«احفظ الله يحفظك» التوازن في المجتمع أمرٌ ضروري
عندما يقتحم الإنسان مجالات لا يُحْسِنُها؛ فإنه يجني على نفسه ويفضحها، ويتعدى على العلم والمعرفة، ويهتك حُرْمَةَ التخصص، وإذا وصل هذا التعدي إلى كلام الله ورسوله؛ فهو من القول على الله بلا علم، وذلك مطلب الشيطان وأمله، قال الله -تعالى-: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، (البقرة: 168 – 169)، وقال -تعالى-: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(التوبة122)، وما كان المؤمنون: لا ينبغي أن يكون المؤمنون جميعهم دعاةً، أو علماء، أو حُكامًا، أو مجاهدين، أو فلاحين، أو دارسين، أو غير ذلك، هكذا دلت الآية الكريمة، لا يمكن أن يكون الناس كلهم علماء.
قال الله -تعالى-: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}(النساء:83)؛ فليس كل الناس من ينبري للفُتيا، وليس كل الناس من ينبري ليُطبب الآخرين، ليس كل الناس من ينبري ليتكلم في غير فنه، بل هذا نبينا -عليه الصلاة والسلام- يؤدبنا ويعلمنا، عندما قال لأصحابه في تأبير النخل،: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وقال: «من تطبب ولم يُعلم منه طبٌ فهو ضامن» أنت تضمن النتائج، عليك تلك النتائج السيئة، يأتيك شخص يُعاني مشكلةٍ صحية فإذا بتجربةٍ مرت عليك، وإذا بك تُسقط هذه التجربة عليه، وقد تكون وبالًا عليه ويزداد معه المرض؛ فأنت ضامن؛ فهذا فيه زجرٌ للمتطفلين على ساحات التخصص.
ذم الرويبضة
بل ذم -عليه الصلاة والسلام- الرويبضة، قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في شؤون العامة»، كما قال -عليه الصلاة والسلام-، وجاء في الصحيحين في البخاري ومسلم قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جُهالًا؛ فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» حديثٌ يحكي واقعنا، حديث بأن الله -عز وجل- لا ينتزع العلم من صدور العلماء، بل يقبض العلم بقبض العلماء، حتى لا يبقى إلا رؤوسًا جهال، امتلأ اليوتيوب كما يُقال، مواقع التواصل الاجتماعي، امتلأت محطات التلفزة بالمتسلقين على العلم والعلماء، وتكلموا بفنون لا قِبل لهم بها، ولا باع لهم فيها، ولكن الإعلام ينشر لهم ما ينشر، والناس يسمعون لكل ناعق والله يقول -عز وجل-: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(النحل:43). هل هؤلاء هم من أهل الذكر يا رعاك الله؟! فلابد أن ينتبه الإنسان لنفسه، وينتبه لدينه؛ فالناس أصبحت تسمع لكل ناعق، وتقرأ كل مقال، ولا يُعرف لكاتب ذلك المقال، أو لذلك المتكلم في تلك القنوات، لا يُعرف عنه دين، ولا يُعرف عنه علم، وليس من العلماء، ولم يُشر إليه بالعلم والفُتيا.
التخصص العلمي
التخصص العلمي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، نعم، كان هناك تخصص علمي، هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه تخصص في علم الأنساب، في مسلمٍ يروي حادثةً حين طلب النبي صلى الله عليه وسلم من حسان بن ثابت -وهو المتخصص في الشعر- أن يهجو قريشًا، قال: «اهجهم» كما جاء في البخاري كذلك؛ فقال حسان للنبي صلى الله عليه وسلم : «والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديب»؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعجل؛ فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها». التخصص أحال الأمر للمتخصص؛ فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا حتى لا يقع في نسب النبي وهو يهجو.
العلم بالحلال والحرام
العلم بالحلال والحرام، وعلم الفرائض، والمواريث، هذا حديثٌ بيَّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم من تخصص بتلك العلوم، جاء الحديث في سنن الترمذي وغيره، يقول -عليه الصلاة والسلام-: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم -أعلمهم بالمواريث- زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي، ولكل أمةٍ أمين، وأمين هذا الأمة أبو عبيدة بن الجراح».
وفي الحلية لأبي نعيم وبتحسينات الألباني، قال -عليه الصلاة والسلام-: «معاذ بن جبل أعلم الناس بالحلال والحرام»، وفي ضبط الآيات والقرآن كما جاء في الصحيحين: «خذوا القرآن من أربعة، من: ابن عباس، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة».
التطفل على موائد العلماء
ولكن للتطفل على موائد العلماء آفات، ومن ذلك ما جاء عند أبي داود بتصحيح الألباني -رحمهم الله جميعًا- عن جابرٍ قال: «خرجنا في سفرٍ فأصاب رجلٌ منا حجرٌ فشجه في رأسه»، ثم نام هذا الرجل وأصابته جنابة من حلم احتلم ورأسه معصوب بسبب الجُرح، فسأل أصحابه فقال: «هل تجدون لي رخصة في التيمم؟» رأسي ينزف دمًا وأنا على جنابة، والواجب علي أن أغتسل ولا أستطيع، هل لي من رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات؛ فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أُخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، شفاء الجهل السؤال، اسأل إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقةً ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده، هذا هو الجهل، هذا هو الإفتاء بغير علم، كيف يُردي بصاحبه.
الأجهزة الذكية
لقد ابتلينا بهذه الأجهزة الذكية –وما تحويه من مواقع التواصل الاجتماعي، لقد مللنا، من مقاطع الفتوى والتحليلات التي تخرج من أناس كما قال الإمام مالك: «من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب» قد يكون من فنه الفيزياء، وإذا به يتكلم في الدين وهو من المعتزلة، يُسقط على الناس ولا يدرون ما المعتزلة ولا آراؤهم؟ وإذا به ينفي قضايا كثيرة؛ فقد نفى دخول آدم إلى الجنة، ونفى عذاب القبر، وليس من أهل العلم ولا من فنهم، وهذا في الأمور الدينية وهو أشد الأمور، هناك هجمة شرسة لضرب الثوابت، والدين كله ثوابت، لا متغيرات فيه، ولكن هناك أسس وأصول متفق عليها، استقرت من عهد السلف الصالح من أزمنة سحيقة بعيدة جدًا، الأمة كلها اتفقت عليها، ومع ذلك تجدهم يقعون في أئمة الدين وأعلامه مثل الإمام البخاري ومسلم وغيرهم، تجدهم يعلون شأن أهل الزيغ والضلال؛ فتجدهم يعلون من شأن الحلاج ذلك الضال الذي حُكِمَ بكفره، إلى غيره من أئمة البدع والضلال.
التعالم وفضول الكلام
مما هو ملاحظ ومشاهد هذه الأيام أنه مع اتساع الفضاء الإعلامي بقطبيه الحديث (التواصل الاجتماعي وسائر المنتديات والمدونات في الشبكة العنكبوتية) والتقليدي (الصحف والفضائيات)، أصبحنا نرى كثرة المتحدثين في غير فنونهم؛ فضج الفضاء، وكثر اللغط كما عمت الجلبة والضوضاء؛ فنجد التركيز غالباً على مواطن الاختلاف ومواقع الشقاق، يروى عن العسقلاني -رحمه الله- قوله: «إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بالعجائب»، قد يقول بعضهم: إن النقاش مطلوب ومحمود والتشاور من شيم العقلاء، وهذا القول صحيح إذا ما تم ذلك دون تسفيه أو إقصاء مع ترجيح لرأي مسبقا، بل واستمراء الجدال، وهذا يثير التساؤل، هل يشير ذلك إلى تغير في ثقافة مجتمعية؟
أذكر مجالسنا لا يجترأ على الحديث فيها، ولاسيما الأمور المفصلية، وحوادث الساعة، إلا من كان كبيراً في السن ووجد لديه سعة في العلم مع طول الخبرة، فضلاً عن الحديث عبر منصات إعلامية، أو إلكترونية قد تصل إلى الملايين، وما أسهل أن يطلق لقب إعلامي أو ناشط اجتماعي، فضلاً عن غيرها من الألقاب النخبوية التي لا يصح إطلاقها هكذا اجتهادًا على كل من جلس على كرسي المتحدث وظهر على الهواء، أو عبر الأثير منظراً، أو متكلماً؛ فلربما سمع الحديث بعض العامة؛ فأكبروا صاحبه وأخذوه عنه، بل وعملوا بذلك الكلام.
ورد عن الإمام الشافعي -رحمه الله- أنه قال في رسالته: «وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أولى به وأقرب إلى السلامة إن شاء الله»، كما قال الجرجاني -رحمه الله-: «إذا تعاطى الشيء غير أهله وتولى الأمر غير البصير به أعضل الداء واشتد البلاء».
وقد اتفق علماؤنا والحكماء من أمتنا كما ذكر العقلاء في كتبهم ووصاياهم أن فضول الحديث والاجتراء على الكلام، بل والتنظير دون علم، أو خبرة أشد ضررًا من الجهل وعدم الدراية؛ فالأجدر بالعاقل الفطن أن يصون لسانه، وأن يتثبت من كل ما ينوي نقله أو الاستشهاد به، كما ينبغي للكيس الحصيف ألا يتحرج من قول لا أعلم، وأن يعزو الأمر إلى أهله والخبراء بنواحيه وترك الجدال وإن كان محقاً.
لاتوجد تعليقات