رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: محمد محمود محمد 14 أكتوبر، 2019 0 تعليق

كيف نواجه الحرب على التدين؟

 

 

التدين هو أن يتخذ الإنسان لنفسه ديناً يعتقده، ويلتزم بأحكامه، وهو مصطلح يقابله اللاتدين الذي يعني الإلحاد، وهو اعتقاد عدم وجود إله، ويحوي مفهوم التدين في اللغة العديد من المعاني التي يدل عليها أصل كلمة الدين، فالدين: اسم لجميع ما يعبد به الله والملة والإسلام والاعتقاد بالجنان والإقرار باللسان وعمل الجوارح بالأركان والسيرة والعادة والحال والشأن والورع والحساب والملك والسلطان والحكم والقضاء والتدبير. (المعجم الوسيط، باب: الدال، ص307).

     والعرف قد جرى على أن لفظ التدين لا يطلق إلا على من شأنه الالتزام بأحكام الدين في سلوكه وعاداته، غير أن هذا التدين كما قد يكون تديناً بدين الإسلام، فإنه أيضاً قد يكون تديناً بدين آخر، فيقال مسيحي متدين، ويهودي متدين، وبوذي متدين.. إلى آخره، والتدين هنا لا يلزم من إطلاق لفظه الإسقاط على المعنى الصحيح الكامل والشامل لما جاء به الدين في الحقيقة، إنما هو مصطلح يشف ما وصل إليه الإنسان من قناعات دينية وسلوكيات مرتبطة بذلك، صحت أم أخطأت تلك القناعات، ولعل ذلك هو ما يفسر إتيان بعض الدول سابقة لأخرى في بعض الإحصاءات المتعلقة بأكثر الشعوب تديناً في العالم.

أكثر الدول تديناً

     ففي عام 2017م، أجرت منظمة (Barem)التركية بالاشتراك مع منظمة WIN Gallup International) السويسرية للأبحاث، استطلاعاً للرأي عن أكثر الدول تديناً شمل أكثر من 66 ألف شخص في 67 دولة في العالم، ليس من بينها السعودية ولا مصر. ولكنْ دُوَلاً مسلمة أخرى مثل باكستان وبنجلادش ونيجيريا، ومع ذلك جاءت تايلند في مقدمة الدول الأكثر تديناً في العالم. فمصطلح التدين حين يطلق في الأبحاث الإحصائية، والدراسات الإعلامية، لا يقصد منه سوى التدين الذي يقابل الإلحاد.

التدين الصحيح

     لا يكون الإنسان متديناً تديناً صحيحاً إلا إذا كان مسلماً؛ لأن التدين الصحيح فرع عن اعتناق دين صحيح، والدين الصحيح هو الإسلام، ثم إن هذا التدين بالإسلام لا يكون صحيحاً إلا إذا جاء مطابقاً لتعاليم الدين في الغالب وفق رؤية كاملة وشاملة تضم السلوك والاعتقاد.

الحرب على التدين بالإقصاء

     إن أعداء الإسلام يعلمون أن دين الله -تعالى- محفوظ، وأنهم لا يستطيعون النيل من حقيقته، لأن الله -تعالى- هو المتكفل بحفظه، قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر، آية: 9)، ولذلك فإنهم حين ينالون فإنما يناولون من تدين المتدينين وليس من الدين، وإن الحرب على التدين تأخذ أشكالا عديدة، منها ما هو مكشوف وواضح، ومنها ما هو خفي ومستتر، فالمكشوف الظاهر يكون بنشر الفواحش، وإعلاء صوت أصحاب الرذائل، وتلميع أهل المجون والفسق، وتقديم أهل الغناء والطرب والتمثيل والرقص على أهل الدين والعلم.

الحرب على التدين بالانتقاص

     وهذه هي أخبث الحروب التي مورست على الإسلام في العصر الحديث، ولها أقسام ثلاثة، القسم الأول: وهو الانتقاص من المقدسات، وله أساليب عدة، منها الهجوم المباشر: على القرآن وآياته والتشكيك في مصدره، أو السنة وأحاديثها وطريقة جمعها وحفظها وتدوينها، ومنها الهجوم غير المباشر: بنشر الأكاذيب والأخبار الملفقة التي يقصد منها تعظيم المقدس في الحال والإيحاء بتحطيمه في المستقبل القريب، كأن ينشر أحدهم أن من أساء إلى المصحف الشريف بالحرق أصابه الله بالشلل، أو مسخه الله قرداً، أو نحو ذلك مما يتبين بعد ذلك بأيام قليلة كذبه للبسطاء ممن يتابعون ذلك ويصدقونه من حينه، فتتأثر نفوسهم بعدم حصول ما نشر، وتتزعزع إيمانياتهم.

النيل من الرموز الإسلامية

     القسم الأول من الحرب على التدين بالانتقاص النيل من الرموز الإسلامية التي يثق الناس بهم، بدأَ من محاولة الإساءة إلى شخص رسول الله وبعض أزواجه - صلى الله عليه وسلم - ومروراً بمحاولة النيل من شخص الإمام البخاري، أو شخص صلاح الدين الأيوبي، أو عمرو بن العاص - رضي الله عنه -، ولا يُقصد بطبيعة الحال النيل من هؤلاء حصراً، إلا لما يمثلونه من رمزية، فشخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقصد من محاولة الإساءة إليه، الإساءة ذاتها، ولكن توهين قدسيته في قلوب أتباعه على المدى البعيد، فضلاً عن التشكيك في الإسلام ذاته، فالإساءة للنبي - صلى الله عليه وسلم - يقصد منها إبراز بشريته، وتحطيم القدر المقدس في كينونته، باعتباره الحامل والمبلغ لرسالة رب العالمين، فالمقدس لا يستطيع أحد النيل منه، بينما البشري عرضة للهدم والتحطيم، هذا ما يطمحون إلى تحقيقه، في قلوب المسلمين.

النيل من مظاهر التدين

    القسم الثاني من الحرب على التدين بالانتقاص: هو ما يكون بالنيل من مظاهر التدين، كالانتقاص من قيمة الحجاب والنيل من أهمية النقاب والتهوين من شأن اللحية بالنسبة للرجل، والتعالي على بعض السنن الظاهرة والواجبات العملية، كالأذان، وخطبة الجمعة، وصلاة الجماعة، ونحو ذلك؛ لا يرمون بذلك إلى هدم الدين كله، فهم ليسوا بهذه البلاهة، إنما يكفيهم أن يثقبوا في جدار الدين كل عام ثقباً، وأن ينتزعوا من بنيانه لبنة، يستوي عندهم أن تكون اللبنة في واجهة الدين أم في أساسه، في ظاهره أم في باطنه، فكل نيل منه مكسب، وكل خطوة على الطريق تصل بصاحبها لا محالة مهما طال الأمد إلى نهاية.

صناعة نماذج مزيفة

     القسم الثالث من الحرب على التدين بالانتقاص: وهو ما يكون بإبراز شيوخ دين يميلون إلى التحرر من قيود الشريعة، بعضهم من العلماء وبعضهم من أنصافهم، وبعضهم ممن لا أصل له في العلم ولا فصل، إنما دعت ضرورة كونه مفوهاً أن يكثر لغطه، ويعظم خطره، ويتكرر ظهوره، وهؤلاء جميعاً قد رفعوا شعار التحرر والتحلل، من قيود الشرع، بعضهم قد انتهج مبدأ التخليط والتدليس، فهو يعرض الآراء الفقهية في مسائل كالخمر مثلاً، فيبرز الأقوال الشاذة فيها ويلمعها، وبعضهم قد انتهج مبدأ التكذيب والتجهيل للعلماء الكبار، من منطلق أنهم قد عرضوا الدين بغير أمانة!، وأن الله قد وفقه لكشفهم، وفضح ألاعيبهم، ولا تبحث عن ذلك الفسل وأضرابه، ولا تسأل: من أين ظهروا؟ فإن كثرة استضافتهم في الفضائيات المشبوهة، والموجهة من خارج أقطار الإسلام، تنم عن حجم الحرب وأبعادها، وحقيقة من يديرها ويمولها.

واجبنا تجاه الحرب على التدين

     الذين أعلنوا هذه الحرب وأقاموها، يعلمون أنها حرب طويلة المدى، وأن نتائجها التي يطمحون إلى تحقيقها لن تحصل كلها دفعة واحدة، وأنه يكفيهم من النتائج في الوقت الراهن أن يستقطبوا في صفوفهم من أنصاف العلماء وأرباعهم من نمت في نفسه منهم شهوة الظهور، ولمعت في عينيه العزيمة على الطفو على السطح مهما كلفه ذلك الطفو من تلوث وما جاوره وعبَّأه من قذر، كما يكفيهم إلى جوار ذلك أن يزلزلوا قناعات العامة برسوخ الدين وثبوت الشريعة، فكل الحقائق نسبية، فضفاضة، محل خلاف، ومهما فعلنا فنحن «أكثر شعوب الأرض تدينا»!.

     عند ذلك يتوجب علينا أن ننتبه إلى أن المَعْنِيَّ من هذه الحرب هي الأمة بأسرها، رأسها المتمثل في المتسرعين من طلبة العلم منهم، والعامة، الذين لا يملكون من الحجج والبراهين ما يمكِّنُهم من الدفاع عن تدينهم الصحيح. وإن واجبنا تجاه هؤلاء وأولئك يتمثل في أمرين: الأول: التحصين، والثاني: نفي الخبيث.

التحصين

     فأما الأول وهو التحصين فيكون بإزالة الشبهات أولاً بأول، وإبراز الحقائق الدينية مدعمة بالدليل. فإنه مهما كانت وسائل تحقيق ذلك متواضعة إلا أنها كثيرة بفضل الله؛ إذ لم تعد قاصرة على وسيلة ولا اثنتين، بل وسائل الوصول إلى الجماهير أصبحت أكثر يسراً، ولكنها فقط تحتاج إلى المتجردين، الذين يعملون لله، لا لأنفسهم، وللدين لا للدنيا. إن من أعجب العجب ألا يُسجل مقطعٌ واحدٌ لأحد من أهل العلم الأثبات يرد فيه على من يقول بكراهة الخمر أو بإباحة القليل منها، رغم مرور أعوام على ظهور هؤلاء!.

نفي الخبيث

     وأما الواجب الثاني فهو نفي الخبيث، ويعني أمرين أولهما: احتواء دعاة التحلل، ومحاولة الوصول إلى إقناعهم بالعدول عن محاربة التدين، ما أمكن إلى ذلك من سبيل. والثاني: تحجيمهم، ودعوة الناس إلى مقاطعتهم، والحذر منهم، ومقاطعة وسائل الإعلام التي يظهرون فيها.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك