في ضوء الرؤية الإسلامية للعمران والعمل .. معدلات الإنتاجية في زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي
- أفرز الذكاء الاصطناعي والرقمنة واقعًا جديدًا لم يعد فيه الإنسان محور التنفيذ؛ بل محور الاختيار والتوجيه والتقويم
- يرتكز التصور الإسلامي للعمل على مبدأ الاستخلاف، الذي يجعل السعي والإنتاج جزءًا من المسؤولية الشرعية عن إعمار الأرض
- الإنتاجية في عصر الذكاء الاصطناعي لا تُقاس بعدد الخوارزميات، بل بمدى قدرتها على تعزيز الإحسان في العمل، وخدمة الإنسان، وصون كرامته، وإعمار الكون
- لا يكتفي الإسلام بالنفع، بل يجعل الإحسان سقفًا أعلى لكل عمل؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ اللهَ كتب الإحسانَ على كلِّ شيءٍ»
- تبرز الحاجة إلى فقه رقمي حضاري لا يقتصر على الفتاوى الجزئية، بل يؤسس لرؤية أخلاقية شاملة تضبط العلاقة بين الإنسان والتقنية، وتمنع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة هيمنة أو استلاب
- يقدر تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن سوق الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى حوالي 4.8 تريليون دولار بحلول 2033
- الأمة الإسلامية تملك -بما لديها من منظومة قيمية ومقاصدية متماسكة- فرصة تاريخية لتقديم نموذج حضاري بديل، يثبت أن التقدم لا يناقض الإيمان
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تقني عابر؛ بل أصبح أحد أبرز معالم التحول الحضاري في العصر الحديث؛ لما أحدثه من إعادة تكوين جذرية لمنظومات العمل، وأنماط التفكير، ومفاهيم القيمة والجدوى والإنتاجية، ومع هذا التحول المتسارع، لم يعد السؤال المطروح مقتصرًا على حدود الكفاءة أو الربحية؛ بل تجاوزهما إلى سؤال أعمق وأخطر: ما معنى الإنتاجية؟ وما موقع الإنسان فيها؟
قراءة عميقة
لا شك أن الجواب عن هذين السؤالين -من منظور إسلامي- لا يمكن أن ينحصر بين انبهارٍ غير ناقد بالتقنية، أو تخوفٍ اعتزالي لها، بل يقتضي قراءة عميقة تستحضر مقاصد الشريعة، وسنن العمران، وتجعل من الإنسان محورًا للتقدم لا هامشًا له؛ فالإنتاجية في الرؤية الإسلامية ليست مفهومًا محايدًا، بل جزءًا من تصور كوني متكامل، يجعل الإنسان خليفة في الأرض حقا، ويجعل من العمل رسالة، والعمران غاية، كما قال -تعالى-: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}.التحولات الجديدة في مفهوم الإنتاجية
نشأ مفهوم الإنتاجية الحديث في سياق الثورة الصناعية؛ حيث ارتبط بقياس المخرجات وكثافة العمل وسرعة الإنجاز؛ غير إن هذا التصور أخذ في التراجع مع صعود الاقتصاد المعرفي، ثم بلغ ذروته مع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت قادرة على إنجاز كميات هائلة من العمل في زمن وجيز وبكلفة أقل، وأمام هذا الواقع، لم يعد معيار التفاضل هو الكمّ؛ بل القيمة المضافة من حيث جودة الفكرة، وأثر القرار، وأصالة الحل، واستدامة النتيجة، وهو تحول يعيد الاعتبار لأصل إسلامي راسخ، يتمثل في أن العمل يُقوَّم بنيته وإتقانه وأثره، لا بكثرته المجردة؛ قال -تعالى-: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، ولم يقل -سبحانه-: أكثر عملًا. ويؤكده قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عمل أحدُكم عملًا أن يُتقِنَه».مكانة الإنسان في منظومة الإنتاج
لقد أفرز الذكاء الاصطناعي والرقمنة واقعًا جديدًا لم يعد فيه الإنسان محور التنفيذ؛ بل محور الاختيار والتوجيه والتقويم؛ فالآلة تحسب وتنفذ، لكنها لا تتحمّل مسؤولية أخلاقية أو شرعية، ومن هنا ينتقل الإنسان من موقع العامل المنفّذ إلى موقع المسؤول الأمين، الحامل للأمانة التي عبّر عنها قوله -تعالى-: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}، وإن مثل هذا التحول ينسجم تمامًا مع الرؤية الإسلامية التي تميّز الإنسان بالعقل والتكليف، والكرامة والتسخير الإيجابي، وليس بالقوة العضلية أو السرعة الحسابية، وذلك مصداقًا لقوله -تعالى-: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، وقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا}.الإنتاجية بين الاستخلاف والإحسان
يرتكز التصور الإسلامي للعمل على مبدأ الاستخلاف، الذي يجعل السعي والإنتاج جزءًا من المسؤولية الشرعية عن إعمار الأرض؛ قال -تعالى-: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}؛ فهي دعوة صريحة إلى العمل والكسب، ورفض الاتكالية والكسل. ومن ثم، فإن الإنتاجية في الإسلام ليست هدفًا اقتصاديا مستقلا، بل وسيلة لتحقيق العدل والكفاية والصلاح، ويجسّد ذلك التوجيه النبوي المستدام: «إن قامتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ فليغرِسْها» ، فهذا المعنى بأوضح صوره، يمنح العمل قيمة ذاتية تتجاوز النتائج العاجلة، وتربطه بالمسؤولية لا بالربح وحده.الإحسان سقف الإنتاج
لا يكتفي الإسلام بالنفع، بل يجعل الإحسان سقفًا أعلى لكل عمل؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ كتب الإحسانَ على كلِّ شيءٍ»، والإحسان هنا معيار الجودة الشاملة، التي تجمع بين الإتقان الظاهر والإخلاص الباطن؛ بحيث يضبط التقنية ضمن سياج أخلاقي يحول دون توظيفها في تكريس الظلم أو الجشع. وعليه، فإن الإنتاجية في عصر الذكاء الاصطناعي لا تُقاس بعدد الخوارزميات، بل بمدى قدرتها على تعزيز الإحسان في العمل، وخدمة الإنسان، وصون كرامته، وإعمار الكون.
الأخلاقيات الرقمية والفقه الحضاري
يقرّ الإسلام مبدأ تسخير الكون للإنسان، لكنه يربطه دائمًا بمبدأ الأمانة والمسؤولية؛ قال -تعالى-: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ}، وفي سياق الذكاء الاصطناعي، تتجلى هذه الثنائية بوضوح من خلال تلك القدرة الهائلة على التأثير، التي يقابلها خطر جسيم إن غابت الضوابط الشرعية والقيمية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى فقه رقمي حضاري لا يقتصر على الفتاوى الجزئية، بل يؤسس لرؤية أخلاقية شاملة تضبط العلاقة بين الإنسان والتقنية، وتمنع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة هيمنة أو استلاب، ويتصل ذلك بعمق بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيّتِه».مركزية الكرامة الإنسانية
تعدّ كرامة الإنسان المعيار الضابط لأي توظيف تقني؛ قال -تعالى-: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}؛ فكل تطبيق ينتهك الخصوصية، أو يعمّق الظلم، أو يسلب الإنسان حريته في الاختيار، أو يدمر حياته ويفقده مكتسباته المشروعة، ويحرمه من فرص العمل الشريف، هو استخدام فاقد للمشروعية، مهما بلغت كفاءته التقنية.الإنتاجية بين الفرص والتحديات
ولاشك أن ثورة الذكاء الاصطناعي فرضت تحديات اقتصادية واجتماعية حقيقية، في مقدمتها البطالة التقنية، واتساع الفجوة الرقمية، وتركّز الثروة في يد قلّة؛ وهو ما يتطلب مقاربة قائمة على العدالة الاجتماعية، كما في قوله -تعالى-: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنكُمْ}، كما تبرز تحديات أخلاقية ومعرفية، أبرزها تحيّز الخوارزميات، وغموض المساءلة، والتنصل من المسؤولية بإحالتها إلى (الآلة)، وفي المنظور الإسلامي، لا يُقبل مثل هذا التسويغ؛ لأن الحساب قائم على فعل المكلفين، وميزان الأعمال يوم القيامة بين يدي الله -عز وجل- : {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}.ملامح النموذج الإسلامي للإنتاجية
ينبغي أن يقوم النموذج الإسلامي المنشود على مركزية الإنسان لا الآلة، وعلى تكامل التقنية مع القيم لا انفصالها عنها، مع الحرص على الجمع بين الكفاءة والإحسان، وفق منظومة تكاملية تسخّر قدرات الآلة في نفع البشرية، بما يختصر الوقت والجهد والمال ويحقق التنمية المستدامة المتوازنة، مع ربط العمل بالرسالة لا بالمردود المادي فقط، وتتوزع أدوار المسؤولية هنا تكامليا بين التعليم، والمؤسسات الاقتصادية، والأفراد، والدولة، ضمن إطار مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.
رقيّ الإنتاجية في بُعدها الحضاري
إن الذكاء الاصطناعي لا يطرح علينا سؤال التقنية بقدر ما يطرح سؤال الإنسان: هل نُحسن توظيف الأدوات، أم نخضع لها ؟ وهل نجعل الإنتاجية وسيلة لإعمار الأرض، أم مدخلًا جديدًا لتحويل الإنسان إلى سلعة استهلاكية؟!- والجواب عن ذلك يكمن في أن الأمة الإسلامية تملك - بما لديها من منظومة قيمية ومقاصدية متماسكة- فرصة تاريخية لتقديم نموذج حضاري بديل، يثبت أن التقدم لا يناقض الإيمان، وأن التقنية يمكن أن تكون خادمة للإنسان لا بديلًا عنه؛ فالإنتاجية - في جوهرها - ليست في عدد ما ننتج، بل بحقيقة ما نُعمِّر به الحياة، مستحضرين على الدوام قوله -تعالى-: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.
إحصاءات الإنتاجية في زمن الذكاء الاصطناعي
ينبغي أن ندرك أن نتائج إحصاءات الإنتاجية ومؤشراتها في زمن الذكاء الاصطناعي، لا تزال في طور التكون، لكنها تعطي فكرة واضحة عن أثر الذكاء الاصطناعي في تسريع النمو وتحسين كفاءة العمل، مع تفاوت كبير بين الدول والقطاعات؛ فعلى مستوى الشركات والقطاعات على سبيل المثال تشير تحليلات (ماكينزي) إلى أن الشركات التي تدمج أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة، يمكن أن تحقق زيادات في الإنتاجية، تتراوح بين 20-40% في بعض نماذج العمل، بل تصل إلى نحو 50% على مدى سنوات في حالات الاستخدام المكثف.- ولعل من الأمثلة التطبيقية على ذلك شركة (سيمنس) التي حققت زيادة تقارب 20% في إنتاجية العمل خلال ستة أشهر بعد إدخال حلول ذكاء اصطناعي لإدارة الصيانة وسلاسل الإمداد، مع خفض التوقفات غير المخطط لها بما يقارب 30% عبر التنبؤ بالأعطال وتحسين تخصيص الموارد.
- فيما يقدر تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) أن سوق الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى حوالي 4.8 تريليون دولار بحلول 2033، مع تأثير مباشر على معظم القطاعات من تصميم المنتجات إلى خدمة العملاء والبرمجة، ما يعكس انتقالًا واسعًا نحو نماذج إنتاجية مدفوعة بالبيانات والخوارزميات.
- أما على مستوى الوظائف والمهام فإن التقديرات تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في نحو 40% من الوظائف عالميا، مع كون ما يقرب من ثلث الوظائف في الاقتصادات المتقدمة معرّضة -بدرجة عالية- للأتمتة، لكن في الوقت نفسه يمكن تحسين نحو 27% من الوظائف في تلك الاقتصادات عبر الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تعزيز إنتاجية العامل بدل استبداله.
- ويخلص (تحليل ماكينزي لتوزيع الأثر عبر الوظائف) إلى أن أكبر مكاسب الإنتاجية ستكون في الأعمال المعرفية: القرار، والتحليل، وإدارة المواهب؛ حيث ارتفعت التقديرات التقنية لإمكان أتمتة أنشطة (تطبيق الخبرة) بنسبة 34 نقطة مئوية بين 2017 و2023، كما ارتفعت إمكانات أتمتة مهام الإدارة وتطوير المواهب من 16% إلى 49%.
تفاوت التقديرات والتحفظات
ومن الجدير بالذكر أن مراجعات بحثية في الولايات المتحدة وأوروبا أوضحت أن نطاق التقديرات لأثر الذكاء الاصطناعي على نمو إنتاجية العمل واسع، ويتراوح إجمالًا من نحو 0.12 حتى 3.5 نقاط مئوية سنويا في العقد القادم، وذلك تبعًا لسرعة تبني التكنولوجيا، وجودة البنية التحتية الرقمية، ومدى قدرة أسواق العمل على إعادة تأهيل العاملين.- في حين ترى بعض التحليلات المتحفظة أن القدرات الحالية قد تعطي مكاسب متوسطة فقط في المدى الكلي - في حدود 0.1% سنويا - إن تم التركيز على الأتمتة على حساب خلق مهام جديدة ذات قيمة مضافة، بينما التفاؤل الأكبر يفترض سيناريوهات استثمار قوي في المهارات، وإعادة توزيع المنافع، مع اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي.

الخاتمة:
وفي ضوء تلك التحولات الكبرى، يتبيّن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته؛ بل في الوعي الإنساني الذي يوجّهه ويُقوّمه، والمستقبل لا يُصنع بالخوارزميات وحدها، وإنما بالبصيرة التي تسكن الضمير، وبالثبات على القيم التي تجعل من كل تقدم وسيلة لعمارة الأرض وإعلاء قدر الإنسان، ومن هنا؛ فإن البناء الحضاري المنشود في عصر الذكاء الاصطناعي لن يقوم إلا على إنتاجية واعية، تجمع بين الكفاءة والإحسان، والعلم والإيمان، لتجسّد النموذج الإسلامي الذي يجعل التقنية أداة رحمة وعدل، لا سبب فُرقة واستلاب.
لاتوجد تعليقات