رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 15 يونيو، 2026 0 تعليق

الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي(7) موقف الفقه الإسلامي من الحصانة القضائية

  • الفقه الإسلامي يجعل المبعوث مسؤولًا عن الجرائم التي يرتكبها داخل الدولة الإسلامية تحقيقًا للعدل وصيانةً للحقوق ومنعًا للفساد
  • دخول المبعوث الدبلوماسي البلاد بعقد أمان يكفل له الأمن والحماية لكنه لا يمنحه حق الاعتداء على الأنفس أو الأموال أو الأعراض
  • اتفق الفقهاء على أن المستأمن إذا قتل مسلمًا أو ذميا أو مستأمنًا فإنه يقتص منه متى توافرت شروط القصاص لأن الدماء معصومة ولأن عقد الأمان لا يبيح الاعتداء على الأنفس
 

ما زلنا في استعراض البحث الموجز في أحكام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي، الذي تناول فيه مؤلفه الشيخ: د. وليد خالد الربيع (أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة جامعة الكويت) أهم ملامح هذا الجانب المهم من الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مبيّنًا مواضع التلاقي والافتراق بينهما، ونستكمل في هذه الحلقة الحديث عن الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي، وموقف الفقه الإسلامي منها.

  يقوم موقف الفقه الإسلامي من الحصانة القضائية على أساس عقد الأمان الذي يمنح للمبعوث الدبلوماسي، وهو العقد الذي يكفل له الحماية اللازمة لأداء مهمته، ويجعله في حكم المستأمن الذي دخل بلاد المسلمين بإذن من ولي الأمر، إلا إن الفقه الإسلامي لم يتخذ موقفًا واحدًا من الحصانة القضائية؛ بل فرّق بين أنواع الجرائم والمخالفات، وبين ما يتعلق بحقوق الله -تعالى- وما يتعلق بحقوق العباد؛ كما راعى طبيعة الجريمة وآثارها على المجتمع.

(1)  جريمة القتل

        اتفق الفقهاء على أن المستأمن إذا قتل مسلمًا أو ذميًا أو مستأمنًا فإنه يقتص منه متى توافرت شروط القصاص؛ لأن الدماء معصومة، ولأن عقد الأمان لا يبيح الاعتداء على الأنفس، واستدلوا بعموم النصوص الشرعية الدالة على وجوب القصاص، كقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُودى وإما أن يُقاد وعليه فإن المبعوث الدبلوماسي إذا ارتكب جريمة قتل فإن مجرد تمتعه بصفة التمثيل الدبلوماسي لا يمنع من مساءلته؛ لأن حفظ الدماء من أعظم مقاصد الشريعة، ولأن حقوق العباد لا يجوز إهدارها بحجة الحصانة، أما حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الرسل لا تُقتل» فالمقصود به عدم قتل الرسول بسبب الرسالة التي يحملها أو المواقف السياسية التي يمثلها، لا إعفاؤه من تبعات الجرائم الشخصية التي يرتكبها أثناء وجوده في الدولة الإسلامية.

(2) جريمة السرقة

اختلف الفقهاء في إقامة حدّ السرقة على المستأمن على قولين مشهورين:
  • القول الأول: لا يُقام عليه حدّ السرقة، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وأحد قوليّ الشافعية، واستندوا إلى أن حدّ السرقة من حقوق الله -تعالى- التي لا يلتزمها المستأمن بعقد الأمان.
  • القول الثاني: يقام عليه حد السرقة إذا توافرت شروطه، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وقول أبي يوسف وبعض الشافعية، واستدلوا بأن المستأمن التزم أحكام الدولة الإسلامية مدة إقامته فيها، وأن السرقة من أنواع الإفساد في الأرض التي لا يجوز التساهل فيها، ويبدو أن هذا القول أقرب إلى مقاصد الشريعة؛ لأنه ينسجم مع عموم النصوص الآمرة بحفظ الأموال، كما يحقق هيبة النظام العام ويمنع استغلال الأمان في الاعتداء على حقوق الناس.

(3)  جريمة الزنا

        اختلف الفقهاء في إقامة حدّ الزنا على المستأمن› فذهب فريق إلى عدم إقامة الحد عليه، معللين ذلك بأن الحدود التي يغلب فيها حق الله تعالى لا تلزمه بعقد الأمان، بينما ذهب فريق آخر إلى إقامة الحد عليه متى ثبتت الجريمة بشروطها الشرعية، مستدلين بأن الزنا محرم في الشرائع كلها، وأن مفاسده لا تختلف باختلاف دين مرتكبه أو جنسيته، ويظهر أن هذا الاتجاه أقرب إلى تحقيق مقاصد الشريعة في حفظ الأعراض والأنساب ومنع انتشار الفاحشة، ولا سيما إذا وقعت الجريمة داخل المجتمع الإسلامي وتحت ولاية قضائه.

اتجاهات الفقهاء في الحصانة الجنائية

يمكن تلخيص آراء الفقهاء في هذه المسألة في ثلاثة اتجاهات رئيسة:
  • الاتجاه الأول: إقامة الحدود والعقوبات الشرعية على المستأمن متى ارتكب جريمة داخل دار الإسلام، وهو مذهب الحنابلة والأوزاعي وأبي يوسف في الجملة، وحجتهم أن المستأمن دخل البلاد الإسلامية برضاه وقبل الخضوع لنظامها العام وأحكامها.
  • الاتجاه الثاني: التفريق بين حقوق الله -تعالى- وحقوق العباد، فما كان متعلقًا بحقوق العباد كالقصاص والقذف ونحوهما يؤاخذ به، أما ما كان من حقوق الله الخالصة فلا يقام عليه، وهو اتجاه الحنفية وكثير من الشافعية.
  • الاتجاه الثالث: قَصْر الحصانة على ما يتصل بمهمة الرسول أو المبعوث ذاته دون الجرائم الشخصية التي يرتكبها، وهو اتجاه نُقل عن الإمام الطحاوي.

الترجيح بين هذه الاتجاهات

       يظهر من مجموع الأدلة ومقاصد الشريعة أن الأصل هو خضوع الجرائم الواقعة في دار الإسلام لأحكام الشريعة وقضائها، بصرف النظر عن جنسية مرتكبها أو صفته؛ فالمبعوث الدبلوماسي دخل البلاد بعقد أمان يكفل له الأمن والحماية، لكنه لا يمنحه حق الاعتداء على الأنفس أو الأموال أو الأعراض، كما أن تعطيل العقوبات الشرعية بسبب الحصانة المطلقة قد يؤدي إلى انتشار الفساد وإهدار حقوق الأفراد، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعرض والمال، ولهذا ذهب عدد من الباحثين المعاصرين إلى أن المبدأ الشرعي العام يقضي بمساءلة المبعوث الدبلوماسي عن الجرائم التي يرتكبها داخل الدولة الإسلامية متى ثبتت أركانها وشروطها الشرعية.

الفقه الإسلامي والعرف الدولي

       قد يقال إن العرف الدولي جرى على عدم خضوع الممثلين الدبلوماسيين للقضاء الجنائي للدولة المعتمد لديها، فكيف يمكن التوفيق بين ذلك وبين ما قرره الفقه الإسلامي؟ والجواب أن الفقهاء أشاروا إلى إمكانية بيان هذه الأحكام للمبعوثين عند منحهم الأمان أو الموافقة على دخولهم البلاد الإسلامية، حتى يكونوا على بينة من النظام القانوني الذي يحكم إقامتهم، كما إن العقوبات التعزيرية التي ترك الشرع تقديرها لولي الأمر والقاضي يمكن أن تكون محل اجتهاد وتنظيم يراعي المصالح العامة والعلاقات الدولية، مع ضمان عدم إفلات الجاني من المساءلة المناسبة.

خلاصة القول

      يتبين من العرض السابق أن الفقه الإسلامي يختلف عن القانون الدولي في نطاق الحصانة الجنائية للمبعوث الدبلوماسي؛ ففي حين تقرر اتفاقية فيينا حصانة جنائية شبه مطلقة، فإن الفقه الإسلامي - في الراجح - يجعل المبعوث مسؤولًا عن الجرائم التي يرتكبها داخل الدولة الإسلامية، تحقيقًا للعدل وصيانةً للحقوق ومنعًا للفساد، مع المحافظة في الوقت نفسه على ما يقتضيه مركزه الدبلوماسي من احترام وحماية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك