رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 21 يوليو، 2026 0 تعليق

باختصار .. لَا تَنْكُتْ الكنيفَ بِعُود

في تراث العرب حِكمٌ موجزة، وأمثالٌ بالغة، تختزل في ألفاظها القليلة معاني جليلة، ومن أبدعها قولهم: «إِذَا مَرَرْتَ بِكَنِيفٍ فَلَا تَنْكُتْ فِيهِ بِعُودٍ»، والكَنِيف هو موضع الأقذار، والنَكْت بالعود هو تقليب ما فيه وإثارته؛ أي: إذا مررت بما يُتنزَّه عنه، فلا تُحرِّكه، ولا تُثره، بل دعه حيث استقر، وامضِ في سبيلك؛ فإنك إن نبشته، لم تزدْه إلا انتشارًا، وآذيت نفسك قبل غيرك، وهذه الحكمة لا تختص بالأمور الحسيَّة فحسب، بل تمتد إلى الأقوال والمعاني، وآفات القلوب، وأدواء المجتمعات. ومن تأمل هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وجده يُعرض عما لا نفع فيه، ويصدُّ عن كل ما يثير الفتن، ويكره إشاعة الفواحش، وينهى عن تتبع العورات؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ». ومن أبلغ مواقفه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشأن موقفه مع وحشي بن حرب -رضي الله عنه-، قاتلِ عمَّه حمزة -رضي الله عنه-؛ فقد قبِل إسلام وحشيّ، وطوى صفحة ماضيه، وقال له: «غيِّب عني وجهك»؛ لأن رؤيته كانت تجدد ألم فقد عمه، فعاش وحشيّ مسلمًا، وشهد بعد ذلك قتال مسيلمة الكذاب. وكذلك يوم فتح مكة، حين عفا -صلى الله عليه وسلم- عن الذين آذوه، وحاربوه، وأخرجوه، فلم يُحيِ أوجاع الماضي، ولم يُثِر أحقاد السنين، بل دفن بالعفو أسباب الانتقام، وأقام على أنقاضها صرح الصفح والإحسان. وقد وعى السلف الصالح -رضوان الله عليهم- هذه الحكمة، فترجموها سلوكًا قبل أن تكون كلمات؛ فهذا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يقول: «إني لأكره أن يكون لي من أمر الناس ما أفتش به عن عيوبهم»، فكان يأخذ بالظاهر، ويكل السرائر إلى الله، وعبد الله بن المبارك -رحمه الله- يقول: «المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العثرات»، وقال سفيان الثوري -رحمه الله-: «إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له سبعين عذرًا»؛ لأن نبش الزلات يمزق الأواصر، ويورث الضغائن، ويوقظ الفتن. ولا شك أن كثيرًا من مشكلاتنا الاجتماعية لا تنشأ من الخطأ نفسه؛ بقدر ما تنشأ من إحيائه بعد موته، وهتك سياج الستر، واقتحام خصوصيات الناس؛ فالأصل في المسلم صيانة الأستار، فكم من خصومةٍ خمدت فأشعلها فضولي، وكم من عيبٍ ستره الله فنبشه من لا يعنيه أمره. ومن أعظم صور النكت في الكنيف في زماننا: أن تُفتَّش الحسابات القديمة، وتُستَخرج العبارات المجتزأة، وتُنبش الزلات المنسيَّة، ويُذكَّر التائب بماضيه، ويُستحضر خلافٌ عائلي أو زوجي مضى عليه حينٌ من الدهر وأصبح نسيًا منسيًا، أو تُثار فتنةٌ تاريخية لا يراد بها الاعتبار، وإنما إذكاء الأحقاد والانتصار للنفوس، والبحث عن سقطات العلماء والصالحين. فلنحذر أن نكون ممن يكشفون ما ستره الله، أو يحيون فتنةً أماتها الزمن؛ فإن الحكمة ليست في تقليب العيوب، وإنما في تقويم القلوب، وليست في إيقاظ الفتن، وإنما في إخمادها، ولا في تتبع الزلات، وإنما في ستر العثرات. فالمؤمنُ زكيُّ القلب، طاهرُ السريرة، عفيفُ اللسان، يجمع ولا يُفرِّق، ويستر ولا يفضح، ويُطفئ الفتنة ولا يُوقِد نارها، ولا ينفخ في رمادها، وإذا مرَّ بكنيفٍ لم يَنْكُتْ فيه بعود؛ لأنَّ من أحيا الشرَّ اكتوى بلهيبه، ومن أحيا الخيرَ عاش في ظلاله، وفاز بثواب.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك