العَرْش والماء والقلم
تابع صاحبي (إدريس) الهولندي حديثه: - وإذا تتبعنا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة في هذا الباب -أعني بداية الخلق- تتضح لنا الصورة، دون أدنى شك؛ ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: «دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم فقال - صلى الله عليه وسلم -: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: بشرتنا فأعطنا (أي إنهم طلبوا عطية دنيوية)، مرتين ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال - صلى الله عليه وسلم -: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن؛ إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر (أي بداية الخلق)؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض». كنت منصتًا، مستمتعًا بحديث (إدريس)؛ لما فيه من عمق، وعلم، ومنهج بحثي، كيف لا؟ وقد قضى عمره يدرّس الأديان، ويبحث حتى بلغ درجة (الأستاذية)، (بروفسور)، ثم هداه الله إلى الإسلام. تابع حديثه: - في شرح هذا الحديث، بالطبع كذا كتاب، ولكن أنقل لك خلاصة بحثي:
- قوله: (عن هذا الأمر).
- قوله: (كان الله ولم يكن شيء غيره)، وفي رواية أخرى «ولم يكن شيء قبله»، وفي رواية غير البخاري «ولم يكن شيء معه»، والقصة متحدة، فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى، ولعل راويها أخذها من قوله - صلى الله عليه وسلم - في دعائه في صلاة الليل -كما تم من حديث ابن عباس- «أنت الأول فليس قبلك شيء»، لكن رواية الباب أصرح في العدم، وفيه دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء، ولا العرش ولا غيرهما؛ لأن كل ذلك غير الله -تعالى- يكون قبله، وكان عرشه على الماء: «معناه أنه خلق الماء سابقًا ثم خلق العرش على الماء، وقد وقع في قصة نافع بن زيد الحميري بلفظ «كان عرشه على الماء ثم خلق القلم؛ فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السماوات والأرض وما فيهن»؛ فصرح بترتيب المخلوقات بعد الماء والعرش.
- قوله: «وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض», هكذا جاءت هذه الأمور الثلاثة معطوفة بالواو، ووقع في الرواية الأخرى «ثم خلق السماوات والأرض» ولم يقع بلفظ «ثم» إلا في ذكر خلق السماوات والأرض، وقد روى مسلم من حديث عبدالله بن عمرو مرفوعًا «أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»، وهذا الحديث يؤيد رواية من روى «ثم خلق السماوات والأرض» باللفظ الدال على الترتيب، وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا «أن الماء خلق قبل العرش» وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة «أن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء» وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا «أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب؛ فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة» فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي إنه قيل له اكتب بعد خلق الماء والعرش.
- قوله (ما تحته هواء):
لاتوجد تعليقات