الشيخ د. سعد بن تركي الخثلان: مقتضيات الانتماء والمواطنة ولوازمهما
- حبُّ الوطنِ فطرةٌ مغروسةٌ في كيان الإنسان جُبِلَ عليها وقد رعتها الشريعةُ وأقرَّتها ووجَّهتها الوجهةَ التي تنسجم مع مقاصدها وتكمّل معانيها
- اقترانُ الخروجِ من الوطنِ بقتلِ النفسِ في القرآن الكريم يُبرز عِظَمَ مكانةِ الوطن في وجدان الإنسان ويكشف عمقَ تعلُّقه به
- هَدْيُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حُبِّه لمكةَ والمدينةِ يُؤكِّدُ مشروعيَّةَ هذا الشُّعور ويُقرِّر أن التعلُّق بالأوطانِ ميلٌ فطريٌّ معتبرٌ تُزكِّيه الشريعة وتُهذِّبه
- الاستهانةُ بمفهومِ المواطنةِ أو إلغاؤه يُمثِّل خللًا في الفهم وقصورًا في الإدراك إذ يُنافي ما قرّرته الفطرة وأكّدته الشريعة من تأكيد الانتماء وحفظ الأوطان
في محاضرةٍ بعنوان: (مقتضياتُ ولوازمُ الانتماء والمواطنة)، بيّن فضيلةُ الشيخ د.: سعد بن تركي الخثلان -حفظه الله- جملةً من المعاني العميقة التي تُؤسِّس لمفهومٍ راسخٍ للانتماء الصادق والمواطنة الواعية، حيث أوضح أنَّ الإنسان جُبل على حب وطنه، والله -تعالى- قرن حب الأرض والوطن بحب النفس، قال -سبحانه-: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} (النساء: 66)، من دياركم: أي: أوطانكم، فانظر كيف قرن الخروج من الديار بقتل النفس، وقال الله -تعالى-: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8)؛ فقرن -سبحانه- الخروج من الديار بالمقاتلة، وهذا يدل على مراعاة الشريعة لمحبة الإنسان لداره ووطنه.
وقد جاء في صحيح البخاري عن أنس- رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة- والمقصود بها الأماكن المرتفعة من المدينة- أوضع ناقته، يعني: أسرع السير، وإن كانت دابة حركها من حبها، أي حثها على الإسراع جهة المدينة؛ لكثرة حبه لها، وقد علّق على هذا الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري قال: وفي هذا الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن، والحنين إليه.الحكم الشرعي لحبّ الوطن
وعن الحكم الشرعي لحب الوطن بيّن الشيخ الخثلان أن حب الوطن هو كحب الأسرة، وحب الجيران، وحب أهل الحي؛ فلا يلام الإنسان عليه، بل كما ذكرنا أن حب الوطن مطلوب، وأنه مشروع، إلا إذا تعارض حب الوطن مع العقيدة، ومع الدين، فإنّ حب الدين والعقيدة مقدم، وهكذا إذا تعارض حب الأسرة، وحب الجيران، وحب أي شيء مع الدين، فإن الدين مقدم، والدليل لهذا قول الله -تعالى-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (التوبة: 24)؛ هذه الأشياء الثمانية هي مكونات الوطن، وهذا يقودنا إلى معرفة الحكم الشرعي لحب الوطن.حبّ الوطن مطلوب ومشروع
وأكد الشيخ الخثلان أنَّ حب الوطن مطلوب ومشروع، لكن بشرط ألا يتعارض ذلك مع العقيدة ومع الدين، فإن تعارض مع العقيدة والدين، فإن الدين مقدم، والعقيدة مقدمة، ولكن ليس معنى ذلك إلغاء حب الوطن والمواطنة، بل ينبغي ترسيخها في النفوس، وينبغي تنميتها لدى الناشئة، وأيضًا تأصيلها الشرعي، وأنها مطلوبة إلا إذا تعارضت مع حب الدين والعقيدة، فإن العقيدة والدين مقدمة، وهكذا أيضًا حب الأرحام والأقارب والجيران والأصدقاء، كلها إذا تعارضت مع الدين، فإن الدين مقدم؛ ولهذا قال الله -تعالى-: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} (الممتحنة: 3)، لما قدّم حاطب بن أبي بلتعة أرحامه على أمر العقيدة، فأرسل كتابًا وهو مجتهد، فأنزل الله -تعالى- في القصة المشهورة الآيات من سورة الممتحنة.خلل وقصور في الفهم
- ثم أشار الشيخ الخثلان إلى أنّ بعض الناس لا ينظر لمسألة المواطنة مطلقًا، بل يلغيها، وبعضهم يشمئز من هذا العنوان، حتى من التحدث فيه، ويَطْرِحُونه بالكلية، وهذا خلل وقصور؛ فحب الوطن مغروز ومركوز في الفطر، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يحب المدينة، وقبل ذلك مكة، والصحابة -رضوان الله عليهم-، والآثار في هذا كثيرة؛ فإلغاء مسألة حب الوطن والمواطنة لا شك أنه خلل، وأنه قصور، والغلو فيها إلى درجة جعلها فوق مرتبة الدين والعقيدة أيضًا هذا خطأ، والموقف الصحيح هو الاعتدال، لا إفراط ولا تفريط، نقول: إن حب الوطن مطلوب، وأنه مشروع، لكن لا يُغلى فيه، ولا يتجاوز به فوق مرتبة الدين.

أهمية الدفاع عن الوطن
- وأضاف الشيخ الخثلان أن وطن المسلمين هو بلد المسلمين، وفيه المسلمون، ومساجدهم، وأهلوهم، وعلماؤهم، وولاة أمرهم، وأموالهم، هذا الوطن بهذه المكونات يحتاج إلى الدفاع عنه، وكل مواطن يعد جنديًّا في هذا الوطن، ومدافعًا عنه عندما يُطلب الدفاع عن الوطن؛ فمطلوب الدفاع من كل مواطن بحسب استطاعته، والله -تعالى- يقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} (البقرة: 246)، فطلب القتال لأجل أوطانهم؛ لأن مخرجهم من ديارهم وأبنائهم، فطلبوا من هذا النبي أن يبعث لهم ملكًا لأجل أن يقاتلوا حتى يرجعوا إلى ديارهم وأبنائهم، هل استجاب لهم النبي؟ نعم، {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} كل هذا القتال لأجل الدفاع عن ديارهم وأبنائهم، {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا} لكن مع استحضار أن هذا أيضًا القتال في سبيل الله؛ {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في سبيل الله هذا هو الأصل، {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} يأتي أيضًا من ضمن الأسباب، لكن الأصل أنه قتال في سبيل الله، {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} إلى آخر الآيات التي ذكرها الله -تعالى- في سورة البقرة.
الدفاع عن بلد الإسلام
ومن هنا فإن الدفاع عن بلد الإسلام يعد من الجهاد في سبيل الله -تعالى-؛ ولهذا فالجنود المرابطون على الحدود، والذين على الجبهة، علماؤنا يفتون بأن قتالهم من الجهاد في سبيل الله، ويفتون كذلك بأن من قتل منهم على خط المواجهة، فيعامل معاملة الشهيد لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وإنما يدفن في ثيابه، هذا هو الذي عليه الفتوى، وهذا الذي هو عليه العمل، بشرط أنه قد قتل في خط المواجهة؛ لأن هذا من الجهاد في سبيل الله -تعالى-، فإن الدفاع عن الإسلام، وعن بلد الإسلام، وعن المسلمين، لا شك أن هذا من الجهاد في سبيل الله -تعالى-، ومن القتال في سبيل الله، ومن قتل منهم فترجى له الشهادة، ومطلوب التكاتف والتعاون بين أفراد المجتمع دفاعًا عن بلد الإسلام، وأن تنمى هذه الروح لدى الناشئة، وأن تنمى أيضًا وتعمق روح الأخوة بين المؤمنين، فإن هذه من الأمور التي حثت عليها الشريعة، وهي من المقاصد العامة.الاعتزاز بالانتماء والهوية
- ثم انتقل الشيخ الخثلان -خلال محاضرته- للحديث عن محور آخر وهو: (الاعتزاز بالانتماء والهوية)، وبين أن الله -تعالى- أكرمنا بهذا الدين العظيم الذي جعله الله -تعالى- خاتمة الرسالات السماوية، الذي لا يقبل الله -تعالى- بعد بعثة محمد- صلى الله عليه وسلم- من أحد من البشر دينًا سواه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85)، أكرمنا الله -تعالى- بهذا الدين، وسمانا المسلمين، فينبغي أن نعتز بهذه الهوية: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33)، اعتز بإسلامه؛ فينبغي لك أخي المسلم أن تعتز بإسلامك، فأنت على الدين الحق، وغيرك على ضلال.
الاعتزاز بالتاريخ العربي الهجري
كذلك أيضًا التاريخ؛ فنحن مسلمون، وتاريخنا هو التاريخ الإسلامي العربي الهجري، المرتبط بحركة القمر: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ {(البقرة: 189)، مواقيت لجميع الناس، وهي الأصلح لارتباط العبادات بها، ومع ذلك نجد بعض المسلمين وربما لست مبالغًا إن قلت كثيرًا من المسلمين، يؤرخون بالميلادي، ولو كان الأمر أنهم يذكرون الميلادي بعد التاريخ الهجري لكان سهلا، لكن أن يترك التاريخ الهجري العربي الإسلامي الذي أُرِّخت به حوادث الإسلام، فهذا يدل على ضعف الانتماء، وضعف الهوية، وضعف الاعتزاز بالهوية؛ ولذلك ينبغي أن نسعى جميعًا لتعزيز هذا الانتماء، وهذه الهوية.الاعتزاز بلغة القرآن
كذلك فإن من مكونات الهوية: اللغة العربية، هذه اللغة التي هي لغة القرآن، وهي أعظم وأرقى لغات العالم، ينبغي أن نعتز بها، لكن -مع الأسف- نجد ضعفًا في هذه القضية، قضية الانتماء والاعتزاز؛ فلو ذهبت الآن إلى أي دولة في العالم، إذا ذهبت إلى فرنسا في المطار تجد أن موظف المطار حتى لو كان يعرف اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات ما يتحدث، لا يتحدث إلا بالفرنسية، لو ذهبت إلى ألمانيا، تجد أن الموظف لا يتحدث معك إلا بالألمانية، لو ذهبت إلى اليابان لا يتحدث معك إلا باليابانية، ما بالنا نرى بني قومنا لا يعتزون بلغتهم، مع أنها لغة القرآن، وهي أعظم اللغات؟! لكن أصحابها لهم نشاط كبير جعلوها هي اللغة العالمية، هذه هي مكانة اللغة العربية، مكانتها عظيمة، ينبغي أن نعتز بلغتنا، ونعزز هذا الانتماء وهذه الهوية في نفوسنا وفي نفوس أبنائنا، وأن الإنسان الحقيقة ليحزن عندما يرى هذا الضعف، ضعف الانتماء، وضعف الهوية، ينبغي أن يكون عندنا اعتزاز بلغتنا هي لغة القرآن، وينبغي أن نعزز هذا الانتماء.
لاتوجد تعليقات