من خلال الاستبانة الرقمية والدراسة التحليلية .. واقع القيم الأخلاقية في وسائل التواصل الاجتماعي
- النشر الرقمي ليس خارج المساءلة؛ ففي دولة الكويت ينظم القانون رقم 63 لسنة 2015 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات عددًا من الأفعال المرتبطة باستخدام الشبكات ووسائل تقنية المعلومات ومنها التهديد والابتزاز وبعض الأفعال التي تمسّ الكرامة أو السمعة
- أصبح كل مستخدم ناشرًا محتملًا، وكل مؤثر صاحب منصة قادرًا على توجيه الرأي العام، ما يجعل أخلاقيات النشر ضرورة وليست ترفًا
- تتوزع المسؤولية الشرعية في النشر الرقمي بين كل من المنشئ للمحتوى، والناقل والمعلق والمتفاعل والمؤثر
- تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها: أن السلوك الرقمي ليس مجالًا منفصلًا عن التكليف الشرعي بل هو امتداد مباشر للكلمة المسؤولة
- يعدّ الفضاء الرقمي مجالاً من مجالات التكليف فلا يخرج النشر والتعليق والمشاركة عن عموم قوله -تعالى-: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}
- صنف المنتدى الاقتصادي العالمي المعلومات المضللة والمغلوطة ضمن أبرز المخاطر قصيرة المدى في تقرير المخاطر العالمية 2025 للعام الثاني على التوالي
- خطورة الفضاء الرقمي تكمن في مضاعفة الأثر سواء كان ذلك إيجابيًا أو سلبيًا- إذ تتحول الكلمة إلى أثر جماعي سريع الانتشار بعيد المدى صعب المحو
- الإسلام لا يكتفي بمنع الكذب بل يمنع التسرع في نقل ما لم يثبت وحديث «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» يجعل ناقل كل ما يسمع واقعًا في دائرة الخطر ولو لم يكن هو منشئ الخبر
- اتساع الرقعة الرقمية يتقاطع مع ثلاث ظواهر متصاعدة هي ضعف الثقة في تمييز الصادق من الكاذب وانتشار التنمر وارتفاع القضايا المتصلة بالكرامة والسمعة
- يعدّ الأطفال والشباب الأكثر تعرضًا لتأثيرات المنصات الرقمي إذ يعيشون جزءًا مهمًا من علاقاتهم داخل تطبيقات الرسائل والألعاب والشبكات الاجتماعية
- أظهر تقرير رويترز للأخبار الرقمية 2025 أن 58% من المشاركين عالميًا قلقون من قدرتهم على معرفة الحقيقي من المزيف في الأخبار المنشورة على الإنترنت
يتناول هذا الملف أثر التحول الرقمي على منظومة القيم الإسلامية، ولا سيما ما يتصل بحفظ اللسان، والغيبة، والشائعات، والتنمر الإلكتروني، ومسؤولية الأسرة والمؤثرين وصنّاع المحتوى، وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها: أن السلوك الرقمي ليس مجالًا منفصلًا عن التكليف الشرعي؛ بل هو امتداد مباشر للكلمة المسؤولة، وأن التغريدة والتعليق والرسالة والصورة وإعادة النشر تدخل كلها في دائرة المحاسبة الأخلاقية والشرعية، واعتمدنا في ذلك على جمع الأدلة الشرعية وأقوال العلماء والمؤشرات الإحصائية المعاصرة، ثم توصيف الواقع وتحليل الظواهر الرقمية وربطها بالقيم الأخلاقية من خلال استعراض نتائج الاستبيان الذي أجريناه، وصولًا إلى استنتاج أهم التوصيات العملية الموجهة للأفراد والأسر، والمؤسسات التربوية، والإعلامية، والدعوية.
توطئة
أحدثت الثورة الرقمية تغيرًا جذريًا في طبيعة التواصل الإنساني؛ فقد انتقل الإنسان من فضاء المجلس المحدود إلى فضاء مفتوح عابر للحدود، وصارت الكلمة الواحدة قابلة للنسخ، والتداول، والتعليق، والتأويل، والحفظ، والاستدعاء بعد سنوات، وفي هذا السياق، لم تعد آفات الكتابة والتعبير حبيسة الكلام المباشر، بل ظهرت بصور جديدة من خلال التعليقات، وإعادة النشر ومشاركة المقاطع وتسريب المحادثات.. الخ. ومع أن الأدوات تغيرت، فإن الحكم الأخلاقي والشرعي لم يتغير؛ فالكذب كذب، والغيبة غيبة، والبهتان بهتان، والسخرية سخرية، سواء وقعت في مجلس أو عبر منصة رقمية؛ غير إن خطورة الفضاء الرقمي تكمن في مضاعفة الأثر -سواء كان ذلك إيجابيًا أو سلبيًا- إذ تتحول الكلمة إلى أثر جماعي سريع الانتشار، بعيد المدى، صعب المحو، ومن هنا تأتي أهمية هذا الملف ليؤصل -شرعيًا وتربويًا وإعلاميًا- قيم السلوك الرقمي، مع تقديم مؤشرات معاصرة وتوصيات عملية وضوابط قابلة للتفعيل على أرض الواقع.أبعاد الدراسة
أولاً: البُعد الشرعي
يعدّ الفضاء الرقمي مجالاً من مجالات التكليف، فلا يخرج النشر والتعليق والمشاركة عن عموم قوله -تعالى-: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وقد جمع العلماء بين هذه الآية وبين وجوب التثبت في القول والنقل، وبيّن الشيخ ابن باز -رحمه الله - في شرحه لباب التثبت أن الألفاظ مراقبة ومكتوبة، وأن الواجب أن يكون الكلام موزونًا وعن بصيرة.ثانيًا: البُعد الاجتماعي
تؤثر الشائعات والغيبة والتشهير في الثقة الاجتماعية، وتضر بالأسر والمؤسسات والرموز العامة، وتحوّل المجتمع إلى بيئة اتهام وتربص، وقد عدّ المنتدى الاقتصادي العالمي المعلومات المضللة والمغلوطة من أبرز المخاطر قصيرة المدى لعامين متتاليين في تقرير المخاطر العالمية 2025، لما لها من أثر في الثقة والحوكمة والتماسك الاجتماعي.ثالثًا: البُعد التربوي
يعدّ الأطفال والشباب الأكثر تعرضًا لتأثيرات المنصات الرقمية؛ إذ يعيشون جزءًا مهمًا من علاقاتهم داخل تطبيقات الرسائل والألعاب والشبكات الاجتماعية، وتعرّف (اليونيسف) التنمر الإلكتروني -على سبيل المثال- بأنه تنمر يستخدم التقنيات الرقمية، ويقع عبر وسائل التواصل ومنصات الرسائل والألعاب والهواتف، ويستهدف غالبًا إخافة المستهدف أو إغضابه أو إهانته.رابعًا: البُعد الإعلامي
أصبح كل مستخدم ناشرًا محتملًا، وكل مؤثر صاحب منصة قادرًا على توجيه الرأي العام، ما يجعل أخلاقيات النشر ضرورة وليست ترفًا، ويشير تقرير (رويترز) للأخبار الرقمية 2025 إلى أن 58% من العينة عبّروا عن قلقهم من صعوبة التمييز بين الحقيقي والمزيف في الأخبار على الإنترنت.
خامسًا: البعد القانوني
النشر الرقمي ليس خارج المساءلة؛ ففي دولة الكويت ينظم القانون رقم 63 لسنة 2015 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات عددًا من الأفعال المرتبطة باستخدام الشبكات ووسائل تقنية المعلومات، ومنها التهديد والابتزاز وبعض الأفعال التي تمسّ الكرامة أو السمعة بحسب ما تقرره النصوص ذات الصلة، كما أشارت وزارة العدل إلى أن من أكثر القضايا الواردة للنيابة في قضايا تقنية المعلومات قضايا المساس بكرامة الأشخاص والسب والقذف عبر مواقع التواصل الاجتماعي.سادسًا: البُعد البحثي
تتوزع الدراسات ذات الصلة بهذا الموضوع على ثلاثة اتجاهات رئيسة: (اتجاه شرعي فقهي): يتناول أحكام النوازل الرقمية (كالتثبت من الأخبار، وحكم إعادة النشر، وضوابط النصيحة والتشهير) ضمن الفتاوى المعاصرة والمجامع الفقهية؛ (واتجاه تربوي نفسي): يتناول التنمر الإلكتروني وأثره على الأطفال والمراهقين، وتمثله بصورة رئيسة تقارير المنظمات الدولية المعنية بصحة الطفل ورفاهيته؛ (واتجاه إعلامي اجتماعي): يتناول المعلومات المضللة والشائعات ضمن أدبيات دراسات الإعلام الرقمي والثقة العامة.التأصيل الشرعي
- خطورة الكلمة: ذكرنا آنفا أن الإسلام وضع ضوابط لسلوك المسلم وتصرفاته بقوله -تعالى-: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وبالتوجيه النبوي: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»؛ فهذا الحديث يؤسس لقاعدة عامة وهي أن الأصل في الكلمة ألا تخرج إلا إذا غلب خيرها، ويدخل ذلك في مجال الفضاء الرقمي التغريدة، والتعليق، والرسالة، والمقطع، والصورة، وإعادة النشر؛ فكل هذه الصور امتداد فعلي لمعنى «القول» الذي يتوجه إليه الخطاب الشرعي، فهي ليست مجرد أدوات تقنية محايدة.
- النهي عن تتبع ما لا علم به: وذلك لقوله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}؛ حيث تفيد الآية أن مسؤولية الإنسان لا تقتصر على النطق، بل تشمل السمع والبصر والقلب، وهي أدوات مركزية في البيئة الرقمية: ما نسمعه، وما نشاهده، وما نصدقه، وما نعيد نشره؛ فالمشاهدة والمشاركة والإعجاب والتصديق كلها صور واقعية لذلك.
- الأمر بالتثبت: وذلك لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، وقد بيّن الشيخ ابن باز -رحمه الله - أن عدم التثبت يوقع الناس في الغلط، وليس من النصح في الدين، مستدلًا بآية التبين وبحديث: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» وهذا الأصل هو حجر الزاوية في مواجهة الشائعة الرقمية، لأن سرعة التداول لا تعفي الناقل من واجب التحقق.
- تحريم الغيبة: لقوله -تعالى-: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا}، والغيبة في الحديث النبوي: «ذكرك أخاك بما يكره»، وقد أكدت فتاوى معاصرة أن ذِكر الشخص بما يكره يكون أشد عبر وسائل الإعلام لما فيه من نشر عيوبه وإشاعتها، لكونه محتوى عام قابل للتداول والحفظ.
- النهي عن السخرية والتنابز: لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ... وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}؛ فهذه الآية أصل جامع في مواجهة التنمر اللفظي والرقمي؛ لأنها تنهى عن السخرية واللمز والألقاب الجارحة، وهي من أبرز صور التنمر الإلكتروني.
- الستر ومنع إشاعة الفاحشة: لقوله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وقد نبهت دار الإفتاء المصرية إلى أن نشر الفضائح الأخلاقية على وسائل التواصل بقصد الانتقام أو التشفي، تعليقًا أو مشاركةً أو إعجابًا، يدخل في معنى إشاعة الفاحشة وهتك الستر.
من فتاوى وأقوال العلماء:
- ذكر الإمام النووي في باب ما يباح من الغيبة أن الغيبة قد تباح لغرض شرعي صحيح لا يمكن الوصول إليه إلا بها، ومن ذلك التظلم إلى من له ولاية أو قدرة على الإنصاف، وهذا يقرر أن الأصل هو المنع، والاستثناء مضبوط بالحاجة والمصلحة والجهة المختصة، لا بمجرد رغبة الناشر في «التحذير».
- قرر الشيخ ابن باز -رحمه الله - أن الغيبة محرمة ومن الكبائر، سواء كان العيب موجودًا في الشخص أم غير موجود؛ فإن كان موجودًا فهي غيبة، وإن لم يكن موجودًا فهو بهتان؛ وهذا ينسف حجة شائعة في الفضاء الرقمي: «أنا لم أكذب، فالشيء الذي نشرته صحيح»؛ فالصحة وحدها لا تكفي لجواز النشر إذا كان فيه ذكر بما يكره دون مصلحة شرعية.
- بيّن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله - أن التحذير من شر شخص بعينه قد يكون من باب النصيحة إذا كان لغرض صحيح، لا لمجرد التشهير أو الهوى، وهذا مهم في التفريق بين النصيحة المشروعة والتشهير الرقمي.
- قررت دار الإفتاء الأردنية -في بيان أحكام وسائل التواصل- أنه يحرم نشر المعلومات الكاذبة ونشر الشائعات بين الناس، وأن الواجب هو التثبت والتحري قبل النشر.
- أكد الأزهر في مادة عن التنمر الإلكتروني أن إهانة الناس والسخرية منهم والتطاول عليهم عبر المنشورات أو الفيديوهات من السلوكيات المحرمة شرعًا، والمنافية لقيم الفضيلة والمروءة.
- عرّفت وزارة الأوقاف المصرية جوهر التنمر الإلكتروني بأنه إيذاء متعمد ومتكرر عبر الوسائل الرقمية، ومن صوره السخرية والسب والتشهير ونشر الشائعات وتهديد بنشر صور أو محادثات خاصة.
- وخلاصة ذلك كله أن الفضاء الرقمي لا ينشئ حكمًا جديدًا، وإنما يكشف تطبيقات جديدة لأحكام مستقرة، وأن الفيصل في كل حالة هو مراعاة الصدق، والمصلحة الراجحة، والقصد الصحيح، لا مجرد صحة الخبر أو مشروعية الأداة التقنية المستخدمة في نشره.

مؤشرات وإحصاءات ذات دلالة
- بلغ استخدام الإنترنت في الكويت مستوى شبه شامل؛ إذ قدر تقرير (DataReportal) لعام 2026 عدد مستخدمي الإنترنت في الكويت بنحو 5 ملايين مستخدم في نهاية 2025، مع معدل انتشار 99%، كما قدر عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بنحو 44 مليون في أكتوبر 2025، أي ما يعادل 89% من السكان، وعلى المستوى العالمي تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 6 مليارات مستخدم وفق التقرير ذاته، كما تشير تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى استمرار نمو السكان المتصلين بالإنترنت عالميًا بأكثر من 240 مليون مستخدم خلال عام 2025، وهذا يعني أن السلوك الرقمي لم يعد شأنًا شبابيًا أو نخبويًا، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية العامة لغالبية الناس.
- أظهر تقرير رويترز للأخبار الرقمية 2025 أن 58% من المشاركين عالميًا قلقون من قدرتهم على معرفة الحقيقي من المزيف في الأخبار المنشورة على الإنترنت، كما يبين مركز (بيو) للأبحاث أن نحو 53% من البالغين في الولايات المتحدة يحصلون على الأخبار من وسائل التواصل الاجتماعي أحيانًا على الأقل، وهو مؤشر على مركزية المنصات في تشكيل الوعي العام.
- صنف المنتدى الاقتصادي العالمي المعلومات المضللة والمغلوطة ضمن أبرز المخاطر قصيرة المدى في تقرير المخاطر العالمية 2025 للعام الثاني على التوالي، لما تؤديه من إضعاف الثقة وتوسيع الاستقطاب الاجتماعي والسياسي.
- أفادت منظمة الصحة العالمية/أوروبا في 2024 أن 15% من المراهقين، أي نحو واحد من كل ستة، تعرضوا للتنمر الإلكتروني، وأن 12% أقروا بممارسة التنمر الإلكتروني على غيرهم، مع ارتفاع النسب مقارنة بعام 2018، كما أظهر استطلاع لليونيسف عام 2019 أن واحدًا من كل ثلاثة شباب في 30 دولة قال: إنه كان ضحية للتنمر الإلكتروني، وأن واحدًا من كل خمسة أشار إلى أنه تغيب عن المدرسة؛ بسبب التنمر والعنف الإلكتروني.
- تشير مراجعات علمية منشورة إلى ارتباط التنمر الإلكتروني لدى الأطفال والشباب بآثار نفسية سلبية مثل الاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة وانخفاض تقدير الذات، وهذا يعزز ضرورة التعامل معه باعتباره قضية شرعية وتربوية وصحية، لا مجرد «مزاح إلكتروني».
- أوضحت وزارة العدل الكويتية في ندوة منشورة أن قضايا تقنية المعلومات بلغت 3143 قضية عام 2016، وأن المعدل السنوي لقضايا تقنية المعلومات بلغ 2965 قضية، مشيرة إلى أن أكثر القضايا ورودًا هي قضايا المساس بكرامة الأشخاص والسب والقذف عبر مواقع التواصل.
خطورة الغِيبة الرقمية
تزداد خطورة الغيبة الرقمية بأربعة أمور:- الانتشار: قد تصل إلى عدد كبير من الناس في وقت قصير.
- الأرشفة: قد تبقى محفوظة مدة طويلة يصعب حذفها فعليًا من كل نسخة متداولة.
- التكرار: يعاد تداولها مرات كثيرة عبر إعادة النشر والاقتباس.
- الغموض: قد تقع بالتلميح دون التصريح، فتفلت من المساءلة الظاهرة مع بقاء أثرها.
واقع الشائعات الرقمية
الشائعة الرقمية خبر سريع الحركة، ضعيف التحقق، وغالبًا ما يستند إلى الإثارة والخوف والغضب، وقد يكون مصدرها مجهولًا، أو مقطعًا قديمًا، أو صورة من سياق آخر، أو كلامًا منسوبًا إلى جهة رسمية بلا دليل، والإسلام لا يكتفي بمنع الكذب؛ بل يمنع التسرع في نقل ما لم يثبت، وحديث «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» يجعل ناقل كل ما يسمع واقعًا في دائرة الخطر، ولو لم يكن هو منشئ الخبر، والقاعدة العملية هنا: ليس المطلوب أن تنشر كل ما يصلك، بل أن تتحمل مسؤولية ما توصله إلى غيرك.مسؤولية المؤثرين وصناع المحتوى
يُقصد بالمؤثر أو صانع المحتوى كل من يمتلك جمهورًا رقميًا يتابع منشوراته أو مقاطعه بانتظام، بحيث يكون لكلمته أو صورته أو رأيه قدرة على توجيه سلوك أو رأي أو استهلاك هذا الجمهور، وبالنظر إلى حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»؛ فإن هذا الحديث يؤصل لقاعدة مضاعفة المسؤولية بحسب اتساع الأثر؛ فمن كان له جمهور واسع فإن ما ينشره من حق أو باطل، من صدق أو إشاعة، من رفق أو سخرية، لا يقاس بأثر الفرد العادي› بل يتضاعف بعدد من يتأثر به ويقلده أو يعيد نشر كلامه.
الأسرة خط الدفاع الأول
لا تكفي القوانين ولا سياسات المنصات إن لم تُبنَ لدى الطفل رقابة داخلية؛ فالأسرة مسؤولة عن تعليم الأبناء أن الله يراهم في السرّ والعلن، وأن الحساب الخاص والمغلق لا يعني غياب المسؤولية.من مبادئ التربية الأسرية الرقمية
- القدوة قبل الرقابة، والحوار قبل العقوبة.
- التعليم قبل المنع، والمتابعة دون تجسس مفرط.
- بناء الثقة حتى يلجأ الطفل إلى والديه عند الخطر.
- تعليم الخصوصية، وتدريب الأبناء على التثبت.
- لا نشر دون تحقق، ولا تصوير للآخرين دون إذن.
- لا رد وقت الغضب، ولا مشاركة في السخرية.
- لا تواصل مع مجهولين، مع إبلاغ الوالدين عند التهديد أو الابتزاز.
واجب تحويل القيم الإسلامية إلى واقع عملي
تكتسب القيم الإسلامية فاعليتها حين تتحول من معانٍ عامة إلى سياسات قابلة للقياس من خلال: ميثاق أسري مكتوب، ودليل سلوكي للمدرسة، وميثاق أخلاقي لصناع المحتوى، ولائحة نشر داخلية للمؤسسات الخيرية والدعوية؛ فالقيمة بلا سياسة تبقى شعارًا، والسياسة بلا قيمة تبقى إجراءً شكليًا والصواب الجمع بينهما.المسؤولية الشرعية والقانونية
تتوزع المسؤولية الشرعية في النشر الرقمي بين كل من المنشئ للمحتوى، والناقل والمعلق والمتفاعل والمؤثر.. وفي المقابل فإن القانون الكويتي يتعامل مع جرائم تقنية المعلومات بوصفها أفعالًا مؤثرة ذات تبعات؛ فقد نص القانون رقم 63 لسنة 2015 على عقوبات لعدد من الأفعال المرتبطة باستخدام الشبكة المعلوماتية ووسائل تقنية المعلومات، ومنها التهديد والابتزاز وبعض صور المساس بالكرامة والسمعة وفق النصوص المنظمة. ولا شك أن المساءلة الشرعية أوسع من المساءلة القانونية وأسبق منها؛ فقد يكون الفعل غير مجرّم قانونًا في بعض الصور، لكنه محرم شرعًا كالغيبة التي لا تصل إلى حد التشهير أو القذف الموجب للعقوبة، وعليه فإن الاكتفاء بحدود القانون لا يعفي المسلم من التزام الحدود الشرعية الأوسع، بينما يبقى القانون أداة رادعة إضافية في الصور الأشد ضررًا كالتهديد والابتزاز والقذف الصريح.الضوابط الشرعية لصناعة المحتوى
- الصدق في العرض والمحتوى، وعدم الترويج لما يُعلم كذبه أو يُجهل حاله.
- التحقق قبل النشر بما يتناسب مع حجم الأثر المتوقع من نشر صاحب الجمهور الواسع.
- مراعاة كرامة الأفراد الذين يظهرون في المحتوى، ولو كانوا موضع خطأ أو تسلية.
- الشفافية في الإعلانات والمحتوى الممول، وعدم تغليب المصلحة التجارية على الأمانة.
- تحمل المسؤولية عن التعليقات والتفاعل الذي يولّده المحتوى، وعدم الاكتفاء بنشره والتخلي عن أثره.
- المبادرة إلى التصحيح العلني إذا كان الخطأ علنيًا، دون انتظار مساءلة خارجية.
تحليل نتائج استبانة: (القيم الأخلاقية في وسائل التواصل الاجتماعي)
- تكشف نتائج تحليل الاستبانة عن ارتفاع الوعي النظري بالمسؤولية الأخلاقية الرقمية، مع وجود فجوة بين الوعي المعلن والممارسة الفعلية
- أظهرت النتائج أن هدف الشهرة والتفاعل هو التهديد الأخلاقي الأبرز؛ وهو السبب الأكبر لنشر المحتوى غير المناسب كما إن الحسابات المجهولة وغياب الرقابة سبب مهم في انتشار الشائعات
- إجماع كامل على الحاجة إلى تنظيم أخلاقي حيث أيد 100% إلزام المؤثرين وصناع المحتوى بميثاق أخلاقي واضح للنشر
- التركيب العمري قد يفسر ارتفاع التأكيد على جوانب القانون والرقابة والوعي الديني ودور الأسرة والمؤسسات التربوية ورسوخ النظرة النقدية للمؤثرين
- 69% من العينة يستخدمون وسائل التواصل ثلاث ساعات فأكثر يوميا وهو مستوى تعرض مرتفع نسبياً وهذا يعني أن القضايا الأخلاقية ليست هامشية في حياة المشاركين، بل تمس جزءاً كبيراً من وقتهم اليومي
- ينبغي التأكيد تربوياً على أن التعليق الرقمي قد يكون أشد أثراً من الكلام المباشر لأنه قابل للحفظ والنسخ والنشر والوصول إلى جمهور واسع
- هنالك اتفاق كامل على أن السلوك الرقمي يدخل في دائرة المسؤولية الأخلاقية وهذه نتيجة إيجابية تؤكد وجود أساس قيمي يمكن البناء عليه
- التحقق هو أحد أقوى الجوانب الإيجابية في الاستبانة ويتسق مع اختيار «التثبت من الأخبار» بوصفه أهم قيمة أخلاقية ولا سيما في المجموعات العائلية والمجتمعية
- نلاحظ أن نسبة من سبق لهم الندم بعد النشر بلغت 43.2% وهذه النتيجة من أهم مؤشرات الاستبانة؛ لأنها تكشف أن الوعي المرتفع لا يمنع - بشكل قاطع - السلوك المتسرع
- معظم المشاركين ينظرون إلى الأخلاق الرقمية أساساً من زاوية صحة المعلومات ومصداقيتها وهذا يشير إلى حاجة البرامج التوعوية إلى توسيع مفهوم الأخلاق الرقمية ليشمل أثر الكلمة في مشاعر الآخرين وأهمية الستر وعدم التشهير وحماية الخصوصية
- يدرك المشاركون أثر البحث عن الشهرة والتفاعل في إضعاف القيم كما أن المشكلة ليست في ضعف التوعية الوعظية في هذا المجال بل قد ترتبط بآليات بعض المنصات التي تكافئ المحتوى المثير، والعناوين الصادمة والخصومات وأحياناً كشف الخصوصيات والسخرية!

- أقل من 20 سنة : 3.4 %
- من 20 - 39 سنة: 12.5 %
- من 40 سنة فأكثر: 84.1 %
- من فئة الرجال 75.9%
- من فئة النساء 24.1%
- الدراسات العليا : 11%
- المؤهل الجامعي: 51.1%
- المرحلة الثانوية والدبلوم: 37.5%
توصيف عينة البحث
الفئة العمرية: بلغت نسبة من أعمارهم 40 سنة فأكثر من المشاركين في هذا الاستبيان 84.1%، في مقابل 12.5% للفئة من 20 إلى 39 سنة، و3.4% لمن هم دون 20 سنة، وبالتالي فأن العينة منحازة بدرجة واضحة إلى الفئة الأكبر سناً، ولذلك تعكس النتائج بدرجة كبيرة تصورات البالغين وكبار السن، ولا تمثل الشباب والمراهقين بصورة كافية، وهم من أكثر الفئات استخداماً وتأثراً بوسائل التواصل الاجتماعي، وهذا التركيب العمري قد يفسر ارتفاع التأكيد على جوانب: القانون والرقابة، والوعي الديني، ودور الأسرة والمؤسسات التربوية، ورسوخ النظرة النقدية للمؤثرين والمحتوى الهابط، ولا يجوز- بلا شك - تعميم هذه النتائج على جميع مستخدمي وسائل التواصل.
تصنيف المشاركين:
بلغت نسبة الذكور 75.9%، مقابل 24.1% للإناث، ومن ثم فإن هذه النتائج قد لا تعبّر بصورة كافية عن خبرات النساء في قضايا مثل: التنمر الإلكتروني، والتشهير، وانتهاك الخصوصية، ونشر الصور دون إذن، والابتزاز أو الإساءة القائمة على النوع. المستوى التعليمي: توزعت العينة على النحو الآتي: المؤهل الجامعي: 51.1% - الثانوية والدبلوم: 37.5% - الدراسات العليا: 11.4%, ودلالة ذلك أن عينة الدراسة تتمتع بمستوى تعليمي جيد نسبياً؛ إذ يحمل 62.5% مؤهلاً جامعياً أو دراسات عليا، وقد يفسر هذا ارتفاع الوعي المعلن بالتثبت والمسؤولية، إلا أن المستوى التعليمي وحده لم يمنع من وجود الندم بعد النشر أو السلبية تجاه المحتوى المسيء أحياناً.أسئلة الاستبانة:
محور طبيعة الاستخدام وكثافته

- ما طبيعة استخدامك للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي؟
- توزعت الإجابات على النحو الآتي:

- ما متوسط الاستخدام اليومي؟
- من 3 إلى 5 ساعات: 55.2% - من ساعة إلى ساعتين: 31% - أكثر من 5 ساعات: 13.8%.
محور الوعي بالمسؤولية الأخلاقية

- هل التعامل مع الإنترنت يدخل ضمن المسؤولية الأخلاقية؟
- جاءت الإجابات كما يلي: نعم: 87.5% - إلى حد ما: 12.5% - لا: 0%.

- ما أهم قيمة أخلاقية ينبغي مراعاتها؟
- جاءت الإجابات عن هذا السؤال كما يلي: التثبت من الأخبار: 33.3% - الصدق: 29.9% - احترام الخصوصية: 17.2% - الحياء: 10.3% - العدل: 4.6% - الستر: 2.3% - الرحمة: 2.3%. وبذلك حصل الصدق والتثبت مجتمعين على 63.2%، وهو ما يبين أن المشاركين ينظرون إلى الأخلاق الرقمية أساساً من زاوية صحة المعلومات ومصداقيتها، وفي المقابل حصلت قيم الرحمة والستر والعدل والخصوصية والحياء مجتمعة على 36.7%، وهذا يشير إلى حاجة البرامج التوعوية إلى توسيع مفهوم الأخلاق الرقمية ليشمل أثر الكلمة في مشاعر الآخرين، وأهمية الستر وعدم التشهير، وحماية الخصوصية، والإنصاف في الحكم، والرحمة بالمخطئ والمتضرر؛ أي إن الأخلاق الرقمية لا تقتصر على سؤال: «هل المعلومة صحيحة؟»، بل تشمل أيضاً: «هل نشرها عادل؟ وهل يضر بأحد؟ وهل ينتهك خصوصيته؟».

- هل للتعليق الرقمي الأثر الأخلاقي نفسه للكلام المباشر؟
- جاءت الإجابات كما يلي: نعم: 36.4% - إلى حد ما: 47.7% - لا: 15.9%.
محور الرقابة الذاتية والممارسة الفعلية

- هل تشعر بالمسؤولية قبل النشر أو التعليق أو إعادة النشر؟
- جاءت الإجابات كما يلي: نعم: 90.8% - إلى حد ما: 9.2% - لا: 0%.

- هل تتحقق من صحة ما تعيد نشره؟
- جاءت الإجابات كما يلي: نعم: 85.2% - إلى حد ما: 11.4% - لا: 3.4%.

- هل يتسم تعاملك مع وسائل التواصل بالعقلانية؟
- جاءت الإجابات كما يلي: نعم: 81.6% - إلى حد ما: 17.2% - لا: 1.1%.

- هل سبق أن نشرت أو علقت ثم ندمت؟
- جاءت الإجابات كما يلي: لا: 56.8% - نعم: 21.6% - إلى حد ما: 21.6%.
محور أسباب الانحراف الأخلاقي والمعلومات المضللة

- برأيك ما أكثر سبب يدفع إلى نشر محتوى غير مناسب أخلاقيا؟
- جاءت الإجابات كما يلي: طلب الشهرة وزيادة التفاعل: 64.8% - ضعف الوعي: 14.8% - الطمع المادي: 9.1% - غياب الرقابة: 8% - التقليد: 2.3% - الخفة والانفعال: 1.1%.

- ما السبب الأبرز في انتشار الشائعات؟
- أشارت الإجابات إلى أن السبب الأبرز هو الحسابات المجهولة وغياب الرقابة: 38.6% - ضعف الوعي: 21.6% - سرعة النشر: 20.5% - حب الإثارة: 15.9% - تأثير المؤثرين: 3.4%.
محور تصحيح الخطأ والمسؤولية بعد النشر

- ماذا تفعل عند اكتشاف أن خبراً نشرته غير صحيح؟
- وجاءت الإجابات كما يلي: أحذفه وأصحح الخطأ: 58% - لم يحدث معي ذلك: 29.5% - أحذفه فقط: 10.2% - أعتذر للمتابعين: 1.1% - لا أفعل شيئاً: 1.1%.
محور أشكال الإساءة الرقمية

- ما أكثر سلوك مسيء انتشاراً؟
- جاءت إجابات السؤال كما يلي: السخرية والتنمر: 32.2% - التعليقات الجارحة: 20.7% - نشر الشائعات: 21.8% - الغيبة والتشهير: 13.8% - انتهاك الخصوصية: 9.2% - نشر الصور دون إذن: 2.3%. وبتحليل تلك النسب يمكن تصنيف السلوكيات في ثلاثة مجالات:
محور التصرف تجاه الإساءة وحماية المتضرر

- كيف تتصرف عند مشاهدة محتوى مسيء أو انتهاك للخصوصية؟
- جاءت الإجابات كما يلي: أتجاهله: 40.2% - أبلغ عنه: 31% - أنصح الناشر: 11.5% - لا أعلم: 10.3% - أدافع عن المتضرر: 6.9% - أشارك المحتوى: 0%.
محور المسؤولية المؤسسية والتنظيم

- ما الجهة الأقدر برأيك على تحسين أخلاقيات الاستخدام؟
- جاءت الإجابات كما يلي: القانون: 37.5% - الأسرة: 26.1% - المؤسسات الدينية: 14.8% - المستخدم نفسه: 10.2% - وسائل الإعلام: 4.5% - المؤثرون: 4.5% - المدرسة: 2.3%.

- هل تؤيد ميثاقاً أخلاقيًا للمؤثرين وصناع المحتوى؟
- جاءت الإجابات كما يلي: وافق 100% من المشاركين، أي جميع أفراد العينة .
تحليل السؤال المفتوح:
- ما أهم إجراء عملي يعزز القيم الأخلاقية في وسائل التواصل الاجتماعي؟
- أجاب عن هذا السؤال 65.7% من إجمالي العينة، وأشارت الإجابات إلى أهمية تشديد القوانين والرقابة والعقوبات والمحاسبة، وإلى أهمية الوعي الديني والأخلاقي والرقابة الذاتية، وإلى السلوك الشخصي المسؤول من خلال الاحترام، التثبت، واحترام الخصوصية وعدم التفاعل مع الإساءة، وإلى أهمية التوعية الرقمية والتربوية والحملات المتخصصة ، والحرص على نشر المحتوى الإيجابي وإبراز القدوات والمؤثرين الإيجابيين ، إلى جانب أهمية الرقابة الأسرية ودور الوالدين، وقد تمحورت رؤية المشاركين حول مسارين متوازيين: وهما الردع والإجراءات التنظيمية والإجرائية ، وإلى أهمية بناء الضمير والوعي ؛ كما برزت فكرة عملية مهمة تتمثل في تعويد المستخدم على طرح أربعة أسئلة قبل النشر: هل المعلومة صحيحة وتم التحقق منها؟ وهل تحترم الآخرين ولا تتضمن إساءة أو تنمراً؟ وهل تنتهك خصوصية أحد؟ وهل تترتب عليها آثار سلبية

أبرز الموشرات:
- مؤشر الوعي القيمي: (مرتفع) ودليل ذلك أن 87.5% يرون الإنترنت مسؤولية أخلاقية، و90.8% يشعرون بالمسؤولية قبل النشر، و85.2% يتحققون من المحتوى، و81.6% يصفون تعاملهم بالعقلانية.
- مؤشر ترسيخ أثر الكلمة الرقمية: (متوسط) ودليل ذلك أن 36.4% فقط يرون أن للتعليق الرقمي الأثر الأخلاقي نفسه للكلام المباشر.
- مؤشر الاتساق بين الوعي والسلوك: (متوسط) ودليل ذلك أن 43.2% سبق لهم الندم على نشر أو تعليق؛ وبالتالي توجد فجوة واضحة بين المعرفة الأخلاقية وضبط السلوك وقت الانفعال.
- مؤشر تصحيح الخطأ: (مرتفع) ودليل ذلك أن 82.3% ممن واجهوا نشر معلومة خاطئة قالوا إنهم يحذفونها ويصححونها؛ وبالتالي فإن ثقافة التصحيح جيدة، لكنها تحتاج إلى استكمالها بالاعتذار وإيصال التصحيح للجمهور نفسه.
- مؤشر حماية الآخرين: (متوسط إلى منخفض) ودليل ذلك أن 49.4% يتخذون موقفاً نشطاً تجاه الإساءة، مقابل 50.5% يتجاهلونها أو لا يعرفون كيف يتصرفون؛ وبالتالي فإن هذا هو المجال الأكثر احتياجاً إلى التدريب العملي.
- مؤشر الطلب على الحوكمة والتنظيم: (مرتفع جداً) ودليل ذلك أن القانون هو الجهة الأولى المختارة بنسبة 37.5%، وأن 100% يؤيدون الميثاق الأخلاقي للمؤثرين؛ وعليه فإن هنالك قبولاً مجتمعيًا قوياً للحوكمة الأخلاقية، مع ضرورة عدم إهمال التربية الذاتية.
ملخص نتائج الاستبانة
تكشف نتائج تحليل الاستبانة عن خمس خلاصات رئيسية:- ارتفاع الوعي النظري بالمسؤولية الأخلاقية الرقمية؛ فـ87.5% يرون أن التعامل مع الإنترنت مسؤولية أخلاقية، و90.8% يشعرون بالمسؤولية قبل النشر، و85.2% يقولون إنهم يتحققون من المحتوى.
- وجود فجوة بين الوعي المعلن والممارسة الفعلية؛ إذ أفاد 43.2% بأنهم سبق أن ندموا على نشر محتوى أو تعليق، سواء بصورة صريحة أو إلى حد ما.
- ضعف الاستجابة الإيجابية عند مشاهدة الإساءة؛ فنسبة المتدخلين بصورة بنّاءة بلغت 49.4%، مقابل 50.5% يتجاهلون المحتوى المسيء أو لا يعرفون كيف يتصرفون.
- هدف الشهرة والتفاعل هو التهديد الأخلاقي الأبرز؛ إذ اعتبر 64.8% أن طلب الشهرة وزيادة التفاعل هو السبب الأول لنشر المحتوى غير المناسب، كما رأى 38.6% أن الحسابات المجهولة وغياب الرقابة سبباً مهماً في انتشار الشائعات.
- إجماع كامل على الحاجة إلى تنظيم أخلاقي؛ حيث أيد 100% إلزام المؤثرين وصناع المحتوى بميثاق أخلاقي واضح للنشر، وتتمثل النتيجة المركزية في أن العينة محل الدراسة تمتلك قاعدة قيمية ونظرية قوية، لكنها تحتاج إلى تحويل هذه القيم من مجرد اقتناع نظري إلى مهارات وسلوكيات رقمية عملية، ولا سيما في مواجهة الإساءة، والتراجع عن الأخطاء، والإبلاغ، وحماية المتضررين.

أبرز التوصيات:
- تعزيز الرقابة الذاتية واستحضار المسؤولية الشرعية في كل ممارسة رقمية في وسائل التواصل وغيرها.
- تفعيل الحوار الأسري حول المحتوى الرقمي وربطه بالتقويم والتوجيه، ووضع سياسات أسرية مكتوبة لتنظيم الاستخدام الرقمي بما يشمل النشر والخصوصية والتفاعل.
- تحقيق توازن واعٍ بين المتابعة الأسرية والثقة، مع توفير قنوات إبلاغ آمنة وتيسير سريتها وفاعليتها.
- إدماج الأخلاق الرقمية ضمن المناهج وربطها بتطبيقات واقعية وتمارين عملية، وتدريب الطلاب على مهارات التحقق والتحليل الرقمي وإدارة الخلاف الإلكتروني.
- تعزيز التكامل بين الجهات التربوية والشرعية والنفسية والقانونية في المعالجة، ودعم البرامج التكاملية متعددة التخصصات لمعالجة قضايا الفضاء الرقمي.
- التوعية بإدراج السلوك الرقمي ضمن عموم التكليف الشرعي والقانوني، وربط ممارساته بأحكام اللسان والقلم والشهادة والنقل، بما يحقق وحدة المرجعية القيمية.
- تقرير خطورة الغيبة الرقمية من حيث سعة الانتشار وطول الأثر وقابلية الاستدعاء الدائم وما يترتب عليها من أضرار، واعتبار إعادة النشر دون تحقق مساهمةً في إنتاج الشائعة وتكريسها وترتيب المسؤولية على ذلك.
- توصيف التنمر الإلكتروني بوصفه نمطًا مستحدثًا من الإيذاء المحرّم بما يلازمه من آثار نفسية واجتماعية عميقة، والحد من التشهير الجماعي ومعالجة آثاره على السلم المجتمعي والثقة العامة.
- تأصيل فقه تطبيقي للسلوك الرقمي يوازن بين حرية التعبير، وأداء النصيحة، وواجب الستر، وصيانة الكرامة.
- اعتماد الأسرة ركيزة أولى للوقاية الرقمية، وبناء الوعي النقدي المبكر لدى الأبناء، وتنمية مهارات التمييز والتحقق لديهم بما يعزز حصانتهم الفكرية والسلوكية.
- تحميل المؤثرين وصنّاع المحتوى مسؤولية مضاعفة ترتبط بطبيعة التأثير العام، وإقرار مواثيق أخلاقية تضبط ممارساتهم وتحد من الإثارة والتضليل.
- التنبيه إلى كون المراقبة الرقمية والتنمر إلى ظواهر ممتدة الأثر تتطلب استجابات منهجية متعددة المستويات.
- تحويل القيم الإسلامية إلى سياسات تشغيلية داخل المؤسسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية، واعتماد سياسات نشر منضبطة بحيث تراعي المقاصد وتحفظ الكرامة.
- الانتقال من التوعية العامة إلى بناء مواثيق ملزمة، وأدلة إجرائية، ومؤشرات قياس للأثر المجتمعي.
- ترسيخ مبدأ التحقق قبل النشر وضبط الانفعال ولا سيما في سياقات الاستقطاب الرقمي، مقرونًا بترسيخ ثقافة الستر والتثبت والتصحيح المسؤول، وتقرير وجوب التصحيح العلني للخطأ العلني مع إزالة أثره ومعالجته.
- صيانة الخصوصية، ومنع تداول المحتوى الشخصي، وتجريم التعدي المعنوي ولو في سياق المزاح، وضبط نشر صور المستفيدين وفق معايير تحفظ الكرامة وتمنع الاستغلال.
- تأهيل الكوادر الإعلامية على معايير التحقق والتحرير المسؤول، واعتماد خطاب مؤسسي رصين في مواجهة الشائعات قائم على الشفافية والدقة.
- إدراج مفهوم (الأثر التراكمي للمحتوى) بوصفه معيارًا تقويميًا، بحيث لا يُنظر إلى المنشور منفردًا بل ضمن سياق أثره الممتد.
- التنبيه إلى مخاطر (تطبيع الإساءة) الناتج عن تكرار المحتوى، وتضخيم برمجيات المنصات له على حساب المحتوى الرصين، وضرورة كسر هذا النمط عبر خطاب توعوي مضاد ووعي نقدي لدى المستخدم.
- الدعوة إلى بناء (مؤشرات نزاهة رقمية) لقياس مصداقية الحسابات والمحتوى، ودعم إنشاء مراصد مؤسسية ومنهجية لرصد الشائعات والتحقق منها.
- العناية بالصحة النفسية الرقمية، وربطها بالسلوك الأخلاقي في التفاعل الاجتماعي.
- التحذير من الاستدراج الرقمي في قضايا الابتزاز، وتعزيز مهارات الوقاية المبكرة.
- تعزيز ثقافة (الصمت المسؤول) في المواقف التي يكون فيها الامتناع عن التعليق أولى من المشاركة، وتطوير أدبيات (فقه الاختلاف الرقمي) بما يحد من الاستقطاب الحاد.
- العناية باللغة المستخدمة في الفضاء الرقمي، والارتقاء بها بوصفها وعاءً للقيم والمعاني.
- إطلاق برامج معيارية للتوعية قبل النشر، قائمة على الصدق والتثبت والخصوصية وتقدير الأثر.
- تطوير حقائب تدريبية متخصصة للفئات المختلفة: طلاب، أسر، إعلاميون، مؤثرون.
- إنشاء منصات أو أدوات رقمية مبسطة ومساعدة للتحقق من الأخبار والصور.
- تصميم ميثاق أخلاقي مرجعي قابل للتبني والتكييف بحسب الجهات، وإدماج التربية الرقمية في الأنشطة التطبيقية، وعدم الاكتفاء بالمقررات النظرية.
- تمكين المستخدمين من أدوات التبليغ الفعّال مع توعيتهم بإجراءات المتابعة، وتطوير أنظمة استجابة للشكاوى بأطر زمنية واضحة للمعالجة.
- تعزيز نماذج القدوة الرقمية، وإبراز المحتوى المسؤول، واعتماد آليات تقييم دوري لقياس أثر البرامج والسياسات الرقمية.
- بناء قواعد بيانات معرفية لرصد الأنماط السلوكية الرقمية وتحليلها لدعم القرار.
- تشجيع البحث العلمي في مجال الأخلاق الرقمية الإسلامية وربط نتائجه بالسياسات العامة.
الخاتمة:
ونخلص من ذلك كله إلى أن القيم الإسلامية؛ كالصدق، والتثبت، والستر، والرحمة، والعدل، وحسن الظن، والحياء، ليست مواعظ عامة وإنما هي منظومة عملية للسلوك الرقمي الرشيد، وإلى سياسات أسرية وتربوية وإعلامية ومؤسسية قابلة للتطبيق، وأن مسؤولية المؤثرين وصناع المحتوى مضاعفة بحكم اتساع أثرهم في الفضاء العام. وإن الفضاء الرقمي ليس عالمًا منفصلًا عن الإيمان، ولا منطقة معزولة عن الأخلاق، ولا مساحة مباحة لإطلاق اللسان بلا ضابط؛ بل هو ميدان جديد لاختبار متجدد حول حفظ اليد واللسان والتثبت الستر والرحمة والعدل ومراقبة الله في السرّ والعلن، ولا سيما في هذا العالم الرقمي الذي أصبح جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، في وقت أصبحت فيه الشائعات والمعلومات المضللة والتنمر الإلكتروني تحديات عالمية ذات آثار دينية وتربوية ونفسية واجتماعية وقانونية، وهنا يأتي دور القيم الإسلامية بوصفها منظومة متكاملة للوقاية والمعالجة؛ بحيث لا تقوم على المنع وحده، بل على بناء الضمير، وترسيخ التقوى، وتفعيل الصدق، وحماية الكرامة، وتحقيق المصلحة، ومنع الضرر.
لاتوجد تعليقات