رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 25 مايو، 2026 0 تعليق

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَّهْي عن بَيْع المُـلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ

المُلَامَسَة والْمُنَابَذَة كِلاهما مِن العُقُودِ المَنهِيِّ عنْها لِمَا فيها مِنَ الغرر والجهالة والغِشِّ المُلَامَسَة: أنْ يأتي بثوبٍ مَطْوي أو في ظلمة فَيَلمسه المستلم فيقول له صاحب الثوب بِعْتكه بكذا بشَرْط أنْ يَقومَ لَمْسك مقام نظرك

عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَال: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعَتَيْنِ، ولِبْسَتَيْنِ، نَهَى عَنْ المُلَامَسَةِ والْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ، والْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ، ولَا يَقْلِبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ، والمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ، ويَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ ولَا تَرَاضٍ». أخرجه مسلم في أول كتاب البيوع (3/1152) باب: إبطال بيع المُلامسة والمُنابذة.

       في هذا الحديثِ بيانٌ لبَعضِ المنهيَّاتِ في البيع، حيثُ يَرْوي أبو سعيد - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن بَيعتَين، وهما: المُلَامَسَةِ والْمُنَابَذَةِ، وفسَّرَهما في الحَديثِ بأنَّ «المُلامَسة» مِن اللَّمْسِ؛ وهي أنْ يَبِيعَ البائعُ شيئاً إلى المُشترِي؛ على أنَّه متى لَمَسَه؛ فقد تَمَّ البَيعُ، و»المُنابَذة» مِن النَّبْذِ، وهو الإلقاءُ؛ وهي أنْ يَجعَلَ إلْقاءَ السِّلعةِ إيجاباً للبَيعِ؛ فمتى أَلْقى إليه ثوباً أو غيرَه؛ التَزَمَ المُشترِي بشِرائِه، وكِلاهما مِن العُقُودِ المَنهِيِّ عنْها؛ لِمَا فيها مِنَ الغرر والجهالة والغِشِّ.

بيع الملامسة

       قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: واختلفَ العُلماء في تفسير المُلامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية أصحها: أنْ يأتي بثوبٍ مَطْوي أو في ظلمة، فَيَلمسه المستلم، فيقول له صاحب الثوب: بِعْتكه بكذا، بشَرْط أنْ يَقومَ لَمْسك مقام نظرك، ولا خِيار لك إذا رأيته، وهذا موافق للتفسيرين اللذين في الحديث. الثاني: أنْ يَجْعلا اللَمس نَفْسَه بَيعاً بغير صيغةٍ زائدة. الثالث: أنْ يَجْعلا اللمسَ شَرْطاً في قطع خيار المجلس وغيره، والبيع على التأويلات كلها باطل...

بيع المنابذة

       قال: وأمّا المُنابذة فاختلفُوا فيها أيضاً على ثلاثة أقول، وهي أوجه للشافعية أصحها أنْ يجعلا النّبذ نفسَه بيعاً كما تقدّم في المُلامسة، وهو الموافق للتفسير في الحديث المذكور، والثاني: أنْ يجعلا النبذ بيعاً بغير صيغة, والثالث: أنْ يجعلا النبذ قاطعاً للخيار، واختلفوا في تفسير «النبذ» فقيل: هو طرح الثوب كما وقع تفسيره في الحديث المذكور، وقيل: هو نبذ الحصاة والصحيح أنه غيره. وعلة بطلان البيعتين لما تحتويان عليه من الغرر والجهالة. انتهى.

قوله: «ونهَى رَسولُ الله -صلى الله عليه وسلم - عَن لِبستَين»

       قوله: «ونهَى رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَن لِبستَين» وقد فسَّرَهما في الحديثِ الآخر: بأنَّهما «اشتِمال الصَّمَّاءِ» وهو أنْ يَلُفَّ الإنسانُ جميعَ جسَدِه بالثَّوبِ، ولا يَرفَعَ شيئاً مِن جَوانبِه، فلا يُمكِنُه إخراجُ يدِه إلَّا مِنْ أسفَلِه؛ وسُمِّيَ بذلك؛ لِسَدِّه المَنافِذَ كلَّها كالصَّخْرةِ الصَّمَّاءِ، وفيه تَشبُّهٌ باليهودِ الَّذين كانوا يَفْعَلون ذلك، وقد نَهى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - عن التَّشبُّهِ بهم. قال ابن قتيبة: سُمّيت صَمّاء، لأنّه يَسدُّ المنافذ كلّها، فيصير كالصّخرة الصَّمّاء التي ليس فيها خرق، وقال الفقهاء: هو أنْ يَلتحفَ بالثّوب، ثُمّ يَرفعه مِنْ أحد جانبيه، فيَضعه على منكبيه، فيصير فرجه بادياً، قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة؛ يكونُ مَكروهاً، لئلا تعرض له حاجة فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يَحْرم، لأجل انكشاف العورة.

حكم الاحتباء

       قوله: «وعن الاحتِباءِ» وهو أنْ يَقعُدَ الإنسانُ على أَليَتَيْهِ ويَنصِبَ ساقَيْهِ، فيَضُمَّ رِجلَيْهِ إلى بَطنِه بثَوبٍ، ويَجمَعَهما مع ظهْرِه، ويَشُدَّ الثَّوبَ عليه بهذه الهيئةِ، أو يَشُدَّ على ساقَيْهِ بيَدِه؛ وإنَّما نَهَى عنه؛ لأنَّه إذا لمْ يكُنْ عليه إلَّا ثوبٌ واحدٌ، فرُبَّما تحرَّكَ أو زَالَ، فتنكشف عَوْرتُه، كما بيَّنه في قَولِه: «يُفْضي بِفَرجِه إلى السَّماء». وقيل: إنَّ الاحتِباءَ المَنْهِيَّ عنه في الجُلوسِ، هو احتِباءُ الرَّجُلِ الَّذي لا يملِكُ إلَّا ثوبًا واحداً بثوبِه، أمَّا الذي يَحتبي وهو ساترٌ لعَورتِه بالثيابِ، فلا بأسَ في ذلك.

فوائد الحديثِ

1-الابتعادِ عن كلِّ ما فيه غِشٌّ أو جَهالةٌ تُؤدِّي إلى التنازُعِ. 2- الحثُّ على سَترِ العَورةِ، والحِرصُ على حُسنِ الهَيئةِ وجَمالِها. 3- التزامُ هديِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم - في الأمْرِ والنَّهيِ في البَيعِ والشِّراءِ، وسائرِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ، هو سبيلُ الخَيرِ والنَّجاةِ في الدُّنيا والآخِرةِ.

باب: بَيْعِ الغَرَرِ والْحَصَاةِ

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أخرجه مسلم في كتاب البيوع (2/1153) باب: بُطلان بيع الحَصَاة، والبيع الذي فيه غَرَر. في هذا الحديثِ يَرْوي أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى عَن بَيعِ الحَصاةِ، وهو أحدُ بُيوعِ أهْلِ الجاهِليَّةِ الَّتي كانوا يَعقِدُونها بَيْنهُم؛ فكانَ المُتبايِعانِ إذا رَمَى أَحدُهما مِن يَدِهِ حَصاةً؛ كانَ ذلكَ عَلامةً لِتَمامِ البَيعِ، وله ثَلاثُ صُوَرٍ:
  • الأُولى: أنْ يقولَ البائعُ للمُشتري: بِعتُك مِن هذه الأثوابِ ما وقَعَت عليه الحَصاةُ الَّتي أرْمِيها، أو بِعتُك مِن هذه الأرضِ مِنْ هنا؛ إلى ما انتَهَت إليه هذه الحَصاةُ.
  •  والثَّانيةُ: أنْ يَجعَلَا الرَّميِ نفْسَه بالحَصاةِ بَيعاً، فيقولَ: إذا رمَيتُ هذا الثَّوبِ بالحَصاةِ؛ فهو مَبيعٌ مِنكَ بكذا.
  • والثَّالثُ: أنْ يقولَ: بِعتُكَ على أنَّ لك بالخِيارِ؛ إلى أنْ أرمِيَ بهذه الحَصاةِ, وقيلَ: المرادُ به أنْ يُقالَ: ارْمِ بالحَصاةِ؛ فما خَرجَ؛ كان لي بعدَدِهِ دَنانيرُ أو دَراهِمُ,  وهذا كلُّه مِن أنواع البيعِ الفاسدِ، الَّذي يَتحقَّقُ فيه الغَرر، والظُلمٌ لأحدِ المُتبايعَينِ.

قوله: «وعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»

       قوله: «وعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أي: ونَهى أيضًا رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَن بَيعِ الغَرَرِ، ومعنى الغَرَرِ: الخطَرُ والغرورُ والخِداعُ، وهذا تَعميمٌ بعْدَ تَخصيصٍ، فهوَ شاملٌ لكُلِّ بَيعٍ اشتَملَ على أيِّ نَوعٍ مِنْ أنْواعِ الخِداعِ، أوْ كانَ مَجهولَ القدر أو الكم أو الكيف، أوْ مَعجُوزاً عن تسليمه. - قال الحافظ النووي: «وأمّا النّهيُّ عن بيع الغَرَر؛ فهو أصْلٌ عَظيمٌ مِنْ أصُول كتاب البُيوع، ولهذا قدَّمه مُسلم، ويدخل فيه مسائلُ كثيرةٌ غيرُ منحصرة، كبَيع الآبق، والمَعدُوم والمَجْهول، وما لا يُقدر على تسليمه، وما لمْ يتم مُلك البائع عليه، وبيع السّمك في الماء الكثير، واللّبن في الضَّرع، وبيع الحَمل في البطن، وبيع بعض الصُّبْرة مُبْهماً، وبيع ثوبٍ منْ أثواب، وشاة مِنْ شياه، ونظائر ذلك، وكلُّ هذا بيعه باطلٌ، لأنّه غرر مِنْ غير حاجة. قال: قد يُحْتمل بعض الغَرَر بيعاً؛ إذا دعت إليه حاجة، كالجَهْل بأساس الدار، وكما إذا باع الشّاة الحامل، والتي في ضَرْعها لبن، فإنّه يصحّ البيع، لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأنّ الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته. وكذا القول في حمل الشاة ولبنها.

جواز أشياء فيها غرر حقير

       قال: وكذلك أجمع المُسْلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منْها أنّهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة، وإنْ لمْ يرَ حَشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز. وأجمعوا على جواز إجارة الدّار والدابة والثوب ونحو ذلك شهراً، مع أنّ الشهر قد يكون ثلاثين يوماً، وقد يكون تسعةً وعشرين. وأجمعوا على جواز دُخُول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في اسْتعمالهم المَاء، وفي قدر مكثهم. وأجمعوا على جواز الشُّرب مِنَ السّقاء بالعِوض، مع جهالة قدرِ المَشْروب، واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا.

أجْمَعُوا على بُطلان بيع الأجنّة في البطون

        وأجْمَعُوا على بُطلان بيع الأجنّة في البطون، والطّير في الهواء, ثمّ قال: قال العلماء: مدار البُطْلان بسبب الغَرَر، والصّحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنّهن إنْ دَعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يُمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغَرر حَقيراً، جاز البيع، وإلا فلا، وما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده، كبيع العين الغائبة، مَبْني على هذه القاعدة، فبعضُهم يرى أنَّ الغَرر حقير، فيجعله كالمَعْدُوم، فيصح البيع، وبعضُهم يراه ليس بحقير؛ فيُبطل البيع، والله أعلم. انتهى.

فوائد الحديث

1- النَّهيُ عن التَّغريرِ والخِداعِ في البَيعِ. 2- التَّحذيرُ مِن أكْلِ أمْوالِ النَّاسِ بالباطِلِ. 3- الإشارةٌ إلى أنَّ التَّبايُعَ لا بدَّ أنْ يكونَ في شَيءٍ مَعلومٍ، وثَمنٍ مَعلومٍ. 4- ومِنْ حِكَمِ النَّهيِ عنه: أنَّ ذلك مِن إضاعةِ المالِ؛ إذْ قدْ لا يَحصُلُ المبيعُ، فيكونُ بَذْلُ مالِه باطلاً. 5- كان يَسودُ في الجاهِليَّةُ أنواعٌ مِن المعامِلاتِ الَّتي تَمتلِئُ ظُلماً وإجحافاً؛ فلمَّا جاء الإسلامُ أقرَّ البَيعَ العادلَ، ونهَى عن كلِّ ما فيه ظُلمٌ؛ فمَنَع ما فيه الغِشُّ والجهالةُ لقَطْعِ النِّزاعِ والخُصومةِ بيْن النَّاسِ، وهذا مَقصِدٌ مِن المَقاصِدِ الشَّرعيَّةِ.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك