختصرون عليك طريقًا طويلًا من التجربة، ويجنبونك كثيرًا من العثرات والأخطاء. ومع ذلك، فلتكن المشورة نورًا يهديك، لا قيدًا يقودك؛ فهي تعين على حسن الاختيار، لكنها لا ترفع عنك مسؤولية القرار، فأنت صاحب الطريق، وأنت من سيعيش ثمرة اختياره، فإذا جمعت بين الشورى، والاستخارة، وحسن النظر، ثم عزمت أمرك، فامضِ متوكلًا على الله، وفوَّض أمرك إليه -سبحانه-.7- الجامعة مصنع لشخصيتك
الجامعة هي بيئة تبنى فيها الشخصيات، وميدانٌ تُكتسب فيه الخبرات، ففي رحابها يتعلم الطالب قبل العلوم مهاراتِ الحياة؛ ويبني علاقاتٍ نافعة، ويتهيأ لتحمل مسؤوليات المستقبل، فاحرص منذ يومك الأول على أن تجعل سنوات الجامعة رصيدًا في العلم، وزادًا في الأخلاق، وتميزًا في المهارة، وإسهامًا في خدمة مجتمعك. وما ذلك إلا لأن الشباب هم عدة الأمم؛ ففي سواعدهم تُبنى الحضارات، وبصلاحهم يصلح حاضر الأمة ومستقبلها، ولذلك أولى النبي -[- الشباب عنايةً عظيمة، ورباهم على معالي الأمور، ولفت أنظارهم إلى شرف هذه المرحلة وعظم مسؤوليتها، فقال - صلى الله عليه وسلم - في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «... وشابٌّ نشأ في طاعة الله». فمن أحسن استثمار سنوات شبابه، وأقبل على العلم والعمل، أسهم في بناء أمته، وفاز بخيري الدنيا والآخرة.
ثانيًا: معالم الثبات والتميز للشباب المسلم
1- الاعتزاز بالهوية الإسلامية
إن أعظم ما يميز الشاب المسلم أن يبني شخصيته على أصولٍ راسخة، وقيمٍ ثابتة، يستمدها من كتاب ربه وسُنَّة نبيه -صلى الله عليه وسلم -؛ وأول تلك المرتكزات الاعتزاز بالإسلام، قال -تعالى-: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، وحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من التشبه بغير المسلمين؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «من تشبه بقوم فهو منهم». ثم إن الشاب الصالح لا يقف أثره عند حدود نفسه، بل يكون قدوةً في أخلاقه وسلوكه، ويجتنب كل ما يوقع في الباطل أو يزينه أو يعين عليه؛ وهكذا يجمع المسلم بين صلاح النفس، وإصلاح الغير، والثبات على الحق، فيكون مباركًا أينما كان، نافعًا لدينه، وخادمًا لمجتمعه.2- الطاعة وحفظ الأوطان
ومن تمام المسؤولية أن يظل يوثق علاقته بالله -تعالى-، بالمحافظة على الصلاة، والإكثار من الذكر والدعاء، وحسن التوكل والاستعانة به في جميع شؤونه، وأن يعرف حق وطنه وولاة أمره، فيلتزم بالطاعة في المعروف، ويلازم مجاهدة النفس على الطاعة وترك المعصية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: « يأتي على الناسِ زمانٌ، الصابرُ فيهِم على دينِه، كالقابضِ على الجَمْرِ»، ويحذر من الانسياق وراء الدعوات التي تستهدف أمن الأوطان واستقرارها.3- الصاحب ساحب
ومن أهم ما ينبغي أن يحرص عليه الطالب في حياته الجامعية اختيارُ الصحبة الصالحة؛ الصاحب قد يرفع صاحبه أو يرديه، ويقوده إلى الخير أو يجرَّه إلى الشر، والصديق الصالح عونٌ على الطاعة، بينما صحبة السوء تزين المعصية، وتجر إلى ما لا تُحمد عقباه. ولذلك حذَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أثر الصاحب في دين الإنسان وخلقه، فقال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، لأن المرء يتأثر بصاحبه في أفكاره، وأخلاقه، وسلوكه، وشأنه كله، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصاحب إلا مؤمنًا»، فاحرص على صحبةٍ تزيدك إيمانًا، وترفع همتك، وتعينك على طلب العلم، وحسن الخلق، واستقامة وثبات على الطريق.
لاتوجد تعليقات