دراسة شرعية في ضوء الكتاب والسُنَّة .. هـل يجوز شرعًا التفاخر بالحضارات القديـمة؟
- التفاخر بالحضارات القديمة قد يتحول إلى انتماءٍ بديل يُزاحم الهوية الإسلامية ويؤثر في عقيدة الولاء والبراء
- التفاخر بالحضارات يدخل في باب الفخر الجاهلي والعصبية المذمومة لأنه قائم على التعظيم والانتماء لهذه الحضارات وليس الدين
- منهج الإسلام في النظر إلى الحضارات قائم على الوسطية لا الإنكار المطلق ولا الانبهار المطلق بل اعتبارٌ واتعاظ واستفادة من التجارب
- الاغترار بإنجازات الأمم يؤدي إلى آثار خطيرة منها ضعف الهوية الإيمانية واختلال ميزان القيم وتضخيم الجانب المادي على حساب العقدي
- وضع الإسلام ميزانًا ثابتًا للتفاضل وهو الإيمان والتقوى والعمل الصالح لا الحضارة ولا النسب ولا القوة المادية
- الفوزان: الواجب ترك أمور الجاهلية وعدم التفاخر برجالاتها ورموزها لأن ذلك من إحياء الجاهلية وسبب للفرقة والله جعل المسلمين إخوانًا لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى
- الحضارات السابقة تُدرَّس للعبرة لا للتمجيد إذ لاينفع الانتساب إليها ولا تُعد معيارًا للنجاة أو الكرامة
- التفاخر بالحضارات ينعكس سلبًا على المجتمعات بإحياء العصبيات وإثارة النزاعات وتمزيق وحدة المسلمين
- الاستفادة من خبرات الأمم مشروعة بضوابط أهمها عدم مخالفة الشرع وعدم الوقوع في التقليد أو الذوبان الحضاري
- الحفاظ على عقيدة الولاء والبراء يقتضي ضبط الانتماء بحيث يكون الأصل هو الولاء للدين لا للحضارات أو الأعراق أو التاريخ
في خِضَمِّ الأحداث المتسارعة، برز خطابٌ متصاعدٌ ذو نَفَسٍ عنصريّ، يُعلي من شأن الحضارات القديمة، ويتفاخر بالانتماء إليها، ولا شك أن هذا الطرح يُحدِث خللًا في ميزان الولاء والبراء، ويحاول إعادة تكوين الوعي على أسسٍ تاريخيّةٍ مُجتزأة، تُقدِّم الماضي المنقطع على الحاضر الموصول بوحي السماء، والناظر في دوافع هذا المسلك يلحظ أنّه لا يخلو في كثيرٍ من صوره من شعورٍ داخليٍّ بالنقص، أو إحساسٍ بالهزيمة الحضاريّة، ويدفع صاحبَه إلى البحث عن دعم نفسيٍّ ومعنويٍّ في أمجادٍ غابرة، يُعوِّض بها ذلك الخلل، وربما أفضى هذا الشعور إلى استحقار الآخرين، والتقليل من شأنهم، مع تعميمٍ جائرٍ يُغفل حقائق التاريخ وتقلباته، والأخطر من ذلك أنه حوّل الانتماء من رابطةٍ عقديّةٍ راسخة، إلى رابطةٍ تاريخيّةٍ منقطعة، وتبدّل به ميزان العزّة من {كنتم خير أمة} إلى (كنا أصحاب حضارة)، مع الفارق الجوهري بين ماضٍ انقضى لا يملك لنفسه عودة، ودينٍ باقٍ ممتدٍّ إلى قيام الساعة، ومن هنا، كان لزامًا بيانُ خطر هذا المسلك، وكشفُ جذوره، وتصحيحُ مساره؛ تأكيدًا بأنّ الانتماء الحقّ إنّما هو للإسلام، تلك الحضارةُ الربّانيةُ التي لا تتكئُ على أطلالٍ باليةٍ، ولا تستمدُّ مجدَها من آثارٍ مندثرةٍ ولا رُفاتٍ خامدةٍ؛ بل تنبعثُ من وحيٍ خالدٍ، وتستضيءُ بنورٍ لا يخبو، ومنهج يصوغ الإنسانَ ويقيمَ العمران، ويمتدُّ أثره ما امتد الزمان.
أولاً: مفهوم التفاخر بالحضارات القديمة
يُقصد بالتفاخر بالحضارات القديمة: الاعتزاز بالانتماء إلى حضارات الأمم السابقة، كالحضارة الفرعونية، أو الحضارة السومرية، أو الحضارة الرومانية، أو الحضارة الفارسية أو غيرها، مع تعظيم إنجازاتها ورموزها، وربما تقديمها بوصفها مصدر فخرٍ للهوية والانتماء، ولا يخرج هذا المفهوم عن أحد اتجاهين:- أولهما: النظر العلمي أو التاريخي: وهو دراسة تلك الحضارات من أجل فهم السنن الإلهية، والاستفادة من خبراتها في العمران والسياسة والتجارب الإنسانية، وهذا بابٌ مشروع إذا خلا من المبالغة أو التقديس.
- وثانيهما: التعظيم والانبهار والاعتزاز الحضاري: بحيث يُجعل الانتماء إليها مصدر فخرٍ أو هوية، أو تُقدَّم على الانتماء الإسلامي، وهذا هو محل الإشكال؛ لأنه ينقل الإنسان من الاعتبار إلى التعصب، ومن البحث العلمي إلى التبجيل غير المنضبط.

ثانيًا: موقف الإسلام من الحضارات السابقة
لم يقف الإسلام موقف الإلغاء المطلق من الحضارات السابقة؛ كما لم يقف موقف الانبهار والتعظيم لها؛ بل جاء بمنهجٍ وسطٍ متوازن يضع كل شيء في موضعه الصحيح؛ فينظر إلى تلك الحضارات من زاوية الاعتبار، لا من زاوية التقديس والفخر، كما ضبط الإسلام العلاقة مع تاريخ الأمم بضوابط إيمانية راسخة، تحفظ الهوية وتوجّه الفكر، ويمكن استخلاص بعض القواعد المهمة في هذا الإطار كما يلي:1- النهي عن التفاخر الجاهلي
جاء الإسلام بإبطال كل أنواع الفخر التي كانت سائدة في الجاهلية، سواء كان ذلك فخرًا بالآباء أو الأنساب أو الأحساب أو العصبيات القبلية، وأعاد توجيه معيار العزة والكرامة إلى التقوى والعمل الصالح، قال الله -تعالى-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)، فأبطل -سبحانه- كل مفاخر الجاهلية، وجعل الميزان الحقيقي للكرامة هو التقوى لا غير، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «دعوها فإنها مُنتنة»، أي في شأن العصبية القبلية لما وقع التنازع بين المهاجرين والأنصار.
- خلاصة هذه القاعدة:

2- ذم العصبية والانتماء غير الديني
جاء الإسلام بإبطال كل أنواع العصبية التي تُبنى على غير الإسلام، سواء كانت عصبية للقبيلة أو الوطن أو الجنس أو التاريخ أو الحضارة، إذا كانت تُقدَّم على رابطة الإيمان أو تُعارضها؛ لأن الإسلام جعل رابطة الدين هي الأصل الذي تُبنى عليه وحدة الأمَّة وموازين الولاء والبراء، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات:10)، فحصر الأخوّة الحقيقية في الإيمان، لا في أي رابطة أخرى، وقال -تعالى-: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة: 51)، وهذا يدل على خطورة تقديم الولاء لغير المؤمنين على رابطة الدين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «الولاء الحق هو ولاء الإيمان، وما عداه من العصبيات فهو من أسباب التفرق والفساد.»- خلاصة هذه القاعدة:

3- الحضارات مجالٌ للعبرة لا للتمجيد
يرسم الإسلام منهجًا واضحًا في النظر إلى الحضارات، يقوم على الاعتبار والاتعاظ لا التمجيد والانبهار؛ فالحضارات -مهما بلغت من القوة والتقدم- ليست معيارًا للحق ولا دليلًا على النجاة، وإنما هي صفحات من سنن الله في الأمم يُستفاد منها ويُتَّعظ بها، قال الله -تعالى-: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (آل عمران:137)، فوجّه إلى النظر في مصائر الأمم، لا للإعجاب بها، بل لاستخلاص العبر من نهاياتها. وقال -سبحانه-: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا} (ق: 36)، فبيّن أن القوة الحضارية لا تمنع الهلاك إذا غاب الإيمان، كما قرر أن كل أمة تُحاسب بعملها، لا بتاريخها، فقال: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ} (البقرة: 134)، فلا يصح اتخاذ الحضارات الماضية مصدرًا للفخر أو مرجعًا للهوية، بل تُجعل موضع نظرٍ واعتبار.- خلاصة هذه القاعدة:

4- الاستفادة من خبرات الأمم دون انبهار
يقرّ الإسلام مبدأ الاستفادة من خبرات الأمم وتجاربها في شؤون الدنيا، دون أن يتحول ذلك إلى انبهارٍ يُضعف الهوية أو يغيّر ميزان القيم، فالحكمة ليست حكرًا على أمة، وإنما يُؤخذ منها ما وافق الحق ونفع الناس، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، فهذا يدل على إقرار الأخذ بالأسباب والاستفادة من التجارب البشرية في مجالات الحياة المختلفة، من غير تعلّقٍ بمرجعياتها الفكرية المخالفة، وفي الوقت نفسه، يحذّر الإسلام من الاغترار بما عند الأمم من تقدمٍ مادي أو قوة حضارية، قال الله -تعالى-: {فَلَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} (آل عمران: 196)؛ فالتقدم الدنيوي لا يدل على الكرامة عند الله، ولا يُتخذ معيارًا للتفاضل، كما أرست الشريعة قاعدةً جامعة في هذا الباب، وهي أن الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها، ما لم تخالف الشرع أو تجرّه إلى تقليدٍ مذموم أو انبهارٍ يطمس هويته.- خلاصة هذه القاعدة:

5- التحذير من الاغترار بإنجازات الأمم
جاء الإسلام بمنهجٍ متوازن في النظر إلى إنجازات الأمم السابقة والحاضرة؛ فلا يدعو إلى إنكارها أو إهمالها، ولا إلى الاغترار بها أو جعلها معيارًا للتفاضل والنجاة، وإنما يضعها في إطارها الصحيح وهو الاستفادة منها في أمور الدنيا مع بقاء الميزان الأعلى وهو الإيمان والتقوى؛ فالتفاضل الحقيقي بين الناس لا يكون بالقوة الحضارية أو التقدم المادي، وإنما بالتقوى والعمل الصالح، قال الله -تعالى-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات:13)، وقال -سبحانه-: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} (البقرة: 134)، فدلّ ذلك على أن إنجازات الأمم لا تُورث الكرامة عند الله، ولا تُغني عن العمل الصالح. كذلك لم يجعل القرآن قوة الأمم السابقة أو حضارتها مانعًا من هلاكها إذا خالفت أمر الله، قال -تعالى-: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} (الروم:9)، وقال -سبحانه-: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا} (ق: 36)، فالقوة الحضارية لا تمنع العذاب إذا فُقد الإيمان.- خلاصة هذه القاعدة:

6- معيار التفاضل في الإسلام
خلاصة القواعد السابقة تتركز في هذه القاعدة أن الإسلام جعل معيار التفاضل بين الناس معيارًا ربانيا ثابتًا، لا يتغير بتغير الأعراف، ولا يتبدل بتبدل الحضارات، وهو التقوى والعمل الصالح لا النسب ولا اللون ولا الحضارة ولا القوة المادية، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)؛ فهذه الآية تؤسس لمبدأ واضح: أن الكرامة الحقيقية ليست مكتسبة من الانتماء البشري أو الحضاري، وإنما من تحقيق التقوى لله -تعالى-، وقال -سبحانه-: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} (آل عمران: 68)، فجعل معيار القرب من الأنبياء هو الاتباع لا مجرد الانتساب.
- خلاصة هذه القاعدة:
انحراف عن المنهج الشرعي في النظر إلى التاريخ
خلاصة القول: الافتخار بالحضارات القديمة - ولا سيما إذا تجاوز حد الاعتبار إلى التعظيم والانتماء - يمثل انحرافًا عن المنهج الشرعي في النظر إلى التاريخ، ويؤثر تأثيرًا مباشرًا في عقيدة الولاء والبراء، التي تُعد من أصول العقيدة الإسلامية، وقد جاء الإسلام بمنهجٍ متوازن يجمع بين الانفتاح على تجارب الأمم والاستفادة منها، وبين الثبات على الهوية الإيمانية وعدم الذوبان في غيرها، فجعل ميزان التفاضل هو التقوى، وربط العزة بالإسلام، لا بالحضارات ولا بالتاريخ، ومن هنا، فإن الواجب على المسلمين أن يُحسنوا قراءة التاريخ قراءةً واعية، تقوم على الاعتبار لا الافتخار، وعلى الاستفادة لا الانبهار، مع ترسيخ معاني الولاء للدين، والحذر من كل ما يحيي العصبيات أو يضعف وحدة الأمة.التفاخر من دعوى الجاهلية

الفوزان: لا يجوز التفاخر بأهل الجاهلية
قال معالي الشيخ: صالح بن فوزان الفوزان (رئيس هيئة كبار العلماء، والرئيس العام للرئاسة العامَّة للبحوث العلمية والإفتاء): إنه لا يجوز الافتخار بأهل الجاهلية؛ لأن الجاهلية مذمومة وأهلها مذمومون؛ فالواجب رفض أمور الجاهلية وعدم الافتخار برجالاتها وشخصياتها؛ لأن ذلك من إحياء الجاهلية وموالاتها، وبسببها يقع التفرق والاختلاف والانقسام بين المسلمين، والله -تعالى- جعلهم إخوانًا، ولم يفضل العربي على العجمي ولا الأبيض على الأسود إلا بالتقوى.
- فالواجب ترك أمور الجاهلية وعدم الافتخار برجالاتها ورموزها، لأن ذلك من إحياء الجاهلية وسبب للفرقة، والله جعل المسلمين إخوانًا، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، قال -تعالى-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}؛ ففخرنا وعزّنا بديننا لا بأنسابنا ولا بآبائنا ولا بقبائلنا ولا بأمجاد الجاهلية ومفاخرها، نسأل الله أن يبصرنا بدينه ويثبتنا عليه.
لاتوجد تعليقات