رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 8 يونيو، 2026 0 تعليق

الأربعون الوقفية  الموجزة 15 .. وقف الدروع والعتاد في سبيل الله

  • المال الموقوف لا تجب فيه الزكاة لأنه خرج من ملك صاحبه وصار وقفًا لله تعالى فلا زكاة في الأعيان الموقوفة
  • في الحديث صحة وقف المنقولات كالأعتاد والدروع وجواز وقف كل ما يجوز بيعه والانتفاع به مع بقاء عينه كالعقار والحيوان والسلاح والأثاث ونحوها
 

منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة بدأ التشريع الوقفي يتكوّن ويترسّخ، فأصبح الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول الهجري وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فخصّص له العلماء أبوابًا مستقلة ومصنفات تجمع أحكامه ومسائله، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة في استنباط القواعد والفوائد المتعلقة به؛ ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا في الوقف، مع شرح مبسط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها؛ بهدف ربط مقاصد الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا.

الحديث الخامس عشر

       عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، امتدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد - رضي الله عنه -  على وقفه أعتاده وأدراعه، فقال: «فإنكم تظلمون خالدًا»، أي: إنكم تظلمونه بطلبكم الزكاة منه، إذ لا زكاة عليه فيها؛ لأنه قد احتبسها، أي: أوقفها في سبيل الله قبل تمام الحَوْل. والأدراع جمع درع، وهو ما يُلبس للحماية في القتال، أما الأعتاد فهو جمع عتاد، ويشمل ما يُعدّ للحرب من السلاح والدواب ونحوها، وقيل: يختص بالخيل. وجاء في شرح النووي على صحيح مسلم أن الأعتاد هي آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها، والواحد منها عتاد. ومعنى الحديث أن بعض الصحابة ظنوا أن هذه الأعتاد معدّة للتجارة فتجب فيها الزكاة؛ فلما امتنع خالد - رضي الله عنه - من دفعها أخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبيّن لهم أنهم ظلموه؛ لأنه كان قد وقفها في سبيل الله، فلا زكاة فيها. ويحتمل أيضًا أن يكون المعنى: لو وجبت عليه زكاة لأداها ولم يبخل بها؛ لأنه قد بذل أمواله لله تعالى وقفًا وتبرعًا، فكيف يبخل بحق واجب عليه؟! والسبيل في اللغة: الطريق؛ أما «سبيل الله» في القرآن الكريم فتأتي على معنيين:
  • الأول: معنى عام، وهو كل طريق يوصل إلى رضا الله -تعالى-، ويشمل جميع أعمال البر والطاعة، كقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله -سبحانه-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ}.
  • والثاني: معنى خاص، وهو الجهاد في سبيل الله، كما في قوله -تعالى-: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}، أي: للمجاهدين وما يعينهم على الجهاد من سلاح وعدة ونحو ذلك.
وقد استدل أهل العلم بهذا الحديث، ضمن أدلتهم، على جواز وقف كل ما يجوز بيعه والانتفاع به مع بقاء عينه؛ كالعقارات، والحيوانات، والأسلحة، والأثاث، وأشباه ذلك، وهو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة. ولا يشترط في الوقف أن يكون مالًا كثيرًا؛ فقد يكون مصحفًا، أو غرس نخيل، أو حفر بئر، أو إجراء نهر، أو وقف عتاد وأدراع في سبيل الله، أو غير ذلك مما يصح وقفه. وأفضل الأوقاف ما كان أعظم نفعًا للمسلمين في زمانه، وأكثر تحقيقًا لمصالحهم. وقد كانت الأوقاف المخصصة لدعم الصناعات الحربية من أعظم ما أعان المسلمين على الجهاد وحماية الثغور وتوفير العتاد لرد المعتدين، فنشأت بفضلها مصانع عديدة، ولا سيما في بلاد الشام ومصر زمن الحروب الصليبية. وكان لذلك أثر بارز في ازدهار الصناعة الحربية الإسلامية، حتى إن بعض الغربيين كانوا يفدون إلى بلاد المسلمين زمن الهدنة لشراء الأسلحة، بينما كان العلماء يفتون بتحريم بيعها للأعداء؛ لما في ذلك من تقويتهم على المسلمين.

حكم الحديث وفوائده

  • مشروعية الوقف، وصحة وقف المنقولات كالأعتاد والدروع، وجواز وقف كل ما يجوز بيعه والانتفاع به مع بقاء عينه؛ كالعقار والحيوان والسلاح والأثاث ونحوها.
  • بيان فضيلة من فضائل خالد بن الوليد - رضي الله عنه -، حيث دافع عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وردّ ما قيل فيه، وأثنى على وقفه لأدرعه وأعتاده.
  • الاعتذار عن أهل الفضل، وحمل أفعالهم على أحسن المحامل ما لم يظهر ما يخالف ذلك، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع خالد - رضي الله عنه -.
  • أن المال الموقوف لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه خرج من ملك صاحبه وصار وقفًا لله -تعالى-، فلا زكاة في الأعيان الموقوفة.
  • حث المسلمين على إنشاء الصدقات الجارية والأوقاف النافعة التي يستمر نفعها وأجرها بعد وفاة أصحابها.

أركان الوقف وشروطه

لا ينعقد الوقف إلا بتوافر أركانه الأساسية، وهي: الواقف، والصيغة، والموقوف (عين الوقف)، والموقوف عليه.
  • أولًا: الصيغة: ينعقد الوقف بالإيجاب الصادر من الواقف دون اشتراط قبول الموقوف عليه، بخلاف العقود التي يشترط فيها القبول، ويكون الإيجاب باللفظ أو الكتابة الدالة على حبس العين وتسبيل المنفعة، فإن عجز الواقف عنهما انعقد بالإشارة المفهمة؛ كما ينعقد بالفعل مع القرينة الدالة على إرادة الوقف؛ كمن يبني مسجدًا ويأذن للناس بالصلاة فيه، أو مقبرة ويأذن بالدفن فيها، ويشترط في صيغة الوقف أن تكون جازمة غير معلقة على وعد أو تردد، وأن تكون منجزة غير معلقة على شرط مستقبل، وأن تدل على التأبيد والاستمرار دون تقييد بمدة زمنية، وهو مذهب جمهور الفقهاء، بينما أجاز المالكية الوقف المؤقت.
  • ثانيًا: شروط الواقف: يشترط لصحة الوقف أن يكون الواقف أهلًا للتبرع؛ بأن يكون حرًا، بالغًا، عاقلًا، رشيدًا، غير مُكره ولا محجور عليه، وأن يكون مالكًا للعين التي يرغب في وقفها.
  • ثالثًا: شروط الموقوف (عين الوقف) يشترط في المال الموقوف أن يكون مالًا متقومًا مباح الانتفاع به، مملوكًا للواقف، معلومًا وقت الوقف علمًا يرفع الجهالة. ويجوز وقف العقارات والأموال النقدية والأسهم والمنقولات التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء أصلها، ولا يصح وقف ما يستهلك بالانتفاع كالأطعمة. كما يصح وقف المشاع إذا كانت حصة الواقف معلومة، ويجوز أن يزداد الأصل الموقوف بإضافات عينية أو نقدية وفق ما تقتضيه المصلحة.
  • رابعًا: شروط الموقوف عليه: والمقصود به الجهة المستحقة لريع الوقف ومنافعه، ويشترط أن تكون جهة مشروعة يتقرب الواقف إلى الله بالوقف عليها، وألا تكون جهة محرمة شرعًا. كما يشترط أن تكون جهة غير منقطعة، كالوقف على وجوه البر والخير؛ مثل القرآن الكريم، والمساجد، والفقراء والمساكين، والإطعام، ونحوها في الوقف الخيري، أو على الأبناء والأقارب في الوقف الأهلي.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك