رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد سلطان السلطان 18 نوفمبر، 2025 0 تعليق

خواطر  الكلمة الطيبة .. السكوتُ والتغافل جناحا الحكمة

  • السكوت والتغافل جناحان من أجنحة الحكمة لا يتصف بهما إلا من تزيّن بالعقل ورجاحة الرأي وسَعة الصدر
  • التغافل عن الزلات أرقى مراتب الأخلاق فكم أطفأ السكوتُ نارَ فتنةٍ قبل اشتعالها وكم طوى التغافلُ صفحاتِ خلافٍ قبل أن تتسع
  • السكوت أحيانا ليس جهلًا أو خوفًا بل هو حكمةٌ واتزانٌ وبصيرة وجواب يختصر منهجًا تربويًا راقيا
  • إذا عدت إلى بيتك ووجدت ما يثيرك من موقفٍ أو تقصير، فاختر السكوت، فهو أكرم للنفس وأعقل للرأي، وأبعد عن الفتن والمشكلات

لا يخفى على أحدٍ، أن من أعظم كتب الإسلام النافعة لأمة المسلمين - التي حظيت بشهرةٍ واسعة بين العلماء وطلاب العلم والعامة على حدٍّ سواء- كتاب (شُعَب الإيمان) للإمام البيهقي -رحمه الله تعالى-، ويُعَدّ هذا الكتاب من أوسع ما أُلّف في جمع قضايا الإيمان وتفصيلها.

       جاء في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان»، هذا الحديث من جوامع الكلم؛ إذ يندرج تحته كثير من أبواب الدين، بل كلّها؛ فقد تناول الإمام البيهقي هذه الشعب بابًا بابًا، ومسألةً مسألة، مستدلًا عليها بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى أخرج لنا هذا الكنز العظيم الذي يُعَدّ بحقٍّ من ذخائر التراث الإسلامي.

جهود العلماء في خدمة الكتاب

       وقد قام جمعٌ من أهل العلم والفضل باختصار هذا السفر العظيم، وتيسيره للقراء، ومن ثمار ذلك أن مجلة الفرقان -التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي، جزاهم الله خيرًا- أخذت تنشر مختاراتٍ منه تحت عنوان: (من شعب الإيمان)، في صورة مقالاتٍ أسبوعية نافعة، وقد تولّى الأستاذ د. عبدالرحمن الجيران - حفظه الله-، تلخيص تلك الشعب بأسلوبٍ علميٍ ميسّرٍ يقرّب الفائدة إلى القارئ، فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.

فنّ من فنون الحياة

       سأقف معكم اليوم مع فنٍّ من الفنون الراقية التي نحتاجها في حياتنا اليومية، في البيت، وفي العمل، وفي الشارع، بل في كل موطن، إنه فنٌّ علّمنا إياه سلفُ الأمة، الذين ما تركوا جانبًا من جوانب الحياة إلا رسموا فيه نهجًا حكيمًا من نور العلم والإيمان، ومن الآثار البليغة التي نقلها الإمام البيهقي في كتابه، ما رواه عن الأعمش -رحمه الله تعالى- أنه قال: «السكوتُ جواب، والتغافلُ يُطفئُ شرًّا كثيرًا».

معنى الأثر وعمقه

       تأملوا هذه العبارة القصيرة، كم تحمل من حكمةٍ وتجربةٍ ووقار! قال شيخنا عبدالله السبت -رحمه الله-: الميزة في كتب السلف أنك تقرأ أسانيد كثيرة، وقد تملّ من طولها، ولكنك تصل في نهايتها إلى كلمتين تساويان مجلدات من الحكمة! أما اليوم، فكثيرٌ من الكلام بلا أسانيد ولا فائدة، حشوٌ كثير ومضمونٌ قليل. إن عبارة الأعمش: السكوت جواب، والتغافل يطفئ شرًا كثيرًا تختصر منهجًا تربويا راقيًا، فكم من موقفٍ في حياتنا يحتاج إلى أن نسكت فيه ولا نتكلم! وليس السكوت جهلًا أو خوفًا، بل هو حكمةٌ واتزانٌ وبصيرة.

السكوت في زمن الفتن

        وقد نُقل أن بعض الإخوة من مصر جلسوا مع الشيخ عبدالله السبت- رحمه الله- في مجلسه بدولة الإمارات، وذكروه ببعض الفتن التي وقعت بعد ما سُمّي بالربيع العربي، وقالوا له: يا شيخ، لماذا العلماء ساكتون؟ لمَ لا يجيبون؟ فقال لهم -رحمه الله-: ألا يسعكم ما وسعهم؟ ألستم تقرّون بأنهم علماء؟ فليسعكم -إذًا- سكوتهم. فالعالم يسكت في الوقت المناسب، كما يتكلم في الوقت المناسب، وسكوته ليس خوفًا، بل فقهٌ في درء الفتنة؛ فالسكوت في موطن الحكمة جوابٌ أبلغ من الكلام.

فنّ السيطرة على النفس

        قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، إنّ ضبط النفس عند الغضب، والاكتفاء بالسكوت في مواضع التوتر، قوةٌ لا ضعف؛ ولذلك قال بعض العلماء عن الشيخ الألباني -رحمه الله-: كان يكتفي بسكوته جوابًا عن المسائل؛ إذ يرى أن الكلام فيها لا يجلب إلا الشرور. فيا أخي، إذا عدت إلى بيتك ووجدت ما يثيرك من موقفٍ أو تقصير، فاختر السكوت، فهو أكرم للنفس وأعقل للرأي، وأبعد عن الفتن والمشكلات، إن السكوت في موضعه رجولةٌ وحكمة.

التغافل يُطفئ شرًّا كثيرًا

       ثم ينتقل الأعمش -رحمه الله- إلى الجانب الآخر من هذا الفنّ الراقي، فيقول: «والتغافل يُطفئ شرًّا كثيرًا»، فكم من موقفٍ أغضبك لو التفتَّ إليه لزاد شرًّا، ولكنك تغافلت فنجوت ونجا غيرك، غير أن التغافل المطلوب هو التغافل عن المباحات والهفوات الصغيرة لا عن الحرام والمنكرات؛ فهناك يكون الموقف الحازم الحكيم.

التغافل النبوي

        ومن أروع أمثلة التغافل ما وقع في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كسرت السيدة عائشة -رضي الله عنها- إناءً جاء من إحدى ضرائرها، فقام النبي -عليه الصلاة والسلام- بهدوءٍ وجمع الطعام، وقال للجارية: «إناءٌ بإناءٍ، وطعامٌ بطعام»، ثم جلس ولم يُعقّب بكلمة، مكتفيًا بقوله بعد ذلك معتذرًا عنها: «غارت أمكم»، ما أعظم هذا الخُلق النبوي في احتواء الموقف بالتغافل وحسن التعامل!

جناحان من أجنحة الحكمة

        وهكذا يتجلّى لنا أن السكوت والتغافل جناحان من أجنحة الحكمة، لا يتصف بهما إلا من تزيّن بالعقل ورجاحة الرأي وسَعة الصدر، فليس السكوت عجزًا، ولا التغافل ضعفًا، بل كلاهما دليل على قوّة البصيرة وحسن التدبير، ووعيٍ بأن الكلمة إذا خرجت ملكت صاحبها، وأن التغافل عن الزلات أرقى مراتب الأخلاق، فكم أطفأ السكوتُ نارَ فتنةٍ قبل اشتعالها! وكم طوى التغافلُ صفحاتِ خلافٍ قبل أن تتسع! فليكن شعارنا في الحياة: سكوتٌ في موطن الفتنة، وتغافلٌ في موطن الهفوة، فبهما تُحفظ القلوب وتصفو الحياة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك