خواطر الكلمة الطيبة .. الصلاة بين الاجتهاد وإحياء السُنَّة
- الصلاة هي أعظم عبادة بعد توحيد الله عزوجل فهي عِماد الدين وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة
- انتشر كتاب (صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -) للعلامة الألباني رحمه الله انتشارًا واسعًا في العالم الإسلامي وأحدث أثرًا واضحًا في تصحيح كثير من أخطاء الصلاة
إنَّ من أعظم ما علَّمه ربُّ العالمين لنبيِّه الكريم - صلى الله عليه وسلم -: الصلاة؛ فهي صلةُ العبد بربه، وعمادُ الدين، وأولُ ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاة خيرُ موضوع»، ولعِظم شأنها، تولّى الله -عز وجل- بيانها لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - بيانًا كاملًا، وحدد أوقاتها وحدودها، كما أوحى إليه كيفية أدائها وهيئتها التي يحبها الله ويرضاها، ليتقرب العباد إليه على بصيرة واتباع.
ثم نقل الصحابة -رضوان الله عليهم- صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - نقلًا دقيقًا أمينًا، فتلقّاها عنهم التابعون، ثم من تبعهم بإحسان، جيلاً بعد جيل، حتى بقيت هذه الشعيرة محفوظة بحفظ الله -تعالى- لهذا الدين.بداية المدارس الفقهية
ومع اتساع الأمصار، وتفرّق العلماء في البلدان، ظهرت قضية تفاوت وصول الأحاديث إلى الأئمة والعلماء؛ فربما بلغ أحدَهم حديثٌ لم يبلغ غيره، وربما صحَّ عند إمامٍ ما لم يصح عند آخر، إضافةً إلى اختلاف مراتب الأحاديث بين الصحيح والحسن والضعيف، والمتصل والمنقطع، وغير ذلك من علوم الرواية والدراية التي اعتنى بها علماء الأمة عنايةً عظيمة. ومن هنا نشأت المدارس الفقهية المشهورة، فكان للإمام أبي حنيفة -رحمه الله- اجتهاده في أبواب الصلاة، وكذلك الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد -رحمهم الله جميعًا-، وكلهم قصدوا اتباع السنة وطلب الحق بحسب ما بلغهم من العلم والدليل، ثم توارث الناس هذه المدارس، وانتشرت في الأقاليم الإسلامية؛ فغلب المذهب المالكي في بعض البلاد، والشافعي في أخرى، والحنبلي في غيرها، وهكذا أصبحت الأمة تسير على هذه المذاهب الفقهية المعروفة.أهل الحديث ومنهج الدليل
وفي مقابل ذلك، ظهر علماء الحديث الذين تجردوا في بحثهم عن التقليد المجرّد، لا استهانةً بالمذاهب ولا انتقاصًا لأئمتها، وإنما رغبةً في تتبع النصوص الصحيحة، والوقوف على الهيئة الأقرب إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن مسائل الصلاة من الأمور التعبدية المبنية على الاتباع المحض. فكان هؤلاء العلماء يتحرّون صحة الحديث، ويدققون في أسانيده ومتونه، فإذا صحَّ الحديث عندهم اتبعوه، عملاً بقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وهكذا سارت الأمة بين مدارس الاجتهاد الفقهي ومدارس العناية بالحديث، وكلٌّ يطلب الحق بحسب ما فتح الله عليه من العلم والفهم.الكويت واتباع السُنَّة
وكانت الكويت -كغيرها من بلاد المسلمين- قد تأثرت بما تأثرت به الأمة من انتشار التمذهب الفقهي في بعض أقاليمها، حتى بدأت في العصر الحديث صحوةٌ مباركة تدعو إلى الرجوع المباشر إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإحياء منهج الاتباع القائم على الدليل. وأصبح الناس يسمعون كثيرًا تلك الكلمة العظيمة: «إذا صحّ الحديث فهو مذهبي»، وبدأ الاهتمام يتزايد بفهم صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما وردت في الأحاديث الصحيحة، لا تعصبًا لرأيٍ أو مذهب، وإنما تعبدًا لله -تعالى- بما ثبت عن رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم -. أما أهل العلم والبصيرة، فلهم أن يبحثوا ويجتهدوا ويتحققوا من صحة الأحاديث ومراتبها، حتى يعبدوا الله على علم ويقين، كما قال عمران بن حصين - رضي الله عنه -: «قد أحسن من انتهى إلى ما علم»، أي: من عمل بما صح لديه من الدليل فقد أحسن وسلك سبيل المؤمنين، أما الجمود على ما اعتاده الناس دون التفاتٍ إلى الدليل، فليس من شأن أهل الاتباع والتسليم.
كتاب غيّر واقع الصلاة
وفي خضم هذه الصحوة العلمية المباركة، جاء ميلاد كتابٍ كان له أثرٌ بالغ في العالم الإسلامي، وهو كتاب:( صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -) للشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، الذي صدر عام 1981م، فكان بحق حدثًا علميًّا مؤثرًا في واقع المسلمين، ولم يكن هذا الكتاب بدعًا من كتب أهل الحديث، بل هو امتدادٌ لجهود العلماء السابقين في خدمة السُنَّة، غير إن الله -عز وجل- وفّق الشيخ الألباني لجمعٍ وتحقيقٍ وتحريرٍ قلَّ نظيره في هذا الباب، حتى أصبح القارئ يشعر -وهو يقرأ الكتاب- كأنه يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي أمامه، من التكبير إلى التسليم؛ كما وصف ذلك الإمام ابن القيم -رحمه الله- بقوله: «كأنك تراه». وقد كتب كثير من العلماء في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن هذا الكتاب تميز بدقة التحقيق، وسعة الاستدلال، وجمع الروايات، والعناية ببيان الصحيح من الضعيف، حتى شهد له بذلك كثير من الأكاديميين والباحثين وأهل الاختصاص.أثر الكتاب في إحياء السُنَّة
ومن بركات هذا الكتاب المبارك أنه انتشر انتشارًا واسعًا في العالم الإسلامي، وأحدث أثرًا واضحًا في تصحيح كثير من أخطاء الصلاة، وإحياء السنن التي ضعفت أو غابت عند بعض الناس، تحقيقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي». ومن عاش في الستينيات ثم أدرك الثمانينيات، رأى بعينه كيف تغيّرت هيئة الصلاة في كثير من المساجد، وكيف عادت روح السُنَّة تدب في صفوف المصلين، وكيف أُميتت كثير من البدع والمخالفات، وانتشرت السنن بالدليل والتعليم، حتى أصبح كثير من طلاب العلم الذين تربوا على هذا الكتاب دعاةً ومشايخ ينشرون ما تعلموه بين الناس، ويصححون لهم عبادتهم، فتوسعت دائرة الانتفاع بهذا العمل المبارك.شهادة العلماء للكتاب ومؤلفه
ومن أجمل ما قيل في هذا الكتاب ما ذكره سماحة الشيخ: عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله- حين سُئل عن تقييمه لكتاب صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «هذا كتاب طيب مفيد، والشيخ ناصر الدين الألباني رجل علاّمة طيب فاضل، وله اجتهاد عظيم في إحياء السنن وبيان الصحيح من الضعيف، فهو مشكور على جهوده، جزاه الله خيرًا وضاعف مثوبته، وكل أحد قد يخطئ، وليس أحدٌ من العلماء بمعصوم». وهذه شهادةٌ عظيمة من إمامٍ كبير في حق الكتاب ومؤلفه، مع ما قد يقع بين العلماء من اختلافٍ في بعض المسائل والاجتهادات، وهو أمرٌ معروف بين أهل العلم، لا ينقص من قدرهم، ولا يقدح في إخلاصهم وفضلهم.أثر أهل السُنَّة والجماعة
كما كان لدعاة أهل السُنَّة والجماعة أثرٌ ظاهر في نشر هذا العلم، وتعليم الناس صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والدعوة إلى تصحيح الصلاة على وفق السنة، فقد بذلوا جهودًا كبيرة في تدريس هذا الكتاب، ونشره بين الناس، وإحياء معاني الاتباع، وربط المسلمين بالدليل الشرعي الصحيح، وكان لذلك أثرٌ بالغ في تصحيح عبادات الناس، وتقوية صلتهم بالسنة النبوية، وإحياء روح الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أدق تفاصيل العبادة وأجلِّها.الصلاة أعظم ما يُعتنى به بعد التوحيد
وختامًا، فإن الصلاة هي أعظم ما يُقدَّم للناس بعد توحيد الله -عز وجل-؛ فهي عماد الدين، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، وما أحوج الأمة اليوم إلى العناية بالصلاة علمًا وعملاً وخشوعًا واتباعًا، وأن تُؤدَّى كما صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم -، بعيدًا عن الغفلة والتقصير والبدع، حتى تتحقق فيها معاني العبودية الكاملة لله رب العالمين.
لاتوجد تعليقات