رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 30 ديسمبر، 2025 0 تعليق

الشباب المسلم 1291

الله أقرب إليك مما تظن

أيها الشاب: حين تتزاحم عليك الأسئلة، وتثقلك الضغوط، وتشعر أن أحدًا لا يفهم ما بداخلك، تذكّر هذه الحقيقة العظيمة: أنَّ الله أقرب إليك مما تظن؛ فقد تمرّ بلحظات ضعف، أو حيرة في الطريق، أو صراع مع الذنب، فتتوهم أن المسافة بينك وبين الله قد طالت، وأنك ابتعدت كثيرًا، لكن الله -سبحانه- قريب منك، ولم يغلق بابه، ولم يتركك وحدك، يقول الله -تعالى- مخاطبًا القلوب قبل الألسنة: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} (البقرة: 186).

     كثير من الشباب يعيش صراعات داخلية لا يراها أحد: خوفٌ من المستقبل، وضغط الدراسة أو العمل، وقلق الهوية، أو ذنب يحاول التخلص منه، وقد لا يجد من يبوح له، لكن الله يسمعك دائمًا، حتى حين تعجز عن التعبير، قال -تعالى-: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق: 16)؛ أقرب من نبضك، أقرب من أنفاسك، أقرب من كل من حولك. لا تنتظر أن تكون مثاليا حتى تقترب من الله؛ فالله يُحبّك وأنت تجاهد نفسك، لا فقط حين تصل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلُّ بني آدمَ خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوابون»؛ فالتوبة ليست عودة الخالي من الأخطاء، بل عودة الصادق الذي لم يستسلم، ومهما كثرت العثرات، فباب الله أوسع من أن يُغلق في وجه شاب صادق. قد تشعر أن الطريق إلى الله طويل، لكن الحقيقة أنه يبدأ بخطوة صغيرة منك، وفي الحديث القدسي يقول الله -تعالى-: «وإن تقرّب إليّ عبدي شبرًا تقرّبتُ إليه ذراعًا... وإن أتاني يمشي أتيته هرولة»، أيّ تشجيع أعظم من هذا؟ الله لا يطالبك بالكمال، بل بالصدق، ولا يطلب منك سرعة الوصول؛ بل بعدم التراجع.  

كيف تحافظ على سلامة قلبك؟

       قد يمرّ الشاب بمرحلة فتور، أو ضعف، أو صراع مع ذنبٍ يرهقه، فيظن أن قلبه هلك، والحقيقة أن القلوب تمرض ولا تموت ما دام فيها بقية خوف من الله، أو شوق للعودة، قال -تعالى-: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 89)، وسلامة القلب لا تعني أنه لم يخطئ، بل أنه لم يصرّ، ولم يستسلم؛ لذلك حتى تحافظ على سلامة قلبك راقب ما يدخل إليه، وراقب ما تسمعه، وما تشاهده، وما تقرأه؛ فالقلب يتأثر قبل أن تشعر، قال -تعالى-: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36).  

الشاب الواعي

       الشابّ الواعي لا ينتظر الفرص لتصنعه؛ بل يصنع نفسه كل يوم بقرار، وبصبر، وبعملٍ صادق، فكل قراءةٍ تبني عقلًا، وكل صلاةٍ تزكّي روحًا، وكل خلقٍ حسنٍ يصنع إنسانًا نافعًا، قال -تعالى-:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد: 11).  

كن صادقًا

الصدق ليس كلمة تُقال، بل موقف يُعاش، وثباتٌ حين تتغير الوجوه، كن صادقًا مع الله، ومع نفسك، ومع الناس؛ فالصدق هو الطريق الأقصر إلى الطمأنينة، والأثبت إلى النجاة، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119)، وأعظم الصدق أن تكون صادقًا مع ربك: في نيتك، وفي عبادتك، وفي توبتك، قال -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5)، فالعمل بلا إخلاص صورة بلا روح، والعبادة بلا صدق جسد بلا حياة.

قلبك أمانة..

        قلبك ليس شيئًا عابرًا في جسدك، ولا مساحةً فارغة تفعل بها ما تشاء، قلبك أمانة أودعها الله بين جنبيك، لينظر كيف تحفظها، وبمَ تعمّرها، وعلى أي شيء تُسلّمها يوم تلقاه، القلب هو مركز القرار، ومصدر التوجّه، ومنبع السلوك؛ فإذا صلح، صلح كل شيء، وإذا فسد، أفسد ما بعده، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».  

أجلّ النِعم وأعظمها

        قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: إنَّ أجلّ النعم وأعظمها، وأكبر المنن وأفخمها نعمةُ الإيمان؛ فهو أجلّ المقاصد وأنبلها، وأعظم الأهداف وأرفعها، وبه ينال العبد سعادة الدنيا والآخرة، ويظفر بنيل الجنَّة ورضى الله -عزَّوجلَّ-، وينجو من النار وسخط الجبار -سبحانه-، وثمار الإيمان وفوائده لا حصر لها ولا حدّ، ولا نهاية لها ولا عدّ، فكم للإيمان مِنَ الثمار اليانعة، والجنى الدائم، والأُكل المستمر، والخير المتوالي في الدنيا والآخرة، وهو منّة الله على من يشاء من عباده! قال الله -تعالى-: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين} (الحجرات:17).

وعيك يحميك

الوعي ليس كثرة معلومات؛ بل هو بصيرة يميز بها الشاب الحق من الباطل، والصواب من الزيف، والنافع من الضار؛ فالشاب الواعي يزن الأفكار بميزان الشرع والعقل، ولا يكون تابعًا بلا بصيرة، ويعلم أن ليس كل ما يُنشر يُقرأ، وليس كل ما يُقال يُتّبع، قال -تعالى-: {فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر: 17-18)، وحين يغيب الوعي يصبح الشاب سهل الانقياد؛ فالانجراف وراء كل ما يُقال، أو يُنشر، أو يُتداول، ليس انفتاحًا؛ بل غياب للوعي، وأول ما يحمي الشباب هي عقيدته، فمن عرف غايته، لم تضلّ به الطرق، ومن ثبتت عقيدته، لم تزلزله الشبهات، قال الله -تعالى-: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} (الرعد: 19)، فالعلم نور، والجهل ظلمة، وبينهما مسافة الوعي.  

من آداب الحديث

        قال الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله-: «ومن الآداب الطيبة إذا حدَّثك المحدِّث بأمر ديني أو دنيوي ألا تنازعه الحديث إذا كنت تعرفه، بل تصغي إليه إصغاء من لا يعرفه ولم يَمُرَّ عليه! وتريه أنك استفدته منه، كما كان أَلِبَّاءُ الرجال يفعلونه، وفيه من الفوائد: تنشيطُ المحَدِّث وإدخالُ السرور عليه، وسلامتك من العجب بنفسك، وسلامتك من سوء الأدب؛ فإن منازعة المحَدِّث في حديثه من سوء الأدب».  

انتهاز الفرص

       قال ابن القيم -رحمه الله-: «الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها، والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها، والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما ثبتت، والله -سبحانه- يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبةً له».  

من أخطاء الشباب: الاندفاع بلا علم

        من أخطر أخطاء الشباب أن يتحمس قبل أن يتعلّم، وأن يندفع قبل أن يتبيّن، فيتبنّى فكرة، أو يدافع عن موقف، لمجرد أنه سمعه أو أعجبه، قال الله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)؛ فالحماسة بلا علم قد تفسد أكثر مما تُصلح، والنية الحسنة لا تُغني عن صحة الطريق.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك