أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا
في المناظرات الشهيرة بين المؤمنين والملحدين، يكثر الحديث عن وجود الشر، والتعلل به لتسويغ الإلحاد، ولذلك يقول الأمريكي (مايكل تولي) في مناظرته (لوليام لين كريغ) في 2010م: إن الحجة المركزية للإلحاد الحديث هي حجة الشر؛ وقد لخّص (رونالد ناش) هذا المشهد الإلحادي الذي يكاد يعتمد كليا على موضوع الشر، بقوله: «إن الاعتراضات على الإيمان بالله تظهر وتختفي، لكن كلّ الفلاسفة الذين أعرفهم يؤمنون بأن أهمّ تحدٍّ جادٍّ للإيمان بالله كان في الماضي، وكائنا في الحاضر، وسيبقى في المستقبل، هو مشكلة الشر». (مشكلة الشر، سامي عامري، ص18).
المقدمات الخطأ نتائجها باطلة
إن من أهم الأسباب التي جعلت بعض المتفلسفة يقع في فخ الإلحاد، أنهم حين يبحثون في قضية وجود الله يبحثونها بمنأى عن الوحي، معتمدين على الحجج المنطقية التي هي بمثابة قوالب عقلية يمكن أن تؤدي للنتيجة وضدها، بحسب ما تؤدي إليه مقدماتها؛ حيث إنها قد تنطوي على مغالطة أو أكثر مما يؤدي حتما إلى نتائج خطأ، ويظن صاحب المنطق السقيم في وهم أنه على الحق، بينما هو في قعر الهاوية؛ فقد بنى بنيانه على أسس فاسدة، فخرج اتصاله العقلي معطوباً وساقطا، ولو كان العقل البشري بذاته قادراً على الاستدلال على وجود الله من غير معونة من الله -تعالى-، لما أرسل الرسل، ولما قال -سبحانه- في القرآن الكريم: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (الإسراء آية: 15). قال ابن جرير في التفسير: «يقول -تعالى- ذكره: وما كنا مهلكي قومٍ إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم. كما حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا}: إن الله -تبارك وتعالى- ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبر، أو يأتيه من الله بيِّنة، وليس معذّبا أحدا إلا بذنبه». (جامع البيان، ج17، ص402).
تأرجح الملحدين في الاستدلال بالشر
حين يقدم الملحدون الشر بوصفه دليلا على الزعم بعدم وجود الله -تعالى-، فإنهم يكونون مضطربين في ذلك، وغير قادرين على تقديم نموذج منطقي واحد لا يسلم من النقد؛ فقد كان أول من طرح مشكلة الشر بوصفه دليلا على عدم وجود الله من منظور منطقي هو الفيلسوف الإغريقي (إبيقور) 341 ق م، ويمكن تلخيص محاججته بما يلي: إذا كان يوجد إلهٌ كامل القدرة والمعرفة والخير بالعالم، إذاً لن يوجد الشر. وما دام الشر موجودا، إذاً، فإنَّه لا يوجد إله كامل القدرة والمعرفة والخير في الآن ذاته.
تهافت الاستدلال بالشر
ليس أدل على بطلان المقدمة الأولى من أنه ربط بين اتصاف ذات الله -تعالى- بكمال القدرة والمعرفة والخير، وبين وجود الشر في العالم، مع التحفظ على وصفه الله -تعالى- بما لم يصف به ذاته، وإنه إذ يربط بين الأمرين: قدرة الله ورحمته من جانب، وبين وجود الشر من جانب آخر، فإنما يقع في مغالطة كبيرة؛ لأنه لا تلازم بين الأمرين، فقد أظهر المقدمة الأولى على أنها مسلمة لا تقبل إثبات العكس، فأعفى نفسه من تقديم الدليل على زعمه، بينما الحقيقة أنه لم يقدم دليلاً على ذلك التلازم؛ وقد أوقعه في تلك المغالطة ثلاث جهالات لا ينفك يتصف بها الملاحدة في كل العصور وهي: أولاً: الجهل بحكمة وجود الشر، وثانيا: الجهل بسبب وجود ذلك الشر، وثالثاً: الجهل بمآل من يفعل الخير ومن يفعل الشر؛ إن المقدمات الحمقاء لا يمكن أن تؤدي إلى حق، وهل عدم علم إنسان ما بشيء يعني نفي وجود ذلك الشيء؟!، إن المنطقيين أنفسهم يقولون: إن نفي العلم لا يعني نفي الوجود.
حكمة وجود الشر
إذا جهل (أبيقور) حكمة وجود الشر، لا يعني أنها غير موجودة، أو أن الشر موجود لغير ما هدف ولا غاية، ثم إن الذي خلق الخير والشر بَيَّنَ حكمته في خلق الشر، فقال -سبحانه- في القرآن: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، (الأنبياء، آية: 35). قال ابن كثير «أي: نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى، لننظر من يشكر ومن يكفر؟ ومن يصبر ومن يقنط؟، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: {ونبلوكم}، يقول: نبتليكم بالشر والخير فتنة، بالشدة والرخاء، وبالصحة والسقم، وبالغنى والفقر، وبالحلال والحرام، وبالطاعة والمعصية والهدى والضلال. وقوله: {وإلينا ترجعون} أي: فنجازيكم بأعمالكم. (تفسير القرآن العظيم، ج5، ص342). هذا عن حكمة وجود الشر، يضاف إليها أن معرفة الخير والإحاطة التامة به لا يمكن أن تتحقق بغير علم بالشر ووجوده، كما يقال في الحكمة: (بضدها تعرف الأشياء)، فبغير الظلمة لا يمكن التأكد من حقيقة النور، وبغير الشقاء لا يمكن إدراك حقيقة النعيم، فوجود الشر ضروري لاكتمال منظومة الحياة وتحقيق حكمة الله من خلقه للإنسان على الأرض، وهي الاختبار، بإثبات جدارة ذلك المخلوق بالجنة التي خُلِق لها أساساً، وحين نصل إلى هذه النقطة يظهر لنا ضرورة أن قضية فهم حكمة وجود الشر لا يمكن تحقيق القناعة الكاملة بها بمنأى عن الإيمان ببعض الغيبيات التي تتعلق ببداية الخلق، وسبب وجود الإنسان؛ فليس في وسع العقل أن يدرك ذلك بغير هداية من الوحي، وإلا فإنه في مهب رياح الضلال.
سبب وجود الشر
لا يمكن النظر في كل الأمور بمنظور واحد، ولا الحكم على الأشياء من منطلق العلم بها من زاوية واحدة فقط، ففي الوجود كثير من القوانين الإلهية الكونية التي تحكم سير الأحداث؛ فلا يمكن من الناحية العقائدية النظر في هذه الأحداث من منظور علم الفيزياء فقط أو منظور علم المنطق أو الفلسفة فقط، أو من منظور علوم البيئة فقط، أو من منظور الحلال والحرام فقط، ذلك أن منظومة الحياة من التعقيد والتشابك والعمق ما لا يمكن الإحاطة بها، ولذا لابد من النظرة الشمولية التي ربما تشمل كل العلوم أو جُلها، حتى يتسنى للإنسان معرفة الله بل مجرد الوقوف على بابه فقط، وذلك للسبب الذي نوهت عنه آنفا وهو قصر المادة منفردة عن إثبات شيء بذاتها، وعجز العقل وحده بغير معونة الوحي عن الوصول إلى الله -تعالى.
اختلاف الأحوال
إذًا سبب وجود الشر في ضوء هذه الحقائق يتعدد ويختلف باختلاف الأحوال، فالشر في باب الكوارث الطبيعية له أسباب، والشر في باب الحوادث الفردية له أسباب أخرى، والشر في باب الصراع الدولي له أسباب، وفي باب التعامل الإنساني له أسباب أخرى، والشر في باب العاهات والمجاعات والضعف له أسباب، كما أن له في باب الأمراض والفشل أسباب أخرى. والذي يظهر أن الشر إما أن يكون له سبب بشري ذاتي أو غيري، أو يكون له سبب كوني، والمقصود أن سبب وجود الشر لا يرجع دائماً إلى سبب إلهي، يتحقق به قهر الإنسان، بل أكثر الشر مصدره الإنسان نفسه، أو إنسان غيره، والقليل الذي سببه قدري، لا نجد لأمر الله ونهيه مدخلا فيه إلا بالتوجيه إلى طلب العافية، والحث على السلامة في مثل قوله -تعالى-: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195)، وفي مثل قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء: 29).
حكمة الله -تعالى
لكن هذا كُلَّه لا يعني نفي حصول شَرٍ لا مدخل للإنسان فيه، كما في حالة الزلازل والعاهات وبعض الأمراض؛ إذ تبقى سببية هذا الشر مسندة إلى حكمة الله -تعالى- في المنظور العام، تلك الحكمة التي اقتضت أن يكون بعض الشر سببا في ظهور الخير؛ فمن يولد أعمى أو أصم، محفوظ له أجر عند الله على قدر صبره وتكيفه مع ما نقص من نصيبه في الدنيا بهذه العاهة أو تلك، لكن وجوده بين أصحاء هو أيضاً من مقصود الله، من وجوه عديدة؛ من حيث العِبرة، والمعونة، والشكر، والرضا؛ لذلك قال -سبحانه-: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنعام: 165).
عاقبة الخير والشر
بغير بيان تلك العاقبة لا يصبح لوجود الخير والشر على الأرض معنى، فإنما يطل الإلحاد برأسه في قلوب الأغبياء حين لا يرى أحدهم إلا تحت قدميه، ولا يبصر إلا ما تراه عينيه، ويقع منه أو عليه، وقد حذر الله -تعالى- من ذلك فقال: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)}. (المؤمنون: 116). فالبعث في عالم آخر، يوجد فيه جزاء للمحسنين وعقوبة للمسيئين ليس اختراعاً ولا ادعاء، بل هو من مقتضيات المنطق السليم، ولازم من لوازم السلام النفسي، الذي في غيابه يشقى الإنسان بنفسه مهما عز، ويتيه في الظلمات مهما أوتي من فهم وعلم؛ لذلك نجد الانتحار يكثر بين الملحدين.
لاتوجد تعليقات