مكارم الأخلاق – اشفعوا.. تؤجروا!
صدر قرار بإعفاء من بلغ الستين عاما من بعض الوظائف. بعد صلاة المغرب والأذكار والسنة، اقترب مني، سألني إن كنت فلان؟ أجبته نعم، بعد مقدمة قصيرة، طلب مني أن أكلم وكيل الوزارة للتمديد له سنة واحدة، يسوي خلاله وضعه، سألته لم أنا؟ فأنا لا أعرف الوكيل ولا علاقة لي معه؟ أجاب، سمعت أنك تساعد الناس! وعدته أخيرا. كان صاحبي يروي لي ما حصل معه ونحن في طريقنا لمسجد (الزبن) لمحاضرة الشيخ، د.صالح السميحي. - سوف أبحث عن أحد يعرف وكيل الوزارة أو أذهب بنفسي لعل الله يوفقني أن أنجز لهذا المؤذن حاجته. التفتُّ إليه، مبتسما: - أغبطك على هذه السمعة، (أنك تساعد الناس)؛ فالسعي في قضاء الحاجات من أعظم العبادات؛ بل أحب إلى الله من الجلوس في المسجد للاعتكاف والذكر وقراءة القرآن، والحديث في الصحيحين: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته..». - الحمدلله، أنا أسعى، والله المستعان. قررنا الذهاب مشيا إلى المحاضرة؛ فالمسجد يبعد كيلو متر واحد عن مسجدنا. - وكان النبي - صلى لله عليه وسلم - إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب». في الشرح: «اشفعوا» لأرباب الحوائج المباحة: كدفع ظلم وتخليص عطاء ونحوهما، وكذا في العفو عن ذنب ليس فيه حد من حدود الله، إذا لم يكن المذنب مصرا وإلا فلا يجوز؛ ليرتدع عن الذنب والإصرار، وقيل: معناه اشفعوا في قضاء حوائج أخيكم «تؤجروا» بمجرد الشفاعة قبلت أو لا بلا توقف على القبول، «ويقضي الله» يحكم «على لسان رسوله» من الأمر «ما شاء»، يعني أن قضاء حاجة من شفع بتقديره -تعالى- كما أن عدمه كذلك. - أنا أذكر دائما حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-، قال رسول الله - صلى لله عليه وسلم -: «أحب الناس إلى الله -تعالى- أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل- سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا، ولَأَنْ أمشي مع أخ في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد (مسجد المدينة) شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له، أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام». - هذا حديث عظيم في مكارم الأخلاق. - نعم، وقال الحسن البصري في ذلك: الشفاعة الحسنة يجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها! وعن معاوية - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى لله عليه وسلم -: «اشفعوا إلي لتؤجروا؛ إني أريد الأمر وأؤخره كي تشفعوا إلي فتؤجروا». والعجب أن كثيرا من الناس، إذا شفعت لهم وقضيت حاجتهم، يرسلون إليك هدية، من باب الشكر، مع أن هذا الأمر منهي عنه. استغرب صاحبي مقولتي. - أهو منهي عنه؟! - نعم، في الحديث عن أبي أمامة، أن رسول الله - صلى لله عليه وسلم - قال: «من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا». - سبحان الله! مع أن هذا الأمر يقع مع أغلب الناس. وجاء نصراني إلى الإمام الأوزاعي وكان يسكن في بيروت؛ فقال: إن والي بعلبك ظلمني وأريد أن تكتب فيّ إليه، وأتاه بقلة عسل -هدية معه-؛ فقال: إن شئت رددت عليك قلتك وأكتب إليه، وإن شئت أخذتها ولا أكتب؟ أنت بين أمرين إما أن تأخذ هديتك وأكتب لك، وإلا لا أكتب لك ولا أقبل هديتك؟ فقال النصراني: بل اكتب لي وأردها؛ فكتب له أن ضع عنه من خراجه، فشفّعه الوالي فيه، وحط له عن جزيته ثلاثين درهما. أي: كان قد أخذ أكثر من الجزية الشرعية. - وبالطبع، لا تجوز الشفاعة في حد من حدود الله، بمعنى إذا رفع الأمر إلى الوالي وهناك حد ليقام لا تجوز الشفاعة لإيقاف هذا الحد، كما في حديث المخزومية، عن عائشة -رضي الله عنها-: «أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله -صلى لله عليه وسلم -، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله -صلى لله عليه وسلم -، فكلمه أسامة! فقال -صلى لله عليه وسلم -: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فخطب: .. إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها», وفي (رياض الصالحين): عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قصة بريرة وزوجها. قال: قال لها النبي - صلى لله عليه وسلم -: «لو راجعتِهِ؟» قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: «إنما أشفع» قالت: لا حاجة لي فيه», والشفاعة: هي التوسط للآخر؛ لجلب منفعة أو دفع مضرة. مثال الأول: أن تتوسط لشخص عند آخر في أن يساعده في أمر من الأمور. ومثال الثاني: أن تشفع لشخص عند آخر في أن يسامحه ويعفو عن مظلمته حتى يندفع عنه الضرر. ومثال ذلك في الآخرة، أن النبي -صلى لله عليه وسلم - يشفع في أهل الموقف ليقضى بينهم، حين يصيبهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فهذه شفاعة في دفع مضرة, ومثالها في جلب منفعة؛ أن النبي -صلى لله عليه وسلم - يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة, والمراد بالشفاعة: الشفاعة في الدنيا وهي أن يشفع الإنسان لشخص عند آخر؛ يتوسط له لجلب المنفعة له أو دفع المضرة عنه. والشفاعة أقسام:
- القسم الأول: شفاعة محرمة لا تجوز، وهي أن يشفع لشخص وجب عليه الحدّ بعد أن يصل إلى الإمام؛ فإن هذه الشفاعة محرمة لا تجوز؛ مثال ذلك: رجل وجب عليه حدّ في قطع يده في السرقة، فلما وصلت إلى الإمام أو نائب الإمام أراد إنسان أن يشفع لهذا السارق ألا تقطع يده، فهذا حرام أنكره النبي - صلى لله عليه وسلم - إنكارا عظيما.
- القسم الثاني: أن يشفع في شيء محرم، مثل أن يشفع لإنسان معتد على أخيه، أو رجل يريد أن يخطب امرأة مخطوبة من قبل، والمرأة المخطوبة لا يحل لأحد خطبتها، فذهب رجل ثان إلى شخص وقال: يا فلان أحب أن تشفع لي عند والد هذه المرأة يزوجنيها، وهو يعلم أنها مخطوبة، فهنا لا يحل له أن يشفع؛ لأن هذه شفاعة في محرم.
لاتوجد تعليقات