رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عبدالرحمن الجيران 14 أبريل، 2026 0 تعليق

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الثالث والعشرون من شُعب الإيمان: الا عتكاف

  • الاعتكاف عبادة عظيمة واظب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم اعتكف أزواجه من بعده وهو سنّة مُستحبة بها زيادةُ الإيمان
  • المحافظة على الوقت وعمارته بالصلاة والذكر والدعاء يعود على المسلم بالخير والبركة في الدنيا والآخرة
 

إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالًا.

  • لاالاعتكاف من شعب الإيمان لقوله -تعالى-: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: 125)، ولحديث عائشة - رضي الله عنه - في الصحيحين: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ»، ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من اعتكف فُواق ناقة فكأنما أعتق نسمة أو رقبة».

المعنى الإجمالي

        الاعتكاف عبادة عظيمة ذكرها الله -تعالى- في كتابه الكريم، وواظب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم اعتكف أزواجه من بعده، وهو سنة مستحبة، بها زيادةُ الإيمان، وجمْعُ القلب على الله ـ بالخلوة، والانقطاعُ عن الخلق، والتفرغُ من أعمال الدنيا وشواغلها والانشغال بالله وحده.
  • قوله: الاعتكاف: «هو مِن عَكَفَ على الشيء إذا لزمه وحبس النفس عليه، وقد جاء ذِكْرُ الاعتكاف بهذا المعنى في عدد من آيات الله، قال -تعالى-: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (الأعراف: 138)»، وأما في الشرع: «فيُعرَّف الاعتكاف بأنه اللَّبثُ في المسجد مُدَّةً على صفةٍ مخصوصةٍ مع نيَّة التَّقرُّب إلى الله سبحانه».
  • قوله: لقوله -تعالى-: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة: 125)، قال الإمام السعدي: «يخبر-تعالى- عن عبده وخليله، إبراهيم -عليه السلام- المتفق على إمامته وجلالته، الذي كلٌّ من طوائف أهل الكتاب تدعيه، بل وكذلك المشركون: أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، أي: بأوامرَ ونواهٍ، كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده؛ ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق، الذي ترتفع درجته، ويزيد قدره، ويزكو عمله، ويخلص ذهبه، وكان من أجلِّهم في هذا المقام، الخليل -عليه السلام-، فأتم ما ابتلاه الله به، وأكمله ووفاه، فشكر الله له ذلك، ولم يزل الله شكورا، فقال -تعالى-: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (البقرة: 124) أي: يقتدون بك في الهدى، ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية، ويحصل لك الثناء الدائم، والأجر الجزيل، والتعظيم من كل أحد.
وهذه -لعمر الله- أفضل درجة، تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقاما، شمر إليه العاملون، وأكمل حالا حصلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم، من كل صديق متبع لهم، وداع إلى الله وإلى سبيله، فلما اغتبط إبراهيم -عليه السلام- بهذا المقام، وأدرك هذا، طلب ذلك لذريته، لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضًا من إمامته، ونصحه لعباد الله، ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية، والمقامات السامية. فأجابه الرحيم اللطيف، وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال -تعالى-: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أي: لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرّها، وحط قدرها؛ لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟! ودل مفهوم الآية أن غير الظالم سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها، ثم ذكر -تعالى-، نموذجًا باقيًا دالًا على إمامة إبراهيم -عليه السلام-، وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده، ركنًا من أركان الإسلام، حاطا للذنوب والآثام. وفيه من آثار الخليل وذريته، ما عرف به إمامته، وتذكرت به حالته، فقال -تعالى-: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} أي: مرجعًا يثوبون إليه، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية، يترددون إليه، ولا يقضون منه وطرًا، و جعله {وَأَمْنًا} يأمن به كل أحد، حتى الوحش، وحتى الجمادات كالأشجار؛ ولهذا كانوا في الجاهلية -على شركهم- يحترمونه أشد الاحترام، ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم، فلا يهيجه، فلما جاء الإسلام زاده حرمة وتعظيمًا، وتشريفًا وتكريمًا. {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} يحتمل أن يكون المراد بذلك، المقام المعروف الذي قد جعل الآن، مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا، ركعتا الطواف، يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم -عليه السلام-، وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردًا مضافًا، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر كلها: من الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار، والنحر، وغير ذلك من أفعال الحج، فيكون معنى قوله -تعالى-: {مُصَلًّى} أي: معبدًا، أي: اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى؛ لدخول المعنى الأول فيه، واحتمال اللفظ له. {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} أي: أوحينا إليهما، وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك، والكفر، والمعاصي، ومن الرجس والنجاسات، والأقذار؛ ليكون {لِلطَّائِفِينَ} فيه {وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} أي: المصلين، قدَّم الطواف، لاختصاصه بالمسجد (الحرام)، ثم الاعتكاف؛ لأن من شرطه المسجد مطلقًا، ثم الصلاة، مع أنها أفضل، لهذا المعنى. وأضاف الباري البيت إليه لفوائد، منها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره، لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما، ويستفرغان وسعهما في ذلك, ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه، ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه».
  • قوله: ولحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: «أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده»، قال ابن الأمير الصنعاني: «فيه دليل على أن الاعتكاف سنة واظب عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه من بعده، قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أن الاعتكاف مسنون، وأما المقصود منه فهو جمْعُ القلب على الله -تعالى- بالخلوة مع خلوّ المعدة والإقبال عليه -تعالى- والتنعم بذكره، والإعراض عما عداه».
  • قوله: ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من اعتكف فُواق ناقة فكأنما أعتق نسمة أو رقبة»، قال صديق خان البخاري: «من اعتكف فواق ناقة» يدل على أنه يكون أقله لحظة مختطفة وهذا الحديث وإن لم يكن صالحًا للاحتجاج به فالأصل عدم التقدير بوقت معين، والدليل على مدعي ذلك ثم كون اليوم الكامل شرطًا للصوم لا يستلزم أن يكون شرطا للاعتكاف؛ لأنه يمكن الاعتكاف بعض اليوم مع الصوم لكل اليوم؛ فاليوم شرط الصوم لا شرط الاعتكاف على تسليم أن الصوم شرط».

فوائد الاعتكاف

  • الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
  • زيادة الصلة الإيمانية بالله، والتفرغ لعبادته وطاعته.
  • الصبر على حبس النفس وتعويدها على الطاعة.
  • حماية العبد من فضول الصحبة، وحماية القلب من جرائر فضول الكلام.
  • تحرّي المعتكف ليلة القدر -وهي خير من ألف شهر- في إحدى ليالي العَشر الأخيرة من رمضان.
 

أثر الاعتكاف على سلوك المسلم

  • تربية النفس على التقلل والتزهد، ومجاهدتها على الاستغناء عن كثير مما اعتادته.
  • الارتباط بالله -سبحانه-، وتحقيق معنى العبودية؛ حيث إن المعتكف وهب وقته كله لله.
  • تعويد النفس على المكث في المسجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.
  • اطمئنان النفس، وهدوء البال، وانشراح الصدر مع الذكر.
  • تعوّد المسلم على المحافظة على الوقت وعمارته بالصلاة والذكر والدعاء، بما يعود عليه بخيري الدنيا والآخرة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك