رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عبدالرحمن الجيران 25 مايو، 2026 0 تعليق

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. السادس والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الجهاد  (١)

  • الجهاد شعبة عظيمة من شعب الإيمان وقد دلَّت النصوص القرآنية والحديثية على علوّ منزلته وكونه من أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله
  • مفهوم الجهاد في الإسلام أوسع من مجرد القتال فهو يشمل جهاد النفس والشيطان والهوى والأمر بالمعروف والثبات على الحق
 

إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالًا.

  • الجهاد من شعب الإيمان لقوله -تعالى-:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78)، وقوله -تعالى-: {جَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} (التوبة: 123)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} (الأنفال: 65)، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في (الصحيحين) سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وحديث عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- في صحيح البخاري: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ».

المعنى الإجمالي

        الجهاد من أفضل الأعمال قربة إلى الله تعالى فيه تفتح البلاد وتعبد لله قلوب العباد ويعز الدين وتنقذ البشرية من النار، ولقوله -تعالى-: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78)، والجهاد: «هو ذروة سنام الإسلام، وهو في اللغة: بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل.
  • وشرعًا: بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار، والبغاة، والمرتدين ونحوهم».
قال القرطبي: قوله -تعالى-: «{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78) قيل: عنى به جهاد الكفار، وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم. قال ابن عطية: وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله -تعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16). وكذا قال هبة الله: (إن قوله: {حَقَّ جِهَادِهِ}، وقوله في الآية الأخرى: {حَقَّ تُقَاتِهِ} (آل عمران: 102) منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر، ولا حاجة إلى تقدير النسخ، فإن هذا هو المراد من أول الحكم، لأن (حق جهاده) ما ارتفع عنه الحرج.

خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ

        وقد روى سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ»، وقال أبو جعفر النحاس، وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ، لأنه واجب على الإنسان، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ لِلهِ»، وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم -: (أي الجهاد أفضل؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة العقبة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: أين السائل؟ فقال: أنا ذا، فقال -صلى الله عليه وسلم -: «كلمة عدل عند سلطان جائر».
  • قوله: وقوله -تعالى-: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذه ثلاثة أصول لأهل محبة الله: إخلاص دينهم، ومتابعة رسوله، والجهاد في سبيله، فإنه أخبر عن المشركين الذين يتخذون الأنداد أنهم يحبونهم كما يحبون الله، ثم قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: 165)؛ فالمؤمنون أشد حبًا لله من المشركين الذين يحبون الأنداد كما يحبون الله، فمن أحب شيئًا غير الله كما يحب الله فهو من المشركين لا من المؤمنين.
ومحبة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من محبته -سبحانه-؛ ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه في الصحيحين: «فَوَالَّذِي نَفْسِي لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وفي صحيح البخاري أن عمر -رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله، والله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمرُ حتى أكون أحب إليك من نفسك. قال: فأنت أحبّ إليّ من نفسي. قال: فأنت الآن يا عمر»، وفي الصحيحين أنه قال -صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من كنّ فيه فقد وجد حلاوة الإيمان، وفي لفظ لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».

حبهم لله ورسوله

       وقد قال الله -تعالى-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة: 24)؛ فلم يرضَ منهم أن يكون حبهم لله ورسوله كحب الأهل والمال، وأن يكون حب الجهاد في سبيله كحب الأهل والمال، بل حتى يكون الجهاد في سبيله، الذي هو تمام حبه وحب رسوله، أحبَّ إليهم من الأهل والمال، فهذا يقتضي أن يكون حبهم لله ورسوله مقدّمًا على كل محبة ليس عندهم شيء يحبونه كحب الله بخلاف المشركين، ويقتضي الأصل الثاني، وهو أن يكون الجهاد في سبيله أحبَّ إليهم من الأهل والمال، فإن ذلك هو تمام الإيمان الذي ثوابه حب الله ورسوله، كما قال -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (الحجرات: 15).

وصف أهل المحبة

       وبذلك وصف أهل المحبة في قوله -تعالى:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54)، فأخبر -سبحانه- بذلهم للمؤمنين وعزهم على الكافرين وجهادهم في سبيله، وأنهم لا يخافون لومة لائم، فلا يخافون لوم الخلق لهم على ذلك، وهؤلاء هم الذين يحتملون الملام والعذل في حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، والله يحبهم وهم يحبونه، ليسوا بمنزلة من يحتمل الملام والعذل في محبة ما لا يحبه الله ورسوله، ولا بمنزلة الذين أظهروا من مكروهات الحق ما يلامون عليه ويسمّون بالملامتية، ظانين أنهم لما أظهروا ما يلومهم الخلق عليه من المنكرات مع صحتهم في الباطن كان ذلك من صدقهم وإخلاصهم، وهم في ذلك إنما يتّبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن ذلك المنكر الذي يكرهه الله ورسوله لا يكون فعلُه مما يحبه الله ورسوله، ولا يكون من الصدق والإخلاص في حب الله ورسوله والناس يلامون عليه، وسنام ذلك الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله، واللائمون عليه كثير؛ إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، وهم إما مُخذِّلون مُفتِّرون للهمة والإرادة فيه، وإما مرجفون مضعفون للقوة والقدرة عليه وإن كان ذلك من النفاق، قال الله -تعالى-: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} (الأحزاب: 18)، وقال -تعالى-: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} (الأحزاب: 60). وأما متابعة السنة والشريعة النبوية قال الله -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31)، قال طائفة من السلف: فقد ادعى قوم على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية، فجعل حبّ العبد لربه موجبًا ومقتضيًا لاتباع رسوله، وجعل اتباع رسوله موجبًا ومقتضيًا لمحبة الرب عبده، فأهل اتباع الرسول يحبهم الله، ولا يكون حبا لله إلا من يكون منهم».

كيفية الجهاد

  • قوله: وقوله -تعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} (التوبة: 123)، قال القرطبي: فيه مسألة واحدة: «وهو أنه -سبحانه- عرفهم كيفية الجهاد، وأن الابتداء بالأقرب فالأقرب من العدوّ؛ ولهذا بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرب، فلما فرغ قصد الروم وكانوا بالشام. وقال الحسن: نزلت قبل أن يؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتال المشركين؛ فهي من التدريج الذي كان قبل الإسلام. وقال ابن زيد: المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (التوبة: 29). وقد روي عن ابن عمر أن المراد بذلك الديلم. وروي عنه أنه سئل: بمن يبدأ بالروم أو بالديلم؟ فقال: بالروم، وقال الحسن: هو قتال الديلم والترك والروم. وقال قتادة: الآية على العموم في قتال الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى. قلت: قول قتادة هو ظاهر الآية، واختار ابن العربي أن يبدأ بالروم قبل الديلم؛ على ما قاله ابن عمرَ -رضي الله عنهما- لثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم أهل كتاب، فالحجة عليهم أكثر وآكد. الثاني: أنهم إلينا أقرب أعني أهل المدينة. الثالث: أن بلاد الأنبياء في بلادهم أكثر، فاستنقاذها منهم أوجب. والله أعلم.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك