رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: forqan 8 يونيو، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم- بـاب: النَّهْــيُّ عَـنْ النَّـجْــشِ

  • نظَّمَ الشَّرعُ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشَّراءِ وأَوضَح أموراً لابُدَّ منها حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم
  • في الحديث بَيانُ حِرصِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على كلِّ ما هو خَيرٌ لأمَّتِه ورِفقِهِ بها حتى في المصالحِ الدُّنيويَّةِ
  • لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يزيد في ثَمن سلعة وهو لا يُريد شراءها ولا يحل للبائع أنْ يدّعي أنّه أعطي في السلعة كذا وهو لمْ يُعط
   

عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ النَّجْشِ. الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1156) باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسَوْمه على سومه، وتحريم النجش، وتحريم التصرية، وأخرجه البخاري في البيوع (2142) باب: النّجش، ومَنْ قال: لا يجوز ذلك البَيع.

في هذا الحديثِ يَنْهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن النَّجْشِ؛ بفتح النون وسكون الجيم، أصْلُه في اللغة: إثارة الصّيد مِنْ مَخْبئه ليصيدَه غيرُه، وفسّر ابن قتيبة النجش: بالخَتْل والخَديعة، وفي الاصْطلاح: هو أنْ يَزيدَ في ثَمَن السِّلْعة لا ليَشْتريها، بل ليخدَعَ غيرَه، ويُغْريه بشرائها، وقد يقع ذلك بعِلم البائع ومُواطأته، فيَشْتركان في الإثْم، وقد يقع بغيرِ علم البائع فيختصُّ بذلك الناجش، وقد يختصّ به البائع، كمَن يُخبر بأنّه اشْترى سلعةً بأكثر ممّا اشتراها به؛ ليَغرّ غيره بذلك. قاله الحافظ (4/355)، وعلّة النّهي عن النَّجش؛ مَا فيه مِنَ الغِشِّ والتَغريرِ بالنَّاسِ وخِداعِهم.

        وقال البخاري في صحيحه: باب النَّجْش، ومَنْ قال: لا يجُوز ذلك البيع، وقال ابنُ أبي أوفى: الناجش آكلُ رِبَا خائن، وهو خِداعٌ باطلٌ لا يَحلّ، قال النّبي - صلى الله عليه وسلم-: «الخديعة في النار، ومَنْ عَمِل عملًا ليسَ عليه أمْرُنا، فهو ردٌّ». ثم ساق الحديث.

الناجش آكلُ ربا خائن!

وقول البخاري: وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكلُ ربا خائن، قال الحافظ في الفتح: هذا طرف من حديث أورده المصنف في الشهادات، في باب: قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} (آل عمران: 77)، ثم ساق فيه من طريق السكسكي عن عبدالله بن أبي أوفى قال: أقام رجل سلعته؛ فحلف بالله لقد أعطى فيها ما لم يعط، فنزلت. قال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن، أورده من طريق يزيد بن هارون عن السكسكي، ثم قال الحافظ: وأطلق ابن أبي أوفى على مَنْ أخبَرَ بأكثر ممّا اشترى به أنه ناجش؛ لمشاركته لمن يزيدُ في السلعة، وهو لا يُريدُ أنْ يشتريها في غرور الغير، فاشْتَركا في الحُكم لذلك، وكونه آكل ربا بهذا التفسير، وكذلك يصح على التفسير الأول إنْ واطأه البائع على ذلك، وجعل له عليه جُعلًا، فيشتركان جميعاً في الخيانة. اهـ. وقد أوضح الحافظ -رحمه الله- أنّ قوله في الترجمة: وهو خداع باطل لا يحل، هو من تفقه المصنف، وليس من تتمة كلام ابن أبي أوفى.

فوائد الحديث

  • أنّه لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يزيد في ثَمن سلعة، وهو لا يُريد شراءها.
  • لا يحل للبائع أنْ يدّعي أنّه أعطي في السلعة كذا، وهو لمْ يُعط.
  • حريٌ بالبيع الذي يجري فيه النّجش، ألا يُبارك للبائع فيه.
  • الشَّرع نظّم أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشَّراءِ، وأَوضَح أمورًا لابُدَّ منها؛ حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم وهي خاليةٌ مِن الجَهالةِ أو الخِداعِ أو الحُرْمةِ.

باب: النَّهْي عنْ تَلَقّي السِّلَع

     عن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لَا تَلَقَّوْا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ؛ فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ؛ فَهُوَ بِالْخِيَارِ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1156) باب: تحريم تلقّي الجلب. في هذا الحديثِ يَنْهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- عن بَعضِ المُعاملاتِ الَّتي يَترتَّبُ عليها الغِشُّ والخِداعُ في البُيوعِ، وتُؤدِّي إلى الضَّررِ بالبائِعِ أو المُشتري، فقال - صلى الله عليه وسلم-: «لا تَلَقَّوُا الجلب»، وفي رواية: «لا تَلَقَّوُا الرُّكبانَ» يَعنِي: لا تَستَقبِلوا الَّذين يَحمِلون بَضائِعَهم إلى بَلدٍ ما ليَبيعُوها، فتَشتَروا مِنهم قبْلَ قُدومِهم إلى الأسواقِ بالبلد ومَعرفَةِ أسعارِها؛ لأنَّ هذا يَضُرُّ بالبائعِ؛ لأنَّهم قد يَشتَرون منه بأَقلَّ مِنْ سِعرِها المَعروفِ، وقد يَضُرُّ بأهلِ البَلدِ؛ لأنَّهم قد يَزيدونَ في ثَمنِها عليهم. - قال النووي -رحمه الله-: «وفي هذه الأحاديث: تَحريمُ تلقّى الجَلَب، وهو مذهبُ الشافعي ومالك والجمهور، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوزُ التلقّي إذا لمْ يضر بالناس، فإنْ أضَرّ كُره، والصحيح الأول للنَّهْي الصّريح. قال: قال العلماء: وسببُ التّحريم: إزالة الضَّرَر عن الجالب، وصيانته ممّن يَخْدعه، قال الإمام أبو عبدالله المازري: فإنْ قيل: المنع مِنْ بيع الحاضر للبادي؛ سببه الرّفق بأهلِ البلد، واحْتمل فيه غبن البادي، والمنع مِنَ التلقّي؛ ألا يُغْبن البادي، ولهذا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «فإذا أتَى سَيّدُه السّوق؛ فهو بالخِيَار».

النظر إلى مصلحة الناس

       فالجواب: أنّ الشّرع ينْظر في مثل هذه المَسَائل إلى مَصْلحة الناس، والمَصْلحة تقتضي أنْ ينظرَ للجَمَاعة على الوَاحد، لا للوَاحدِ على الوَاحد، فلمّا كان البادئ إذا باع بنفسِه؛ انتفعَ جميعُ أهلِ السُّوق، واشْتَروا رَخيصاً فانتفعَ به جميعُ سُكّان البلد؛ نَظَر الشّرعُ لأهلِ البَلَد على البَادي، ولمّا كانَ في التّلقّي إنّما يَنْتفع المُتلقّي خاصّة، وهو واحدٌ في قبالة واحد، لمْ يكنْ في إباحةِ التلقّي مَصْلحة، لا سيما ويَنَضاف إلى ذلك علةٌ ثانية، وهي: لُحُوقُ الضّررِ بأهلِ السُّوق، في انْفراد المتلقّي عنْهم بالرُّخْص، وقَطع المَواد عنهم، وهم أكثرُ مِنْ المُتلقّي، فنَظَرَ الشَّرْع لهم عليه، فلا تناقضَ بين المَسْألتين، بل هُما مُتّفقتان في الحِكْمة والمَصلحة، والله أعلم», وأما قوله - صلى الله عليه وسلم-: «فإذا أتَى سيّدُه السُّوق، فهو بالخِيار» سواءً أخبر المُتلقّي بالسّعر كاذباً أمْ لمْ يُخبر، وإنْ كان الشّراء بسِعر البلد أو أكثر، فوجهان: الأصح لا خيار له، لعدم الغَبْن، والثاني: ثُبُوته لإطلاق الحديث. قاله النووي.

فوائد الحديث

  • نظَّمَ الشَّرعُ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشَّراءِ، وأَوضَح أموراً لا بُدَّ منها؛ حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم، وهي خاليةٌ مِنَ الجَهالةِ أو الخِداعِ أو الحُرْمةِ.
  • وفيه: بَيانُ حِرصِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم- على كلِّ ما هو خَيرٌ لأمَّتِه، ورِفقِهِ بها، حتى في المصالحِ الدُّنيويَّةِ.
  • وفيه: أنَّ الإمامَ ووَلِيَّ الأمرِ؛ يُرشِدُ النَّاسَ في بُيوعِهم وشِرائِهِم داخِلَ الأسواقِ.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك