رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 24 نوفمبر، 2025 0 تعليق

الأوقاف المقدسية حول العالم .. أمثلة تاريخية على استرداد الأوقاف الإسلامية

  • بادرت الأمانة العامّة للأوقاف ضمن إطار منظّمة التعاون الإسلامي إلى تأسيس صندوق بقيمة 100 مليون دولار من أجل استعادة الأوقاف المسلوبة في منطقة البلقان
  •  تعدّ سجلات الأرشيف العثماني أداة قوية لحفظ أوقاف القدس المسلوبة واستردادها من خلال توثيقها الدقيق وإدارتها المنظمة
 

الوقف في الشريعة الإسلاميّة ليس مجرّد مالٍ محبوسٍ أو عقارٍ موقوفٍ، بل هو مبدأ حضاريّ راسخ، ومؤسسة تعبّر عن عمق الإيمان بالمسؤولية الجماعية واستدامة الخير عبر الأجيال؛ فالوقفُ نوع من أنواع العطاء الذي لا ينقطع، يظلّ نهرُ بركته جاريًا ما دامت مقاصده قائمةً ومصارفه باقية، غير أنّ يدَ العبث والتعدّي قد تمتدّ أحيانًا إلى هذه الأوقاف، فتغتصب الحقوق، وتُغيَّب الرسالة، ويضيع المقصود الذي أُنشئت من أجله، ومن هنا، كان لزامًا على الأمّة أن تعي الأسس النظرية التي تحرّك فقه الاسترداد وتدفع به، سواء في ميزان الشرع أو في ضوء القوانين الوضعية، وفي هذه الحلقة نتكلم عن أمثلة تاريخية لاسترداد الأوقاف الإسلامية .

  • وقف آل الحسيني (القرن 19-20):  لعل من أبرز الأوقاف التي تمت حمايتها عبر الوثائق العثمانية؛ حيث عُثر على سجلات تؤكد ملكية العائلة للأوقاف في القدس، ما ساعد في مواجهة المصادرات غير القانونية.
  • وقف الحرم القدسي الشريف:  تشير سجلات الطابو العثمانية إلى حدود وأراض تابعة للأوقاف، واستُخدمت في قضايا قانونية حديثة لإثبات الملكية ووقف التعديات.
  • وقف خان العمدان في عكا (1880-1917): استُرد جزئيا عبر وثائق الطابو العثمانية التي أثبتت تسجيله بوصفه وقفا إسلاميا خيريا.
  • وقف النبي موسى (القرن 16-20): وهو أحد الأوقاف المهمة التي وُثقت عبر السجلات العثمانية؛ حيث حافظت هذه الوثائق على حقوق الوقف رغم تغير السلطات الحاكمة.
  • وقف المغاربة في القدس (القرن 13-20): رغم محاولات الاحتلال الإسرائيلي طمس هذا الوقف، إلا أن الوثائق العثمانية كان لها دور مهم في توثيق وجوده وشرعيته.
  • وقف الزاوية الهندية في القدس: أثبتت الوثائق العثمانية شرعية الوقف؛ ما ساهم في استرجاع أجزاء منه بعد نزاعات قانونية.

قضية الحقّ الإسلامي في حائط البُراق (1930م)

       وتعدّ أوّل واقعةٍ بارزةٍ في سياقِ توظيفِ الوثائقِ الوقفيّة المحفوظةِ في أرشيف المحاكم الشرعيّة العثمانيّة في الدّفاع عن الأوقاف الإسلاميّة ضدّ اعتداءٍ غير تقليديّ، هي واقعةُ دفاع اللّجنة العربيّة المكوّنة من سياسيّين وقانونيّين عرب وفلسطينيّين عن الحق الإسلامي في حائط البُراق، على أثر أحداث العام 1929م، التي شهدت أوّل صدامٍ مسلّح بين المسلمين واليهود تحت سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين؛ حيث قرّرت عُصبة الأمم في العام 1930م تكوين لجنة للتحقيق في أحداث هبّة البُراق والصّدام الدّموي الذي نشب على أثر اعتداء اليهود المستفزّ على منطقة حائط البُراق وحارة المغاربة، وكان يتعيّن على الطّرفيْن اليهودي والإسلامي أنْ يقدّموا وثائق ومرافعات دفاعاً من كلّ منهم عمّا يراه حقّه، وتكونت لمقابلة اللّجنة لجنتان من الطّرفيْن، قدمت اللّجنة اليهوديّة ما لديها بصفةِ مدّعي الحقّ، وقدمت اللّجنة الإسلاميّة مرافعتها بصفتِهَا المدّعى عليه، وكان المدخل الأساسي لدفاع المسلمين: هو طبيعةُ الوقف، ووثيقةُ وَقْف المكان، وكونه جزءاً لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك، فحائطُ البُراق هو الحائطُ الغربيّ للمسجد، وكذلك الممرّ المحاذي له.
  • أوقاف الخليل: تم استخدام الأرشيفات العثمانية لتحديد العديد من الأوقاف في الخليل واستعادتها؛ ما ساهم في تعزيز الاقتصاد المحلي والحفاظ على التراث الثقافي.
  • أوقاف نابلس: استُخدمت الأرشيفات العثمانية لترميم العديد من الأوقاف في نابلس وإدارتها؛ ما أسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

استرداد الأوقاف المسلوبة عبر الوثائق العثمانية

         مع ظهور التحديات المعاصرة ومحاولات الاستيلاء على كثير من الأوقاف الإسلامية، تمَّ اللجوء إلى الأرشيف العثماني لاستعادة الحقوق حول العالم، وقد تم توظيف هذه الوثائق في كثير من القضايا القانونية أمام المحاكم الدولية والمحلية؛ حيث أسهمت تلك الوثائق في إثبات الملكيات الوقفية واسترداد الحقوق التاريخية والمشروعة لأصحابها.

الأرشيف العثماني ودوره في استرداد الأوقاف

        تُعد سجلات الأرشيف العثماني المتعلقة بالوقف المصدر الأقدم والمرجع الأساس لكافة المعلومات المتعلقة بهذه الأوقاف، ليس منذ بداية تسجيلها في الوثائق العثمانية فحسب؛ بل وأحيانا كثيرة حتى قبل ذلك بعقود وربما لقرون؛ إذ إن الكثير منها تذكر المعلومات المتعلقة بالوقف قبل قدوم العثمانيين أيضاً، أي إن تاريخ الوقف بكامله تقريبا مسجل في هذه السجلات؛ ما يمكن للحقوقيين الاستفادة منها في سبيل استرداد الأوقاف المغتصبة، وكلها معلومات تساعد في دعم ملف الدعوى بأكبر قدرٍ من الأدلة الواضحة، فمن هذه المعلومات:
  • تاريخ الوقف ومتى كانت بداية الوقف من الناحية الزمنية وتاريخ تأسيسه وحتى ما كان يطرأ عليها فيما بعد.
  • حدود الوقف وأين تبدأ وأين تنتهي من الناحية المكانية بدقة كبيرة، ومن ناحية المساحة والموقع ونوع العقار حينذاك، وحتى ما كان يطرأ عليها فيما بعد من تعديلات.
  • ملكية الوقف وعائديته بدءًا من مؤسس الوقف وواهبه، وأحياناً تؤرّخ لما قبل تأسيس الوقف؛ إذ تبين بعض الوثائق واقعةَ شراء الوقف أو هبته من صاحبه الأقدم قبل وقفه.
  • أهداف الوقف وشروطه وجِهته، فتبيّن الوثائق الوقفيّة مقاصد الواقف وعلى من وَقَف وَقْفَه؟ سواءً أكان على الأفراد، أم الهيئات الاعتبارية من المستفيدين منها.
  • وممّا لا شكّ فيه أنّ الوثائق الوقفيّة ليست على سمتٍ واحدٍ في تفصيلاتِها وشُمولِها؛ لذلك فهذه المعلومات ممّا يُتوقَّع أن تحتويه الوثائق، وليس بالضّرورة أن تشتمل عليه كلّ وثيقة، لكن هذه الإمكانيّة ممّا يجعلُ وثائق الأرشيف العثمانيّ الوقفيّة جديرةً بالاهتمام إلى الغاية.

الأمثلة العملية

         ومن الأمثلة العملية في استعادة الأوقاف من خلال سجلات الأرشيف العثماني، أعلن رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بفلسطين، في مؤتمر صحفي مطلع العام 2020م، أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بفلسطين استعادت ستة آلاف (6.000) دونم في العام 2019، وأنه سبقها استعادة حوالي أربعين الف (40.000) دونم منذ العام 2015 وذلك بعد كشف تزوير الاحتلال لها، وأن الفضل في ذلك يرجع إلى استخدام محامي الهيئة وثائق من الأرشيف العثماني أمام المحاكم الإسرائيلية تثبت عائدية ملكية هذه الأراضي.

دور سجلات الأرشيف العثماني

        تعدّ سجلات الأرشيف العثماني أداة قوية لحفظ أوقاف القدس المسلوبة واستردادها، من خلال توثيقها الدقيق وإدارتها المنظمة، تُقدم هذه السجلات أدلة تاريخية وقانونية لا غنى عنها. ومع الجهود الحالية لرقمنة هذه الوثائق وتعزيز التعاون الدولي، يمكن استخدام الأرشيف العثماني بطريقة فعالة لحماية التراث الإسلامي في القدس واسترداد الأوقاف المسلوبة.

صندوق استعادة الأوقاف الضائعة

        بادرت الأمانة العامّة للأوقاف في دولة الكويت، -بالتعاوُن مع عدد من الدّول الإسلاميّة ضمن إطار منظّمة التعاون الإسلامي- إلى تأسيس صندوق بقيمة 100 مليون دولار، من أجل استعادة الأوقاف الضائعة (المسلوبة) في منطقة البلقان، بوصفها نواة وبداية لمشروع استعادة الأوقاف الضّائعة حول العالم، وبحسب ما جاء في التغطية الصحفية على أثر الاجتماع الذي انبثقت عنه فكرة تأسيس الصّندوق: فقد «أثنى الجارالله الخرافي على جهود الجانب التركي في حصر الأوقاف الضائعة و(المغتصبة) في البوسنة والهرسك على وجه التحديد، بوصفه أول بلد مستهدف من جميع المصادر المتاحة، ولا سيما دُور الوثائق والمخطوطات التركية التي تضم جميع وثائق الأوقاف التابعة للدولة العثمانية في بلاد البلقان العشرة، وترجمت التقرير المنجز إلى اللّغات الرسمية المستخدمة في تلك البلاد تمهيدًا لعرضها على المسؤولين والدعاة للعمل على استردادها، مؤكّدًا أهمّيّة تعميم التجارب الناجحة في البوسنة والهرسك لتشجيعها لاسترداد الأوقاف الضائعة فيها، مع إقامة النّدوات وورش العمل المتعلقة بهذا التعميم»، ومن الواضح أنّ هذه الخطوة تُعدُّ الأرشيف العثمانيّ منطلقًا مركزيًّا لها، وللخطوات التالية المشابهة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك